مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

مسافر المركب النشوان - جولة بين حانات البحر المتوسط 1933

تأليف : علي كنعان
الولادة : 1936 هجرية
الوفاة : 1 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لعلي كنعان (8)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
لعلي الدوعاجي \r\nحررها وقدم لها: علي كنعان \r\n\r\nرحلة حافلة بلمسات شاعرية، مفعمة بالظرف والطرافة والعبث البريء، كتبها علي الدوعاجي وزينها برسوم بسيطة معبرة، تكشف عن مزاجه الرائق وروحه المرحة. كانت الرحلة قد نشرت متسلسلة في مجلة \"العالم الأدبي\" التونسية من سبتمبر/أيلول 1935 إلى فبراير/شباط 1936. وقد أعادت مجلة \"المباحث\" نشرها بين يوليو/تموز وسبتمبر/أيلول 1944، قبل وفاة الكاتب بخمس سنين.
تمتاز هذه الرحلة بأهمية تاريخية فريدة، إذ جاءت في نهاية الثلث الأول من القرن العشرين، وكانت بوادر النازية والفاشية تشق طريقها إلى المسرح السياسي في كل من ألمانيا وإيطاليا، وذلك قبيل ست سنوات من اندلاع الحرب العالمية الثانية. وإذا لم يلمس القارئ هاجس الكاتب بالسياسة وشجونها إلا في لمحات خاطفة، فإن إشارته إلى كل من مصطفى كمال أتاتورك وهتلر وموسوليني تدل على تمتعه بحاسة مرهفة ورؤيا حدسية صافية في استقراء رياح التغيير والنفاذ إلى أعماق الأحداث والشخصيات التاريخية التي سوف تزلزل التاريخ الأوربي وتقود إلى تلك الحرب التي جاءت كسابقتها بتحولات عاصفة كابدتها بلدان أوربا وشعوبها ولم تسلم منها بعض المستعمرات.
يقول الرحالة:
\"لا أعرف من أين يجب ابتداء الحديث بالضبط، وكل ما أعرفه هو أني عزمت على كتابة هذه الرحلة التي قمنا بها في صيف عام 1933\".
ويعترف بلا مواربة، منذ البداية، أنه فوضوي وغير قادر على تنظيم أعماله ولا أفكاره. ولعلنا نلمس هذه السمة المتقلبة في شخصيته من خلال النص، فهو ينتقل من فكرة إلى أخرى بلا روية ولا تمهيد، ونرى أن عنصر العبث والسخرية هو الطاغي إلى حد جعله يتجنب الاحتفاء بالأمكنة الجديدة التي يزورها لأول مرة، ويؤثر أن يقفز فوقها متخطيا ملامحها وآثارها الجغرافية والعمرانية، إلا إذا لمح فيها ما يثير نزعة السخرية والاستهجان في نفسه، حتى كأن نظرته متجهة إلى عالمه الداخلي دون إيلاء العالم الخارجي إلا النزر القليل من الاهتمام والتأمل. وهذا ما يضعف النص الرحلي ويغرقه في سرد الخواطر والتداعيات ورصد سلوك الآخرين وسلقهم بالتعليقات الساخرة، بعيدا عن الإطار الجغرافي الذي يتحركون فيه. وهو يعترف بغرابة طبعه القلبي، ولا يتردد بأن يكشفه للقارئ بكلمات لا تخلو من تهكم مرح وطرافة ناعمة.
يقول الكاتب: \"كان يلذ لي أيام الطفولة أن أبدأ طعامي بالفواكه إذا كانت هناك فواكه على المائدة. وما زلت إلى اليوم أطالع القصيدة مبتدئا من خاتمتها، بل من إمضاء صاحبها عقبها...\".
هذا المزاج الساخر يطالعنا من بداية الرحلة حتى نهايتها. والكاتب يدرك طبيعة مزاجه ويبين لنا سبب عزوفه عن وصف المدن ومرافقها وكأنه ملول من تأملها ونقل سماتها وعلاماتها الفارقة. يقول: \"وعلى ذكر صدق الرواية، أعترف أني سوف لا أحدثكم هنا بما اعتدتموه في كتب الرحلات من ذكر غرائب المتاحف ونتائج المعامل وأعماق البحار وعجائب الطبيعة وشواهق الجبال وأعماق الكهوف.. لأني سأغفل ذكر كل ذلك، فأنا أشعر أني لو عمدت لوصف شيء منه لخلطت في ما أكتبه ما رأيته بما طالعته عن هذه \"العجائب\" قبل رؤيتها فتأتي رحلة صادقة الكذب، وذلك ما أخشى الوقوع فيه...\".
