مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

على سبيل الختام
2007/08/18

بقلم : محمد أحمد السويدي

تكمن عظمة المعرفة في قدرتها على إحداث تحولات، وقد شغلني المتنبي وعصره لأكثر من عقدين من الزمان، كنت خلالهما أقرأ بنهم، وأبحث بدأب حريص على التقاط كل واردة وشاردة تخص هذا العصر، وقد دفعني تزاحم الأفكار في ذهني وانشغال مخيلتي بذلك الزمان وأهله إلى الإقدام على تدوين هذه اليوميات (يوميات دير العاقول) التي أسرتني فكرتُها كما تأخذ القصيدةُ بخناق شاعرها إلى أن ينجزها، وتحت وطأة هذا الشعور بدأت في التدوين، وما زلت في منتصف الطريق، إذ دونت ما يربو عن 160 يومية، أتوقع أن تربو على ثلاثمائة يومية وفقاً للتسلسل الذي رسمته للأحداث.
وسط هذا الانشغال بالقراءة والبحث والكتابة، كان من العسير عليّ أن أختار من اليوميات ما يتم نشره في الحلقات التي أسعدتني جريدة "الإمارات اليوم" باستضافتها أسبوعيا.
كنت أتردد طويلاً قبل أن أصل إلى صورة أراها ملائمة لكل حلقة من الحلقات التي مررتها للنشر، حيث تتراجع في نظام الحلقات الصورة الكلية، ويختفي الترابط العضوي بين اليوميات بينما أراهما الرهان الحقيقي في هذا العمل الطويل.
ولا أخفي عن قارئي الذي تحملني على مدار 14 حلقة أنني حملت منذ البداية همّ الحلقة الأخيرة، ورحت أتساءل في قلق: كيف لي أن أنهي عملاً ما زالت كل أبوابه مشرعة، وكيف لي أن أختار من اليوميات - التي تتحول وتخضع للتعديل والتطوير يومياً - ما يشي بكنه العمل الكلي، ويُبلغ القارئ فحوى رسالتي؟ والحقيقة أنه خلال انشغالي وبحثي في تاريخ القرن الرابع الهجري وحياة المتنبي لاختيار مفاصل اليوميات، بدأت تتكشف أمامي معارف لم تكن ظاهرة لي من قبل، كانت بحق جديرة بإحداث نقلات نوعية في طريقة تناولي للأمر وتفكيري فيه، ولا شك في أن العمل كذلك قد تأثر بتلك التحولات فتغير مساره بقدر ما طرأ على معرفتي من تغير.
وإن كان من الصعب أن أعرض هنا ملامح التغير التي أصابت العمل، والتي يمكن لقرائي أن يتابعوها عبر النص نفسه في موقعه التفاعلي : (www.alwaraq.net) ، إلا أنني سأحاول أن ألخص في عجالة ملامح التحول الذي أحدثته هذه المعارف في طريقة تفكيري وتناولي ونظري للأشياء، فقد تبلورت لدي قناعة مفادها أن تاريخنا منذ زمان المتنبي وحتى اليوم أشبه ما يكون بمسلسلات التليفزيون الطويلة، تلك التي تتعاقب فيها المشاهدُ دون أن يحدث تغير حقيقي، بحيث تشعر أنه لا نهاية متوقعة لما تشاهده سوى المزيد من تكرار الفصول والمشاهد، والقارئ للتاريخ (في صورته الحية) سوف يدرك أننا لا زلنا نكرر أنفسنا منذ زمان المتنبي، ويعرف كم من المؤسف والمرعب حقاً أننا لم ننته، ولم ننتبه.

