مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

شاعر القيمة التي لا يسقطها التقادم
مقال بقلم محمد أحمد السويدي

إن أي محاولة لإعادة قراءة مبدع عظيم بقدر أكبر من التحرر هي خطوة في سبيل إنصاف أنفسنا، بأن نكون أكثر موضوعية في قراءة ماضينا وذواتنا، وأن نتعلم أن لا نثبت عند رأي ونعامله وكأنه يقين لا يقبل المراجعة.
ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث
 
نشر في صحيفة الحياة بتاريخ 27 أيار - مايو 2007

لدي قناعة في أن الزمان هو المقياس الأهم عند النظر إلى الإبداع في أي شكل من أشكاله، لأن الصفة الأهم في كل قيمة حقيقية هي أنها لا تسقط بالتقادم، وكل إبداع أصيل يحمل في رحمه بذوراً، تظل حية دائماً رغم سفرها في الزمن، وهي وإن بدت كامنة إلا أنها في انتظار مياه جديدة لتكشف عن زهورها وثمارها، هذه المياه هي ما تحمله كل مرحلة تاريخية من وعي خاص ومفاهيم جديدة للأشياء.
وإذا كان هذا القانون ينطبق على كافة أشكال الإبداع، فإن الشعر يقف في صدارة هذه الأشكال، لأنه -كما يقول أوكتافيو باز- جُبِلَ من عين جوهر التاريخ والمجتمع: اللغة، وإذا كان التاريخ لا يتحقق إلاّ على حسابنا باعتبارنا مواده الخام، فإن الشعر يغيّر هذه العلاقة تغييراً جذرياً لأنه يتحقق على حساب التاريخ، لأن للشعر مهمة واحدة: أن يحوّل (طبيعة) التاريخ.
في إطار هذا التصور، ليس غريباً ما نشهده من احتفاء الأمم العريقة بمبدعيها وفنانيها الذين أسهموا بإبداعهم في مسار حضارتها، أو ذلك الانشغال الذي تبديه تلك الأمم بالبحث في نتاج مبدعيها الكبار وإعادة اكتشافهم وتسليط الضوء على مناطق جديدة في إبداعهم مرة تلو الأخرى مستعينين بما تكشف عنه العصور من قوانين وأدوات بحث.
فما من أمة إلا واحتفت بعظيم من عظمائها، تعيد اكتشافه وقراءته مرة بعد مرة، شكسبير عند الإنجليز، باشو عند اليابانيين، حافظ الشيرازي عند الفرس وطاغور عند الهند، وغيرهم الكثير، والعرب ليسوا استثناء من ذلك، فلماذا ننظر بعجب إلى ما يمكن تسميته بحالة الانشغال العربي بالمتنبي! رغم أنني أكاد أجزم أنه على كثرة ما أنجزنا من كتابات حول شعره وسيرته، فإن المتنبي لم يحظ بدراسات قيمة ومتعمقة كالتي حظيت بها قامات شبيهة به عند الأمم الأخرى كشكسبير مثلاً.
والغريب في الحالة العربية، هو أن البعض يعتبر الاهتمام بشاعر عظيم هو عودة غير مقبولة إلى الماضي، وكأن كل عودة إلى الماضي هي تخلّف، كما أن البعض يجد في الاختلاف حول شاعر أو مبدع عظيم مبرراً لرفض الانشغال به، وكأن الاختلاف فكرياً على سبيل المثال مع المتنبي ينفي عنه عظمته كشاعر، وهو أمر عار عن الصحة والموضوعية، فالأصل أننا لا نتبع المتنبي، إنما نتبع نهجاً علمياً في النظر إلى الأمور، وأن نضع في الوقت نفسه منجزه وسيرته موضع النقاش والدراسة، وما يقره البحث الموضوعي نقره إلى أن تنفيه حقائق أخرى، وأضيف إلى ذلك أن تجربة صناعة المتنبي لمجده وحدها جديرة بالدرس والتأمل.
ليس الهدف إذن من تناول المتنبي بالدرس هو إنصافه من عدمه، ولا أن نحاكيه، بل الهدف هو قراءة الزمان من خلاله والتعرف على موقفنا من هذا العالم، لأن أي محاولة لإعادة قراءة مبدع عظيم بقدر أكبر من التحرر هي خطوة في سبيل إنصاف أنفسنا، بأن نكون أكثر موضوعية في قراءة ماضينا وذواتنا، وأن نتعلم أن لا نثبت عند رأي ونعامله وكأنه يقين لا يقبل المراجعة، كأن نقول إن الماضي أسود أو أبيض، وإنما علينا أن نجلو ما هو حميد ونفصله عن ما هو غث وسيئ، لنستطيع فهم دورنا في الحضارة الإنسانية.
مقطع القول هنا أن الاهتمام بالمتنبي لا يعني أن نتفق معه في كل ما جاء به، فليس منا من يوافقه مثلاً في مبالغته المرضية بالفخر بذاته، أو في عنصريته، وليس منا من يتبنى الصورة التي رسمها بشعره - على روعة هذا الشعر- لكافور الإخشيدي أو لغيره دون إعادة نظر وتفكير.
إلا أن هذه الصورة لا تكتمل دون أن نقف على تفاصيل المفارقة الضخمة التي تتجلى لنا عند الإلمام بطبيعة العصر الذي عاشه هذا الشاعر، بما ساده من ترد وتقلب أحوال، وغياب لمنطق الأمور، ووصول نكرات إلى سدة الحكم عبر البطش وسفك الدماء وظلم الناس وإشاعة الخوف والرهبة بين الرعية، وهو جو في اعتقادي له أثره في من عاش فيه، وينبغي أن نضعه في اعتبارنا ونحن نعيد قراءة المتنبي لنتعرف على طبيعة الدوافع التي حركته في إطارها الزمني، وهو تحديداً ما قمت بفعله في "يوميات دير العاقول" التي حاولت أن تكون موسوعة شاملة عن القرن الرابع الهجري زاوية انطلاقها ومرتكزها سيرة حياة الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، لأعيد من خلالها "تركيب العصر" بحيث لا يعود الزمان مفككاً كما ورد في الكتب، السياسة في جانب، والأدب والاقتصاد والمجتمع والشارع كل في جانب، بل تتبعت تلك الخيوط التي صنعت ذلك النسيج.
يبقى السؤال : ولماذا المتنبي؟ لماذا هذا الشاعر رغم ما أثاره من جدل وما حظي به من اتهامات! ولا أجد رداً على ذلك سوى اقتباس ما قاله أوفيد في خاتمة رائعته "التحولات" مخاطباً جوبيتر، لأن المتنبي سيظل حياً بشعره مهما اختلفنا معه أو حوله:
يقول أوفيد في خاتمة رائعته "التحوّلات":

"أتممتُ الآن عملاً ليس بمقدور جوبيتر هدمه،
لا اللّهب، ولا الحديد، ولا الزّمن الذي لا يشبع.
فليأتِ اليومُ المحتوم متى شاء،
لن يكون له حقوق إلاّ على جسدي،
فليضعْ حدّاً لمجرى حياتي الغامض:
الجزءُ الأنبل فيّ سينطلق، خالداً،
سيسمو على الكواكب،
وسيكون اسمي عصيّاً على الفناء·
وأينما توغّلَت روما،
بعيداً في الأرض التي تسودها،
سوف تقرؤني الشعوب،
أنا الذائع الصّيت.
ولئن صدق حدسُ الشّعراء،
سأحيا على مدى الزمان".

جميع الحقوق محفوظة للقرية الإلكترونية في أبوظبي - 2007