تلك هي نزوة فتى في الرابعة والعشرين من عمره، يريد أن يتسلى ويروِّح عن النفس في تلك السياحة المستعجلة بين موانئ المتوسط. وإمعانا منه بالسخرية التي تصل حد الكاريكاتير، فقد اختار لرحلته عنوانا ساخرا أيضا، حين حدد جولته بأنها بين \"حانات\" المتوسط عوضا عن مدنه الساحلية وثغوره وموانيه. وهو يعلل ذلك بضيق وقت الرحلة موضحا بقوله: \"إننا لم نرَ من هذه المواني إلا حاناتها ومقاهيها\"! وربما كانت إشارته إلى شواطئ جزيرة سردينيا الجرداء، وهو يتأملها من بعيد، قد وردت سهوا.. فهو يخبرنا أنه مع اقترابهم من ميناء باستيا حين بانت له المساكن والمزارع أخذ منظارا من أحد أصحابه وراح يديره في شواطئ الجزيرة، لكنه لم يذكر لنا شيئا مما رآه. وحتى هبوب العاصفة، قبيل دخول ذلك الميناء، مرت الإشارة إليها مرورا عابرا.
لكن الملاحظات التفصيلية واللقطات المجهرية التي يسجلها عن تصرفات الناس وحركاتهم وأحاديثهم تؤكد أنه مرهف الإحساس، حاضر البديهة، دقيق الملاحظة حاد التعليق والانتقاد. وهو يعترف بصراحة أن التسلية هي الهدف فيقول إن \"دافع رحلتي التسلية، ولا أطمع من وراء تدوينها إلا تسلية القراء\". ولعلنا نلمح ذلك واضحا في هذه العبارات الشاعرية التي يصف بها مدينة نيس:
\"نيس مدينة البذخ والرفاهية، مدينة الحب الإبليسي، مدينة الشهوة \"الإنسانية\"، مدينة القمار والانتحار. المرور من رصيف إلى آخر عملية يحسب لها ألف حساب، والنظر من وجه غادة إلى أخرى عملية يحسب لها ألف دقة قلب\".
ثم تمضي الرحلة من نيس إلى نابلي على الساحل الإيطالي، ومن هناك يقومون بزيارة مدينة بومبايي الأثرية التي دمرها زلزال فيزوف وغمرها بالحمم في السادس والعشرين من أغسطس/ آب سنة 79 ميلادية. وهنا يتجلى عدم اكتراث الكاتب بالمكان وملامحه المختلفة. لم يحفل بما شاهد في المدينة المنكوبة، ولا بإعطاء القارئ لمحة عنها وعن بقايا آثارها التي ظلت مطموسة تحت الركام طوال مئات السنين. لقد ركز اهتمامه على سائحة تريد معرفة كل شيء وأطلق عليها ساخرا لقب (المعرفة الكاملة) ولم يسلم زوجها الدكتور من حدة لسانه، ثم تحول عنهما إلى مدرس ميال للجدال ومخالفة آراء الآخرين فسماه (حامض المعارضة) لكي يواصل تهكمه عليهم واستخفافه بما يطرحون من أسئلة وآراء تبدو في معظمها افتراضية مختلقة من بنات أفكاره.
والأثر الوحيد الذي لفت نظره في المدينة الخاوية مثلث ومطرقة منقوشان على حجر، لكنه سرعان ما أغفل ذلك الاكتشاف وراح يصغي إلى حديث الدليل مع الدكتور وزوجته وعلاقة ذلك الشكل بالماسونية في ذلك الزمن السحيق!
وفي مدينة نابلي لا تشغله المعالم العمرانية ولا الحدائق، وإنما يحدثنا بأسلوبه الرشيق عن ورطته مع صحن المعكرونة وهو مضطر أن يتناولها لأول مرة، وقد أسعفته المصادفة الطيبة بقدوم إيطالي \"محافظ\" – كما يصفه - راح يتناول طعامه بالشوكة والملعقة معا، وكأن العناية الإلهية أرسلته لتنقذ الفتى من تلك الوجبة الإيطالية المربكة. وعند مغادرة المدينة يصور لنا مدى توجسه من دخان البركان ويعبر عن تخوفه من غضبه، فلا يشعر بالاطمئنان حتى تبحر السفينة مبتعدة ويفصل الخليج بينهما.