ثلاث نهايات مقترحة

كانت فكرتي الأولى أن أوجه من خلال المتنبي، عبر حلقتنا الأخيرة هذه، رسالةَ سلام إلى العالم العربي والإسلامي الذي ما زال يكرر مشاهدَ القرن الرابع الهجري، فما زلنا نخضع لهيمنة الغريب، ونعيش حالة مؤسفة من الضعف والهوان والتمزق والصراع تنهشنا أنياب الفتن الطائفية والمذهبيّة وتحرقنا نيران الصراعات وتُعمل نصالها في جسدنا الأفكارُ المغلقة والرجعية.
ورأيت أنه حري بالشاعر- الذي عاش حلقات هذا المسلسل في زمانه - أن يوجه رسالة إلى أبناء أمته المعاصرين يدعوهم فيها إلى التآخي ونبذ الخلافات لصالح المشترك بينهم وإعلاء القيم الإنسانية.
إلا أنني عدت فعدلت عن هذا القرار، وقررت أن أستغل الحلقة الأخيرة في تمرير بعض الأفكار من الأعمال الدرامية التي سوف يتم اقتباسها من اليوميات للبث في الإذاعة والتليفزيون، فكرت مثلاً أن أعيد العرّافة التي استهلت الحلقات مبشرة بميلاد الشاعر الجوزائي الطالع، متنبئة بتفاصيل حياته، مشيرة إلى أنه سوف "ينتهي به المطاف وحيداً، محطّما كموجة على الصخور"، فكرت أن أعيد هذه العرافة إلى مسرح اليوميات مرة أخيرة، لتنتشل جثة وليدها الذي تحققت فيه نبوءتها، كما سوف يحدث في الدراما المأخوذة عن اليوميات.
وعندما شرعت في الكتابة كانت رغبة أخرى قد استبدت بي، فقد رأيت في فكر أبي الطيب المتنبي ما يمكن أن أسميه البذور الأولى للنيتشوية، فقررت أن أشرك القارئ في حديث تفصيلي عن أبي الطيب المتنبي كمؤسس أول للنظرية التي صاغها بعد قرون الفيلسوف الألماني نيتشه، والتي لا تعترف إلا بالقوة، وجهزت مقالتي عن ملامح تلك النظرية في كتابات المتنبي ذاته الذي كان يراقب العالم بدقة، يُشاهد ويسجل بشعره ما يحدث فيه ويرصد بمهارة القوانين التي تحكم العالم وترسم مصائر الناس، ولم يردني عن هذا الخيار إلا تفكيري في أن الظروف الراهنة اليوم لا تناسب هذه الصرخة، خاصة وأننا في مرحلة نريد فيها إصلاح ذات البين العربية والإسلامية ونزع فتيل الحرب بين الأخوة والأشقاء، لذلك عدت وانثنيت عن تلك الفكرة.
وهكذا فإن اهتمامي الشديد بالطريقة التي سوف أنهي بها تواصلي مع من اهتم باليوميات من قراء من ناحية، وصعوبة ختام ما ليس له خاتمة من ناحية أخرى جعلاني أوثر أن أجعل هذه الحلقة - الأخيرة- مجلساً مفتوحاً أبوح فيه لقرائي الذين تحملوا عناء متابعة هذه اليوميات على مدار 14 أسبوعاً، بملامح التغيرات الفكرية التي انتابتني بينما أقلب في كتب التراث والتاريخ متتبعاً أدق تفاصيل الحياة في تلك الفترة من زماننا، وأشركهم في تفاصيل ذلك التحول الذي يبدو جذرياً في مسار اليوميات، كما اخترت أن أذيل هذه الجلسة بيومية وحيدة رأيت أنها مهمة، وهي يوميّته الأخيرة -إن صحّ التعبير - أقدّم فيها رؤيتي الخاصة لما كان يختلج في نفس المتنبي قبيل نهايته المرتقبة قرب دير العقول، وكان قد خرج من حلب مخلفاً سيف الدولة، متوجهاً إلى مصر حيث لم ينل مراده من المكوث لدى كافور الإخشيدي، قاصداً الكوفة فبغداد محاولاً الوصول إلى معز الدولة عبر وزيره المهلبي الذي خذله وألّب عليه شعراء بغداد، فتوجه إلى عضد الدولة - وهو على علم بما بينه وبين ابن عمه معز الدولة من عداوة- إلا أن نفس المتنبي الطامحة إلى الحكم أمرته بخوض اللعبة إلى آخرها وإن كان فيها مصرعه، وهو ما كان.

