مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
سفر كلمة
free arabic books,online arabic libraryقرطاس

تاريخ النشر :2012-08-31

مفردة معجمية يمكن تعقبها في طائفة واسعة من كتبنا الموروثة. ورغم أنها وردت في نصوص ترقى إلى ما قبل الإسلام ووردت كذلك بصيغتي الإفراد والجمع في القرآن الكريم، إلا أن علماء اللغة قرروا وباستسلام كبير أنها من المفردات المعرّبة التي دخلت متن العربية من اللغة اليونانية، ثم يسهبون في بيان المجالات الدلالية التي تتحرك فيها المفردة. أنشد ابو زيد لمخشّ العقيلي: كأن بحيث استودع الدار أهلها مخطّ زبور في دواة وقرطس بوسعنا اعتبار هذا البيت من النصوص المبكرة التي وردت فيها مفردة قرطاس، من غير أن يفكّر مخشّ العقيلي ولو لبرهة ان المفردة من الدخيل اليوناني وقد تجعله معرفتها يفكّر جديا بماهية القوم الذين دفعوا إليه مفردة القرطاس وقد تقوده معرفة ذلك كله لاحقا إلى معرفة الترجمة الحقيقية لمفردتي الملهاة والمأساة والتي كانت سببا في عدم اكتشاف العرب للمسرح حتى العصر الحديث بعد أن عجز متّى بن يونس عن ترجمتها على نحو صحيح فترجم المأساة بالمديح والملهاة بالهجاء وترتّب على ذلك فهما خاطئا لكل المكونات التي تشكّل المآسي والملاهي كما أوردها ارسطو. كما جاءت المفردة في النص القرآني بصيغة الإفراد في قوله تعالى: ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس. وفي صيغة الجمع بقوله تعالى: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا. ولقد تواتر العرب على استخدامها حتى بلغت أبي الطيب في ميميته: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم ولكن هل حقا أن القرطاس الذي يعني كما في لسان العرب (ضرب من برود مصر) أو (يتخذ من بردي مصر) مادة ليست أصيلة في لغتنا بل هي من المعرّب الذي دخل من اللغة اليونانية بحسب من تصدى لتأصيل المفردة؟. قال الجواليقي في كتابه المعرب (تكلموا بها قديما ويقال إن أصلها غير عربي) ثم يقوم الدكتور ف عبد الرحيم محقق الكتاب بتعميق هذا الطرح عندما يؤكد أن أصله يونانيّ (خرستيس)، وقد ورد في السريانية بالكاف وبالقاف. وذهب صاحب شفاء الغليل الخفاجي إلى أن المفردة من المعرّب، وهو مذهب روفائيل نخلة صاحب كتاب غرائب اللغة العربية وأضاف أن المفردة دخلت اللغة العربية من اليونانية عن طريق السريان. ولكن ما يجب تأكيده هو أن جذر المفردة (قرط) أصلٌ في اللغة العربية ويمكن تأصيله فيها، بل ودخل في مجالات دلالية واسعة فلقد ذُكر بصيغة مستقرة في نصوصنا القديمة وهذا يمنحنا فكرة عن الوقت الذي استغرقه ليكون ببعد دلالي واضح وثابت حتى وصل إلى قبائل عربية تستوطن عمق الصحراء ويكون جسما رئيسا في لغتهم، وهو ما دفع بعض المحدثين من علماء اللغة إلى تأكيد عروبة المفردة وابتعادها تبعا لذلك عن العجمة أو كونها من المعربات أو الدخيل. فلقد وردت في معاجمنا أن القرطاس (أديم ينصب للنضال) أي جلد ينصب لرمي السهام، وكل أديم ينصب للنضال فاسمه قرطاس، ولا يخفى التعالق بين القرطاس الدال على الورق والقرطاس الدال على الأديم الذي ينصب للنضال. ثم تسلّلت المفردة خارج مجالها الجغرافيّ العربي ودخلت في معاجم أخرى لتكون أصلا فيها ومن ثمّ ارتدّت علينا ثانية فصرنا نتعامل معها على إنها مفردة من الدخيل الأعجمي والمعرّب. إذن كيف بمقدورنا رسم خارطة عبور المفردة وابعادها الدلالية في معجمياتها الجديدة؟ دخلت في البدء إلى اليونانية فاللاتينية بصورة كارتا من صيغتها اليونانية المأخوذة عن العربية خيرتيس للدلالة على ورق البردي (وهو معناها العربي الاصيل كما رأينا) وعندما دخلت المعجم الإنجليزي صارت كاردو وكارد ثم أبدل الدال تاء لقرب المخرج ولكون أن الحرف الأصلي الذي تحدّرت منه المفردة هو الطاء، وبالطبع لابد من التسليم أن نطقه أقرب إلى التاء منه إلى الدال. ومثلما أبدلت القاف العربية خاء لوجود الخاء في اليونانية فإن الخاء ذاته أبدل كافا في الإنجليزية لعدم وجود صوت الخاء أو القاف فيها. ثم استعملت المفردة على نحو واسع في لغات كثيرة وبصيغ متنوعة، فصارت (كرتون) والتي تمنح معنى الرسمة وفي الفرنسية تمنح دلالة الرسم الساخر (الكاريكاتور) وهذا من استعمالاتها المعاصرة، وفي الإيطالية (كارتونا) بمعنى الورق، ثم تم التصرّف بها مرة جديدة فصارت كارتوش في الفرنسية والإنجليزية وفي الإيطالية كرتوشيو بمعنى العلبة الورقية، ثم ولدت مفردة كارتيشه التي تقابل في مجالها الدلالي مفردة خرطوشة المستعملة في بعض اللهجات العربية المعاصرة بمعنى حزام الرصاص، ولو رجعنا إلى المادة في معاجمنا لرأينا أن المفردة منحتنا معنى الجلد الذي يتخذ لرمي السهام، أي الهدف بتعبيرنا المعاصر، وهنا انتقلت المفردة من كونها هدفا وأخذت عمل السهام أو الخرطوش الذي يناضل به الهدف. وهذا المجال نجده في مادة قرطس في معاجمنا إذ أن قرطس تعني أصاب القرطاس أي الهدف، وقرطس إذا أصاب فقتل ومازال المعنى ذاته مستعملا في بعض لهجاتنا. رحم الله أبا الطيب، الرجل الذي لم ينكره القرطاس، بل عرف به وبأمره وسار بذكره حتى صار من كبار شعراء العربية ولكن انتهى الأمر به إلى أن يكون قرطاسا (هدفا) لمجموعة من القتلة وقطاع الطرق في دير العاقول.