وفي الطريق من الساحل الإيطالي إلى اليونان، لا يرى الكاتب الساخر من اضطراب البحر الهائج إلا ما يذكره بتقلبات رجال السياسة، ويصادف خلال تلك الرحلة مسافرا يهوديا من بلده فيقول: \"توطدت علاقتي أولا بالبحر ثم بإسرائيلي من بلاد الساحل التونسي أعجبني بأناقته وكلامه (القليل الفائدة)، فلقد استأنس بي في يوم خروجنا من نابلي وجعل من شخصي الكريم صندوقا لأسراره\".
ويحاول الدوعاجي أن يوضح لنا صورة ذلك المسافر فيقول إنه \"شاب جميل.. وهو نصف مرابٍ، أعني بذلك أنه مرابٍ بمشاركة أم له\"! ويستمع الرحالة إلى رفيق سفره يحدثه عن تجربة عشقه الخائب... وليس في سرد تلك الحكاية ما يثير اهتمام الكاتب أو تعاطفه، ولعله أراد أن يغطي المسافة ويشغل الوقت الذي أمضاه في عرض البحر. إن الكاتب – على ما يبدو- يعاني من قلق لا نعرف له سببا، وهو يحاول إغراقه بالتركيز على عيوب الآخرين والسخرية منهم ومن أحاديثهم وتصرفاتهم. وحتى قصة الحب التي سمعها من رفيق السفر تحولت إلى مادة للتهكم والضحك. ولعل ثقافته الواسعة، وهو ما زال في زهوة الشباب، هي التي أقامت حاجزا بينه وبين معظم الناس من حوله.
ورغم أن الرحلة كانت قصيرة ولا وقت فائضا لمشاهدة كثير من البشر وتحصيل المزيد من المعلومات، إلا أن الرحالة النبيه يلتقط بفطنته أشياء هامة، ومنها بداية الامتداد الأميركي إلى أوربا وتسلل الفنون الأميركية الصاخبة، فيقول: \"والرقص الشائع في أوربا اليوم هو رقص على نغمات الجاز\"، وهي نغمات مستنكرة في رأيه، لكنها لا تخلو من إغراء، إذ يتابع الوصف موضحا شدة تأثير تلك الموسيقى: \"ويكفي أن تسمع هذه الآلات تعزف نغمات (القردة) لتضيع كرامتك ووقارك ويهتز جسمك اهتزازا موزونا بالرغم عنك.
ولا ينسى الكاتب الشاب أن يصف لنا ما رآه في الشاطئ اللازوردي من مفاتن الحسان في أحدث أزياء الاستحمام.. وقد تخلين حتى عن \"ورقة\" التوت أو \"الكرم\" – حسب تعبيره. ولعل تلك المشاهد الأنيسة قد تركت أثرها في نفس الكاتب فلم يبخل علينا بوصفها إذ يقول:
\"ويمكن للسائح أن يمشي مئات الكيلومترات بين نيس ومرسيليا راجلا، ولا يحتاج إلى أن يحمل معه أي شيء من ضروريات المعيشة. إذ أن الطريق كله متلاصق البنيان والعمران، وعدد المطاعم والأنزال يفوق عدد المساكن الخاصة\".
ويصل الرحالة والمسافرون إلى ميناء بيريوس (بيره، كما يسميه)، وأول ما يلفت نظره حالة البؤس التي تطغى على ذلك الميناء: \"حانات مقامة من أكشاك خشبية وسخة، وأطفال عراة الرؤوس حفاة الأقدام كلهم أوساخ، وعجائز من الجنسين مستترات بأطمار بالية وسخة. وهذا الميناء بالخصوص ملقى لأقذر متشردي البلقان والروس والأرمن...\" لكن الصورة سرعان ما تتغير إلى نقيضها، حين يغادر المرفأ ويدخل في قلب المدينة، فيحدثنا عنها بإعجاب وكأنه يستعرض بعض ما قرأه عن اليونان القديمة، فيقول: \"أثينا مدينة أممية كجارتها بيره، إلا أن اتساع شوارعها وميادينها وفخامة مبانيها ونظافة أهلها وأناقتهم تجعلها في صف العواصم العالمية الجميلة...\"، وبخاصة تلك \"الواجهات المرمرية\" التي تمتاز بها مبانيها. ثم يتابع وصف عديد من المشاهد، ومنها باعة التبغ واليانصيب، وروعة الجمال الإغريقي، وتدني قيمة العملة. ولا ينسى أن يشير إلى أن \"الدراخمة\" مأخوذة من \"الدرهم\".. لكن حس التهكم والفكاهة يغلب عليه فيقول عن لباس الحرس الملوكي إنه \"كثير الشبه بلباس \"الطبالين الزنوج في الجنوب التونسي\"!