ما تكشف لي خلال البحث

بدا لي حقيقةً أننا وبعد مرور هذه السنين الطويلة لم نتطور كثيراً عن الحالة التي تركنا عليها أبو الطيب المتنبي، فما الأنا المتضخمة التي وصم بها المتنبي وأدين ، إلا أنانا نحن أدباء اليوم صغاراً وكباراً إذا صح التعبير، وإذا كان المتنبي قد جهر بأناه علانية بلغة رفيعة "علوية" فإن أنانا اليوم خفية، كامنة كالمرض النفسي، وذلك لطبيعة العصر الذي نعيشه.
ويبدو لي أن (أنا) المتنبي كانت تلبية لرغبات مجتمع مقهور عاش الناس فيه على فكرة وجود البطل، وليس غريبا أن هذه الأمة بعد ما يزيد عن ألف سنة لا زالت تبحث عن أبطال، في زمن قل أن يجود بمثل هؤلاء، وصار أبطاله ممن ينطبق عليهم بيت المتنبي نفسه والذي يستهله بـ "وإذا ما خلا الجبان بأرض"، أو مقولة بريخت:" بئس أمة تفتقر إلى بطل، وبئس أمة تفتش عنه".
بدا لي أيضاً خلال البحث أن القوانين التي حكمت عصر المتنبي ما زالت تحكم عصرنا رغم كل ما ندعيه من تطور وحضارة؛ لقد كانت الفتنة الطائفية والمذهبيّة في ذلك الزمان فتنة وقودها الناس، ولا زالت في عالمنا العربي تتغذى على الناس كل يوم، لم يجدَّ جديد سوى أن وسائل التدمير أصبحت أشرس، وكأن القرن الحادي والعشرين مرآة للقرن العاشر إلا أنها مرآة مكبرة تعكس كل السلبيات، ما زال الخطاب الديني المتطرف يحكم مصير شعوب بأسرها، ولا زالت القيادات التي حكمت القرن العاشر فقمعت وقهرت وقتلت وعذّبت موجودة في غير مكان من أرض العرب في القرنين العشرين والحادي والعشرين، وكأن أحداً لم يتحدث عن مفاهيم الديمقراطية منذ الإغريق مرورا على عصر فولتير، وجان جاك روسو، وصولا إلى الديمقراطيّات وحقوق الإنسان التي ينعم بها العالم المتقدّم .

أفكار وتحولات

وقد نجحت هذه الأفكار في تغيير مسار عملي في اليوميات، أول ما تغير هو آلية البحث، كنت أدقق في تفاصيل صورة العصر كما عاشه المتنبي في محاولة لإعادة قراءته بموضوعية، إلى أن تجلت لي تلك الحقيقة التي روعتني، هذا العصر الذي عاشه هذا الشاعر، بما ساده من ترد وتقلب أحوال، وغياب لمنطق الأمور، وتسلط وبطش وسفك دماء وظلم وإشاعة خوف وإرهاب، هو نفسه ما نعيشه اليوم.
ما تغير أيضاً هو المنهج الذي أعمل به، فقد امتلكت -من طول اهتمامي وبحثي في ذلك العصر - حساسية خاصة في الربط بين الروايات وتتبعها، وقدرة على تفهم دوافع الاختلافات الكبيرة بين الرواة والمؤرخين الذين كان بعضهم محكوماً بانتماءاته أو بخوفه أو بطمعه أحياناً.
هناك قصص يرد ذكرها في أكثر من مصدر وهي حكايات يومية ليست محلّ خلاف، وهناك أحداث تاريخية تُروى بعدة أشكال رغم تشابه المضمون، مقتل الحلاّج مثلاً، نكبة سيف الدولة إلخ..، وهناك أمور خلافية تماماً لا يتفق عليها اثنان، وبدوري لا أستطيع الجزم فيها، وإن كنت أتفهم ما وراء كل رواية من تلك الروايات.
خرجت من هذا كله بخلاصة قد تبدو غريبة، إلا أنها مؤكدة من خلال التتبع الدقيق لمجرى التاريخ ورواياته، ومن خلال محاولاتي ضبط حركة دخول وخروج الشخصيات على مسرح اليوميات، وهي أن الفائز الأكبر في ذلك العصر لم يكن لا الشعراء ولا الأدباء ولا حتى الملوك والسلاطين، بل المغامرين والعبيد، الغلمان والجواري، وكذلك التجّار، ويبدو أن الطائفة الأخيرة هم الفائزون في كل عصر، وأنهم هم من يحركون الأحداث دائماً من وراء الستار، أليس الاقتصاد اليوم هو الحاكم الأهم في عصرنا أيضاً وهو المحرك الأول لكل الحروب والصراعات؟.
وإذا كان المتنبي قال يشكو زمانه: أتى الزمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم و جاء بعد زمان شاعر آخر فقال: لا غرو إن لم نجد في الدّهر مخترفاً فقد أتيناه بعد الشّيب والخرف فماذا تراني أقول اليوم؟! .