مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
رحلات المكية
ارتجاج مفاصل كوثر

تاريخ النشر :2013-06-17


وإنا لنفكر في النزول إلى جدة وفي الرحيل منها وفي إدراك الجمعة بالحرم إذا "كوثر" تهتز هزة عنيفة وكأنما زلزلت زلزالها؛ هزة رُجَّت منها مفاصلها جميعاً، واضطرب لها كل وجودها. وبعد هنيهة من هذه الهزة التي لم تتسع لأي تفكير منا في أمرها وقفت الباخرة لا حراكَ بها وكأنها جسد هامد. وفي أثر وقوفها سَرَتْ إلى مخدعي من بهوها أصوات المسافرين ترتفع مرتلة: "باسم الله، الله أكبر، ولله الحمد" فملبية في حماسة فيها إيمان وتقوى. ما هذه الهزة العنيفة يعقبها وقوف مفاجئ؟! لم يدر بخَلَدي أن في الأمر ما أخشاه. وما عسى أن أخشى وهذا الشاطئ على مقربة منا قد رأيناه رأي العين! وكل ما توهمته أن رُبان الباخرة أدارها نحو الشاطئ في عنف نشأت عنه هذه الهزة ثم وقف بها انتظاراً لشرطة المرفأ ورجال الصحة به. وآية ذلك هذا الحمد لله من جانب المسافرين. وازددت انهماكاً في إعداد متاعي كيما أسبق غيري إلى الزوارق فأسبقهم إلى الشاطئ. وضغطت الجرس أبتغي فنجاناً من الشاي أتناوله قبل أن يبغتني الوقت. فلما أجاب الخادم جرسي طلبت إليه الشاي، وسألته عن هزة الباخرة ما كانت؟ فأجاب: - لقد شحطت على جزيرة من الرمل، وعما قريب تعود سيرتها إلى جدة. شحطت على جزيرة من الرمل؟! لم تكن الهزة المزعجة إذن لفتة من الربان فيها عنف، بل كانت صدمة بجزيرة من جزر البحر وشِعْب من شعابه. الأمر أجلّ إذن من أن أقف عند متاعي وإعداده؛ فلأذهب لأتبين جليَّته. وتناولت الشاي دِراكاً وأسرعت إلى بهو الباخرة في لباس إحرامي؛ فألفيت المسافرين مجتمعين كأنهم يتداولون. وخلوت بأحدهم وسألته فقال:
- لقد اصطدمنا بشعب من شعاب البحر الأحمر الناتئة بجدة، هذه الشعاب المعروفة للملاحين جميعاً. لذلك لا أدري كيف دفع الرُبان السفينة إليه في يقظة النهار وضوء الشمس. وقد قيل لنا: إن الربان بعث رجاله فامتحنوا موضع التصادم من قاع الباخرة واطمأنوا إلى أنه لا خطر على الباخرة ولا خطر علينا. ولست أدري ما الله صانع بنا من بعدُ ونحن في وسط البحر بين صخوره وشعابه. واشترك معنا في الحديث زميل حاج من رجال التلغراف اللاسلكي فقال: - لقد صعدت إلى الربان ساعةَ حدثت الصدمة، لأنني أعرف في هذا المكان شعباً يدعوه أهل جدة "شعب السامريّ" وتُثبته الخرائط الأوربية باسم "شعب سانت ماري". ولم تدر بخاطري ريبة منذ حدثت الهزة في أننا اصطدمنا به. وذكرت للربان أنني من رجال اللاسلكي الرسميين. وعرضت عليه خدمتي، فشكرني وذكر لي أن عنده رجل اللاسلكي الذي يعمل بالباخرة وأنه لا يخشى خطراً. وساد الباخرة صمت رهيب بعد ضجة التكبير والتهليل التي أعقبت الصدمة. فقد نسى المسافرون الإحرام والتلبية. ووقف تفكيرهم عند هذا الحادث وأثره. وكان جل تساؤلهم عن مبلغ الخطر وهل يوشك أن يدهمنا. ولم تهدأ وساوسنا بعض الشيء إلا بعد أن علمنا أن الشعب الذي ارتطمت به الباخرة شعب أملس يميل متدحرجاً في هُون إلى الارتفاع، وأن ميله وملوسته وتدرّجه طوّعت لها أن تزحف عليه وأن تستقر فوقه. ولولا ذلك لتحطمت عليه ولكُنَّا منذ وقع الحادث بين يدي الموت يرحم من شاء ويختار من شاء. وقال الذي نقل إلينا هذا التفصيل: - لعلكم علمتم أن الماء دخل من نوافذ الحجرات الواقعة عند مؤخر الباخرة واضطر رجالها إلى إقفال الأبواب الحديدية المتصلة بهذه الحجرات. ذلك أن الباخرة حينما زحفت فوق الشعب ارتفع مقدّمها وانحدر المؤخر فهوت نوافذ حجرتها فحاذت الماء فتسرّب جانب منه إليها قبل أن يحكم إقفالها. ولولا أن وقفت الباخرة حيث وقفت بعد أن تقدمت في زحفها بضعة أمتار؛ لجرّها مؤخرها إلى الماء فابتلعها وابتلعنا معها. انطلق المسافرون يعلقون على هذا الحديث كلٌّ بما عنَّ له. ولم يأب توثب الخيال على بعضهم أن يذكر أن الربان تعمَّد وقع الحادث. وكيف لا يكون تعمده في تصورهم وهو قد وقع في وضح النهار وفي مكان يعرف كل من مارس البحر الأحمر ما به من شعاب. ولم يعدل هؤلاء عن تصورهم أن أبسط منطق للعقل يأباه؛ فلا مصلحة للربان الإيطالي في وقوعه، وأيسر نتائجه يؤذيه أبلغ الأذى. والعقل يأبى أن يعرض إنسان نفسه للأذى بِلا فائدة ولا مقابل. لكن منطق العقل ليس المنفرد بالسلطان علينا. وكثيراً ما يغلب خيالنا منطقنا بتسلط تصورنا على حسنا. ولقد كنت أشد الناس اقتناعاً بهذا المنطق وحرصاً على إقناع المسافرين به، مع ذلك ذكرني وقوع الحادث وخوض الناس في تفاصيله بما كان من حديثنا عن الربان في غرفة المائدة قبيل السفر وقول حكمدار السويس الإنكليزي: قد تكون الحوادث أحياناً أقوى من كل ما نُقسم به.