تغادر السفينة اليونان متوجهة إلى تركيا، وتدخل مضيق الدردنيل الفاصل بين آسيا وأوربا، ويعيش الفتى حالة شعرية إعجابا بما يرى، لكنه لا يحدثنا عن ذلك وإنما يتصور أنه متزوج بامرأتين: آسيا السمراء عن يمينه، وأوربا الشقراء عن يساره. وتستهويه لعبة الخيال فيوغل في وصف كل منهما كما يحلو له.. ويحدث بعض رفقاء الرحلة عن زوجتيه الخياليتين فتنطلي اللعبة على السائحة الأميركية حتى تظنه غبيا وتسجل في دفترها: \"سمع شاب إفريقي باسمَيْ: آسيا وأروبا فظنهما اسمي فتاتين، والعجيب ما ادعاه من أنه رآهما وأحبهما معا - والإفريقيون يحبون بالجملة والقطاعي...\" وسرعان ما تغلق الدفتر حين تلمحه يسترق النظر إلى ما كتبت!
ويقومون بزيارة إسطنبول.. فيفاجئنا بدقة ملاحظاته وهو يلتقط الصور المتناقضة في هذه العاصمة الشرقية التي التحقت بالغرب، ويطلق على هذا الخليط المتنافر اسم (كوكتيل) حيث يلتقي الطربوش والقبعة الإيطالية معا على التابوت فوق رأس الميت كما تستأثر القبعة الأميركية برأس المؤذن! ولا ينسى أن يشير إلى بوادر التحول الاجتماعي وخروج المرأة إلى الحرية بجسمها، لكن أفكارها ما تزال في الماضي، فيتحدث عن العجوز التي تجلس سافرة \"أمام بيتها... وهي تدخن النارجيلة في حركات بطيئة حالمة بماضيها حينما كانت في \"الحريم\" بينها وبين الشارع ثلاثة دهاليز في كل واحد (آغا) لا تفارق عيناه الأبواب والنوافذ.\"! وهو يرى بعمق \"أن التركي المتوسط لم تغيره القبعة كثيرا\".. ولكن تصرفات رجال الطبقة العليا انتقلت من الخفاء إلى العلانية. وهو يعترف أنه يحمل مشاعر متناقضة تجاه مصطفى كمال فيقول: \"جعل هذا الرجل من تركيا البلاد الشرقية والتي كانت كلها وقارا وضعفا وانحلالا دولة أوروبية قوية.. مضحكة.\"
تلك هي براعة الكاتب بالتقاط الصورة وحدة التعليق عليها. فكلمة \"مضحكة\" التي أنهى بها وصف ما أنجزه (أتاتورك) نسفت إعجابه به، ولعله أراد أن يوحي أن التقدم والدخول في حضارة العصر لا يتم بالتقليد والإكراه. ثم يضيف في موضع آخر: \"يلزمك وأنت تزور الأستانة ثلاثة أدلاء... وترجع منها بذكريات أكثر مما يتحمله رأسك\".
ولعل روعة إسطنبول في ساعة الشروق بسمائها الزرقاء الصافية ومآذنها البيضاء الشامخة نحو السماء هي البلسم الشافي الذي خفف من دوار المدن والموانئ الأخرى، واستعاض عن مناظر الحانات الأوربية ومرارة شرابها بشهد الشرق الأصيل، ممزوجا بجمال هذه المنائر الممشوقة الضارعة إلى السماء.
