مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث
رحلات المكية
مازني واحد فقط...

تاريخ النشر :2013-09-28


ولكن ممثل الحكومة البريطانية — القائم بأعمال مفوضيتها في جدة — لم يرضه أن يكون ممثل الروسيا هو عميد الهيئة السياسية والذي ينطق بلسان أعضائها مخافة أن يتوهم العرب أن الروسيا مقدمة على أنجلترا ومفضلة عليها، فأستأذن الأمير في كلمة يلقيها ثم نهض فأعرب هو أيضاً عن شكره للحفاوة التى لقيها والكرم الذي غمره، وقد أشرت من قبل إلى هذه المنافسة بين الروسيا وانجلترا هناك، والحق أنها كانت أحياناً تبدو لنا مضحكة، أو على الأصح ممتعة. ولكل شيء آخر، حتى الخطب والقصائد، وفد تنفسنا الصعداء حين رأينا الأمير ينهذ وقلنا هذا ايذان بالأوبة إلى جدة، والراحة ولكنهم خبأوا لنا مشهداً لا أحسبني انساه ما حييت، فقد ساروا بنا بين النجد النظامية الى العراء، وهناك وقف الأمير وأوما الينا فدنونا منه ورأينا صفين من البدو النجديين ثيابهم شكول، وأكثرها زاه براق، وفي يسراهم البنادق وفي يمناهم السيوف مصلته وبين الصفين أربعة يروحون ويجيئون وأمامهم عبد يضرب بالدف؛ وهو يطول وبقصر؛ ويتثني ويتعوج، ويميل يمنه ويسره، ويقوم ويرقد ويتمرغ على التراب، والدف في يسراه، وفي اليمين عصا صغيرة ينقر بها، والأربعة وراءه يترنحون، والصفان على الجانبين يتوثبان، والمسدسات والبنادق ينطلق منها الرصاص في الهواء، والسيوف تلمع، ومع ذلك كله غناء أو شدو أو تهريج لا أدري، بكلام أعترف سمو الأمير نفسه أنه لا يتبين ألفاظه، وقد أذكرني ما رأيت حلقات الذكر في مصر، ولكن الذاكرين في مصر يلهجون بأسماء لله أما هؤلاء فقيل لي أن الغرض من رقصهم بالسيوف والأسلحة والدفوف تحميس الناس ليخرجوا للقتال. قالوا، ولا موجب لهذا التحميس ولكنها عادة بدوية قديمة مثلوها لنا ليمتعونا برؤيتها، وكان الواحد من هؤلاء البدو ربما خلع عقاله و ((حرامه )) ورمي بهما في الهواء ورماهما برصاصة وتركهما يهبطان إلى الأرض، وقيل لي في تفسير هذا، أن يخلع عليه الأمير جديداً عوضاً عن القديم الذي أطلق فيه الرصاص ويبقي العقال ملقي على الأرض حتى يقول له الأمير ارفعه عنها وهذا عندهم وعد — غير قابل للاخلاف — بأن يخلع عليه سواه. وظللنا هكذا لا ادري كم! واحر بنا أن لا نحس كر الوقت ومر الساعات ونحن نري هذا المنظر الساحر ونسمع الرصاص ينطلق أمامنا وفوق رؤسنا، ولا أكتم القاريء أن الخوف لم يفارقني لحظة، وأني لم أذهل عن نفسي ثانية واحدة، وأعترف أن يكنت أخشي يصيبني سوء — أعني رصاصة وأشهد لنفسي بالأدب فقد كنت لا أزال كلما تنحي ممثل انجلترا ليفسح لي مكانا إلى جانبه في الصف الأول اؤكد له أني استطيع أن أري من تحت أبطه، وأني لا أقبل في حال من الأحوال أن أحاذيه أو أرفع نفسي إلى مقامه، فكان يشكر لي تواضعي ويؤكد لى أنه سعيد بحيرتي، وأنه معجب بذلاقة لساني وقدرتي على الرطانة، فكنت أقول له: ((يا سيدي الوزير، أني عربي الأصل في الحقيقة وهذه البلاد بلادي في الواقع، فأنا لست هنا ضيفاً ولا يجوز لابن البلاد أن يسبق الضيق أو يتقدم عليه .)) وأتراجع خطوة، وأجعله أمامي، وأتخذ منه — بهذه الحيلة — مجنا دون
الرصاص الذي اتقي أن يصيبني، وقد صارحته بالحقيقة ونحن راجعون وقلته له: ((أن انجلترا غنية بالرجال فهبك قتلت فإن انجليزي يروح وآخر يجيء، وليس الذاهب بأفضل من الآتي ولكنه ليس في مصر — ولا في الجزيرة العرب على ما يظهر — سوي مازني واحد.