ويلتقي الرحالة فتاة تركية \"يتمتها الحرب الكبرى، وهي تشتغل الآن كراقصة في كبريه \"بانوراما\" في حارة تقسيم، وتسكن مع والدتها بيتا في أيوب؛ وأنا تاجر تونسي قدمت إلى الأستانة لشراء الجلد والجوز...\"! بعد هذا التعريف الساخر، ينطلق الفتى بصحبة دليلته الحسناء في أرجاء المدينة فيزور أمها ومكان عملها وأماكن أخرى ليستمع إلى الموسيقى.
وتواصل السفينة طريقها إلى إزمير، ويعاني المسافرون من دوار البحر طوال هذه المسافة من الرحلة. ثم تثور العاصفة فترتج السفينة وتترنح وتزداد أحوالهم سوءا طوال ساعتين ثقيلتين. وأخيرا يصلون إلى أزمير، وهي المحطة الأخيرة بين تلك الموانئ. ويبدو أن مزاج البحر الغاضب قد قلب أمعاءهم حتى اعتصرهم الجوع، وكان بلوغ المدينة غاية ممتعة. يقول الدوعاجي: \"لم يبق عالقا في ذهني من زيارتي لأزمير إلا ذكرى المطعم الذي أكلت فيه \"كبابا\" لذيذا أو الترام الذي يشق المدينة المهدمة تجره الجياد الهزيلة...\" ثم يضيف ذكرى حادثة أخرى وقعت لهم مع صراف تركي عجوز يدعي أن الأوراق الفرنسية لا قيمة لها وينكر وجود \"البنك دي فرانس\" كل الإنكار...!
وتنتهي جولتهم بين حانات المتوسط ويعودون إلى تونس. ومن العبارات المدهشة التي يذكرها الرحالة في تلك الفترة المبكرة \"آلات التلفزة\"، مع أن ذلك كان قبل بدء انتشار التلفزيون في العالم الغربي بثلاث سنوات. وهذا يؤكد مدى اهتمام الرحالة بالعلم ومنجزاته الحديثة، وفطنته المرهفة لالتقاط أحدث المصطلحات المبتكرة.
في القراءة الأولى لم أطمئن إلى هذا النص، وبخاصة أن كاتبه أعلن منذ البداية عدم اهتمامه بالمكان والابتعاد عن وصف ملامحه. كما أني لم أرتح إلى تركيزه على \"الحانات\" في العنوان، وكنت أود لو اختار \"المواني\" بديلا لها. لكن القراءات التالية غيرت من رأيي. فالرحلة كانت سريعة لأنها اقتصرت على مرور سياحي عابر بتلك المدن الساحلية التي تغص بالحانات. ومن هذه الزاوية بدت إسطنبول استثناء رائعا وفاصلا مختلفا، مفعما بالجمال والبهجة والسكينة.
أسلوب الكاتب العفوي الرشيق ومزاجه الساخر الظريف وسعة اطلاعه، إضافة إلى بعض الرسوم بريشته، زادت من متعة القراءة، ولم يعد الشعور بقصر الرحلة أو كثافة النص ملحا أو شاغلا. الفكاهة التي يطلقها بين حين وآخر تجعل مشاركتنا له في هذه التجربة مفيدة وممتعة.
الملحوظة اللغوية البارزة تتجلى في لفظ الأسماء الأجنبية وكتابتها، إذ يغدو حرف G)) - الجيم (المصرية) والغين (الشامية) - قافا في تونس؛ وهكذا يمر في النص (فيكتور هيقو)، (الإنقليز)، (بكنقهام) وقد يسبب حرف القاف هذا إرباكا لفظيا في القراءة الأولى.
ولئن حدثت هذه الرحلة قبيل وفاة الشابي بسنة، فهي تؤكد بأن كاتبها من المبدعين المتألقين في تلك المرحلة الهامة من عصر النهضة، وهو يقف بجدارة إلى جانب الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم عبد القادر المازني وغيرهم من أولئك الأعلام، متميزا بالظرف وحدة التعليق ورشاقة العبارة ليؤكد مقولة أبي حيان التوحيدي في \"الإمتاع والمؤانسة\".

أبو ظبي في 8/3/2006 علي كنعان

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لعلي كنعان8 كتاباً
تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
الرِّحلة الشَّامِيَّة 1910
الرحلة الأميركية 1912
الرحلة اليابانية 1909
رحلة في صحراء ليبيا 1923
المزيد...

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار