رحلة ابن حمادوش الجزائري
تأليف : أبو القاسم سعد الله
الولادة : 1930 هجرية الوفاة : 2013 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
لعبد الرزاق بن حمادوش الجزائري \r\nتحقيق وتقديم: د. أبو القاسم سعد الله\r\n\r\nابن حمادوش وعصره عاش ابن حمادوش (عبد الرزاق بن محمد بن محمد، المعروف بابن حمادوش الجزائري) خلال القرن الثاني عشر الهجري (الثامن عشر الميلادي). فقد ولد في مدينة الجزائر سنة 1107 (1695م) وتوفي بعد حوالي تسعين سنة في مكان وتاريخ مجهولين. وقد درس في وطنه وتزوج به وتقلد بعض الوظائف الدينية. ولكنه منذ العشرينات من عمره أخذ يجوب العالم الإسلامي، بدأ ذلك بالحج، ثم حملته قدماه إلى المغرب الأقصى والمشرق في مناسبات أخرى. وكانت أسرته فيما يبدو تمتهن الدباغة، ولذلك كان والده يعرف أيضا بالحاج محمد الدباغ. وكان أصحاب الحرف منتظمين في تعاونيات، وعلى كل تعاونية مسؤول يمثلهم لدى السلطة. وكانوا في الغالب من أغنياء الناس. غير أن ابن حمادوش عاش فقيرا لأنه امتهن العلم لا الدباغة. وخلال عمره الطويل عاصر ابن حمادوش أحداثا هاما في بلاده وفي العالم، فقد استقلت الجزائر أو كادت عن الدولة العثمانية في عهد حكم الدايات، وعرفت أثناء ذلك ديكتاتورية مطلقة من هؤلاء الذين طال بهم الأجل في الحكم أمثال عبدي باشا، ومحمد باشا. كما عاصر ابن حمادوش تسلط اليهود الاقتصادي، وخصوصا اليهود المهاجرين من أوربا (وليفورنيا بالذات)، وانحسار موجة غنائم البحر، وبعض الغارات الأسبانية على الجزائر مثل غارة أوريلي (سنة 1775). أما على المستوى الإسلامي فقد شهد بنفسه الحرب الأهلية بالمغرب الأقصى، حتى كاد يذهب هو ضحية لها. ولا شك أنه شهد أيضا بعض الحروب التي جرت بين حكام الجزائر وحكام تونس. ومهما كان الأمر فقد كانت أخبار تدهور الدولة العثمانية تصل إلى أذنيه إن لم يكن قد شاهد ذلك بعينيه، على عدة جبهات، ولا سيما مع الجبهة الروسية. ولا ندري إن كان ابن حمادوش قد عاش حتى أدرك أحداث الثورة الفرنسية التي غيرت معالم الخريطة الأوربية وكان لها أيضا صدى في الشرق الإسلامي. ويهمنا أن نذكر أن ثقافة ابن حمادوش كانت هي ثقافة معاصريه ولكنه انفرد عنهم بالتخصص في الجانب العلمي من هذه الثقافة. فبينما درس مثلهم العلوم الشرعية واللغوية وأخذ العلم مثلهم أيضا قراءة وإجازة، نجد ابن حمادوش يميل بطبعه إلى ما يسمى اليوم بالعلوم الرياضية والطبية وما شاكلها. فهو صيدلي وطبيب وحسّاب وفلكي وفرضي ومنطقي. وقد ألف في هذه العلوم كما عرّفنا في كتابنا عنه ، وكما تشهد كتبه التي ذكرها في رحلته. ولكنه لم ينقطع تماما عن تيار العصر. فقد كان مهتما أيضا بالفقه والنحو والتصوف والأدب والتاريخ. وتشهد رحلته أنه كان رحالة كثير الاهتمام بطبائع الناس وغرائب الأشياء، دقيق الملاحظة. ولو عثرنا على آثاره الأخرى أو بعضها لتكشّفت لنا منه شخصية قليلة الوجود في ذلك العصر.
أوليات الرحلة من الصعب القول بأن آثار ابن حمادوش لم تكن معروفة لمعاصريه أو للجيل الذي جاء بعدهم. حقا إن كتابته لا تناسب ذوقهم لأنه كان بسيطا في تعابيره وهم كانوا مهتمين بالتنميق اللفظي إلى حد التقعر. وكانت موضوعاته أيضا ليست هي موضوعاتهم، فقد صبّ اهتمامه على المسائل العلمية بينما كان اهتمام جل معاصريه ومن لحقهم بالمسائل الفقهية والصوفية. فرغم معرفته الشخصية بأحمد بن عمار فإن هذا لم يذكره في الجزء المنشور من رحلته ولا في المجموعة الشعرية التي يظن أنها جزء من كتابه المفقود (لواء النصر). وكان الحسين الورثلاني معاصرا أيضا لابن حمادوش ومع ذلك لا نجد له ذكرا في الرحلة الورثلانية. كما أن ابن المفتي لم يذكره في تقاييده، ومثل هذا يقال في آثار الجيل التالي. ومع ذلك فإننا لا نعتقد أن بعض تآليف ابن حمادوش لم تكن معروفة لدى علماء بلاده، فالمرجح أن بعضها، وخصوصا كتابه (الجواهر المكنون)، كان معروفا عندهم ومتداولا، وقد أخذ جيل النصف الثاني من القرن الماضي يهتم بما كتب ابن حمادوش عن ولاة الجزائر، وعن عادات وتقاليد المجتمع الجزائري. وعلى هذا وجدنا المفتى أحمد العالي ينقل في كناشه من رحلة ابن حمادوش بعض عادات الجزائريين في قراءة البخاري في رمضان، وليلة القدر، ونحو ذلك. وفي أوائل هذا القرن اهتم برحلته الشيخ عبد الحي الكتاني لأنها احتوت على بعض الإجازات والأسانيد (وكان الكتاني يبحث عن مادة كتابه فهرس الفهارس)، ثم توالت الاهتمامات به، خصوصا من جانب السيد محمد داود صاحب (تاريخ تطوان) لان ابن حمادوش أورد أخبارا هامة عن تطوان في رحلته. وإذا كان علماء المسسلمين قد اهتموا برحلة ابن حمادوش لما فيها من أخبار سياسية أو دينية أو اجتماعية، فإن العلماء الأوروبيين قد اهتموا بآثاره العلمية على الخصوص. فالسيد لوسيان ليكيرك والسيد غبريار كولان اهتما به لأنه ألف عن الطب الشعبي العربي. فترجم له الأول الجزء الخاص بالأعشاب والمعروف بـ(كشف الرموز) ونشره بالفرنسية، ودرس حياة ابن حمادوش وعرض أفكاره وملاحظاته وعلق عليها، ولا سيما ما جاء في عمله المذكور وهو (كشف الرموز)، وكلاهما نوه به واعتبره خارج عصره. وهناك اهتمام آخر بآثار ابن حمادوش، فالسيد جواخيم دي خونزاليز الأسباني ذكره من بين مصادره الأساسية في رسالته المعروفة باسم (مشاهير مسلمي مدينة الجزائر) وقد أخذ عنه أسماء ولاة الجزائر وقارنها بما أورده عبد الرحمن ابن رقية حول نفس الموضوع في كتابه (الزهرة النيرة). ويعتبر خونزاليز -بعد العمالي- أول من استفاد من رحلة ابن حمادوش. وقد ألف رسالته (مشاهير...) في مدينة الجزائر، ولذلك نرجو أن تكون لديه نسخة أخرى من هذه الرحلة، أو أنه استفاد من نفس النسخة التي نقل منها العمالي (وهما متعاصران)، وقد يكون استعارها من الشيخ العمالي نفسه. والغريب أن خونزاليز استقى من الرحلة تاريخا غير مذكور في النسخة التي بين أيدينا، وهو تاريخ وفاة علي باشا المعروف بوصبع (وهو سنة 1168) بينما نسختنا تنتهي بتاريخ 1161 فقط. أما السيد رودوسي قدور بن مراد التركي، صاحب المطبعة الثعالبية بالجزائر، فهو أول من قدم جزءا بالعربية من عمل ابن حمادوش ونشره على الناس، ونعني به (كشف الرموز) الذي اتضح لنا، بعد الاطلاع على الرحلة أنه الجزء الرابع من تأليف ابن حمادوش، الذي أسماه (الجوهر المكنون من بحر القانون). وقد عهد رودوسي بتحريره وتصنيفه وضبطه إلى السيد عبد الرزاق الأشرف، الذي لا شك أنه اعتمد في إخراجه على أكثر من نسخة. وهكذا أصبح ابن حمادوش معروفا عند علماء المسلمين بمساهمته في تسجيل الآثار الاجتماعية والدينية والطب الشعبي، وعند العلماء الأوربيين بمساهمته في مجال الطب العربي والأحداث التاريخية. وقد أخذ اللاحقون عن هؤلاء، فأبو القاسم الحفناوي في (تعريف الخلف) وكارل بروكلمان في ذيل كتابه (تاريخ الأدب العربي)، لم يعطيا جديدا عن ابن حمادوش، وإنما نقلا عن غيرهما. وهاهو الآن السيد إبراهيم بن مراد التونسي يرغب كما أخبرني ، في تحقيق (كشف الرموز) تحقيقا علميا يتناسب مع النص الأصلي كما وضعه المؤلف. كما أعرف أن الدكتور سعيد شيبان من المهتمين بمساهمة ابن حمادوش في الطب الشعبي.
وصف المخطوطة توجد النسخة الوحيدة لرحلة ابن حمادوش في المكتبة (الخزانة) العامة بالرباط تحت رقم ك 463. وهي في شكل مسودة. ورغم محاولاتنا للعثور على نسخة أخرى منها فإننا لم نفلح. وعلى كل حال، فإن النسخة التي عثرنا عليها تذكّر من البداية بأنها هي الجزء الثاني من الرحلة. ومعنى هذا أن هناك على الأقل جزءا أولا من الرحلة، غير أننا لم نعثر له على أثر أيضا. ويؤكد ابن حمادوش نفسه في الجزء الثاني الذي بين أيدينا أنه قد انتهى من الجزء الأول، وذكر في عدة مناسبات أنه تناول فيه كيت وكيت. وما دامت النسخة الحالية هي الجزء الثاني فإن فاتحتها جاءت مقتضبة، فليس فيها الديباجة المعهودة في الـتآليف القديمة، وليس فيها بيان الغرض من التأليف والدافع إليه وخطته وسبب اختيار العنوان ونحو ذلك مما جرت عليه عادة المؤلفين. فالنسخة الحالية تبدأ بالحمدلة والبسملة والتصلية ثم تنتقل مباشرة إلى اسم المؤلف هكذا (يقول عبد الرزاق بن محمد بن محمد بن حمادوش.. الجزء الثاني من رحلته) وبعد كلمة (رحلته) لم يكتب عنوان الرحلة في نفس السطر وإنما توجد إشارة بخط قصير علامة توقف وكتابة العنوان في الحاشية اليسرى للنص، وهو (لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال). وتوجد تحت العنوان كلمات محاها بعضهم بتمرير القلم الأسود عليها عدة مرات. لذلك لا يمكن الاهتداء إلى معناها. ولعلها عبارات تملّك أزالها المالك الجديد للنسخة، وقد تكون هي عبارة تملّك الشيخ المفتي أحمد العمالي الجزائري، وأن الذي أزالها هو الشيخ عبد الحي الكتاني بعد انتقال النسخة إليه. وفي أعلى يسار نفس هذه الصفحة عبارة تمليك واضحة وهي (تملكه الحاج علي ابن الحاج سعيد). وتحت هذه العبارة كلمة (عام؟) لكننا لم نستطع قراءة التاريخ، كما أننا لم نستطع أن نتبين من هو الحاج علي ابن الحاج سعيد، ولعله أحد حضر مدينة الجزائر. كما أن الحاشية اليسرى من النص تحمل عبارة (مكتبة عبد الحي الكتاني) بفاس وكذلك ختم المكتبة العامة بالرباط. وبعد عبارة (الجزء الثاني من رحلته) التي سبق ذكرها يستمر السطر هكذا (مبدوء من أول ليلة الاثنين، فاتح عام 1156 عربية.) وهكذا يتضح أن الجزء الثاني من الرحلة يبدأ بتاريخ محدد وهو 1156 (1743م)، ولكن دون أن نعرف المكان الذي كتبه فيه المؤلف. ويصرح ابن حمادوش في نفس الصفحة بأن التاريخ المذكور يوافق افتتاح سنة ثمانية وأربعين من ولادته هو. أما الصفحة الثانية من المتن (وهي الثالثة في الترقيم) ، فتبدأ بهذه العبارة (وفي هذه الساعة كنا على ظهر البحر قريبا من غرناطة، وكان عاشر يوم خروجنا من الجزائر..)، وهذا في الحقيقة هو بداية متن الجزء الثاني من الرحلة. هذا عن أول الجزء الثاني من الرحلة. أما عن آخره فهو أشد غموضا من أوله. ذلك أن الرحلة مبتورة الآخر، ومعنى ذلك أنها تفتقر إلى معلومات أساسية تأتي عادة في الخاتمة مثل تاريخ ومكان الكتابة أو النسخ واسم الكاتب أو الناسخ، والإشارة إلى كون النسخة هي آخر الجزء أو تليه أجزاء أخرى، ونحو ذلك. وبالإضافة إلى البتر، هناك اضطراب في معلومات الصفحات الأخيرة من الرحلة، ذلك أن الرحلة تبلغ في حجمها الحالي 278 صفحة وهي مرقمة بقلم الرصاص، ولا شك أن الترقيم أضافه المتأخرون، وقد يكون من عمل الشيخ عبد الحي الكتاني الذي قد يكون أخذ النسخة من الجزائر التي كان يتردد عليها، وقد اشتهر عند المعاصرين عندئذ أنه كان يستولي على المخطوطات بطرق مختلفة. والملاحظ أن ترقيم الصفحات بالأرقام العربية، وهي المستعملة في المغرب الأقصى منذ القديم. ويغلب على الظن أن الرحلة تنتهي بصفحة 225، لأن آخرها هذه العبارات الدالة على الانتهاء وهي (وكتبت هذا الخميس والجمعة ثاني وثالث جمادى الأولى (عام 1160هـ) موافق آخر أبريل وأول يوم من مايو (عام 1747م) رزقنا الله الهدى فيما بقى، وسامح وعفي (كذا) فيما مضى). ويوجد بعد ذلك بياض (حوالي ثلث الصفحة الأسفل). كما أن الكلام المذكور في الصفحة الموالية (226) غير متصل بما قبله. ومعنى هذا أن الرحلة تنتهي بحوادث عام 1160 (1747). ومن المعروف أن ابن حمادوش كان في مدينة رشيد بمصر في السنة الموالية (1161) كما جاء في رسالته (تعديل المزاج). فهل كتب هذا الجزء من الرحلة في الجزائر عام 1160، ثم توقف هناك لانتقاله إلى المشرق؟ أو هل كتبه خارج الجزائر، مثلا في مدينة رشيد؟ هذا ما لا تفصح عنه النصوص الحالية. لكن هناك إشكال آخر يجعل ما قلناه عن احتمال أن تكون صفحة 225 هي آخر الرحلة وعام 1160 هو آخر تاريخ لها، غير مجزوم به. فبعد أن نمر بصفحة 226 التي تحتوي على معلومات من المؤكد أنها خارج الرحلة تأتي صفحة 227 التي تحتوي على خطبة عقد زواج. وسنعرف أن ابن حمادوش قد أورد بعض النماذج لعقود من هذا النوع. والخطبة المذكورة لا تحتوي على أسماء تاريخية بل هي نموذج لكتابة هذا النوع من العقود. فلعل هذه الصفحة تابعة للصفحات المتقدمة عليها والتي تضم مجموعة العقود التي أوردها ابن حمادوش. وتأتي بعد ذلك صفحة 228 وفيها كلام يشبه كلام ابن حمادوش وطريقته يبدأ هكذا: (ثم إلى يوم الاثنين سابع عشر الشهر المذكور (؟) ابتدأت تخريج حاشيتي المسماة (كذا) السانح في حواشي المتن والشارح على ألفية ابن مالك وافتتاحها..)، فهل نعتبر كلام هذه الصفحة جزءا من الرحلة، متصلا بما قبله، لكن ترقيم الصفحات هو الذي شوش ترتيبها؟ ذلك ما لا نستطيع الجزم به أيضا. أما صفحة 229 فقد جاءت فيها إشارة محيرة. ذلك أنه قد وجد في أعلاها هذه العبارة: (الحمد لله، قاله عبد الرزاق ليلة الاثنين ورابع وعشرين ذي القعدة عام 1161هـ) لكن النص المذكور بعد ذلك في نفس الصفحة لا صلة له في نظرنا برحلة ابن حمادوش لا معنى ولا خطاً. فقد جاء فيها أبيات تبدأ هكذا: فأنت امرؤ منا خلقت لغيرنا حياتك لا تنفع (كذا) وموتك فاجع وبعدها دعاء لعبد الرحمن الثعالبي في هلاك الظالم، وهو بقلم مغاير تماما. والذي يهمنا من هذه الصفحة هو التأريخ بعام 1161. فإذا صح أن هذه الزيادة هي لابن حمادوش فإن الرحلة تكون قد غطت الحوادث إلى العام المذكور. (أي من سنة 1156 إلى سنة 1161). بيد أن هناك ما يشكك في ذلك أيضا، لسببين، الأول أن العبارة التي ورد فيها التاريخ المذكور مضافة في أعلى الصفحة وليست أصلا في النص. والثاني أن الصفحة الموالية (230) تذكر حادثة وتؤرخها بعام 1160. فلو كانت إضافة عام 1161 في محلها لما كان هناك داع للعودة إلى عام 1160 بعدها مباشرة. والحادثة هي (ناولني هذا لأكتبه الشيخ الفاضل البركة أحمد بن مصطفى بن أحمد الصباغ المالكي الأزهري الإسكندري (عرف بالصباغ) صبيحة يوم الجمعة حادي عشر شعبان عام 1160هـ.) ويشير بكلمة (هذا) إلى أسانيد الشيخ المذكور. وقد ملأت هذه الأسانيد والإجازات الرحلة من صفحة 230 إلى صفحة 277. غير أن الملاحظ أن الأسانيد والإجازات لم تكتمل في الرحلة أيضا لأن آخر صفحة 277 يقرأ هكذا (وأما شرح النخبة للحافظ ابن حجر)، والمفروض أن تكون بداية صفحة 278 هي عبارة (ابن حجر) على عادتهم. لكن المكتوب على هذه الصفحة (278)، التي هي آخر الموجود من المخطوطة، هو عبارة (شعر حسن) ثم أبيات تبدأ هكذا: عرج بمنعرج الكثيب الأعفر بين الفرات وبين شط الكوثر وبذلك تكون الرحلة ناقصة حتى على فرض أن تكون أسانيد الصباغ جزءا منها. ومهما يكن الأمر فإننا إذا افترضنا أن التمهيد لكتابة تلك الأسانيد هو من كلام ابن حمادوش فإنه يدل على أن صاحب الرحلة كان في المشرق عام 1160. لكن ما يزيد في حيرتنا حول نهاية الرحلة هو ما ذكره السيد خونزاليز الأسباني، الذي نعتقد أنه من أوائل المستفيدين من الرحلة، فقد ذكر في كتابه أن ابن حمادوش قد سجل في ولاة الجزائر أن الباشا علي بوصبع قد تولى سنة 1161 ومات سنة 1168 (ص49)، فمن أين جاء السيد خونزاليز بهذا النقل وهو غير موجود في النسخة التي عندنا؟ فهل هناك نسخة أخرى للرحلة لم نطلع عليها؟ أو هل اطلع السيد خونزاليز على الجزء الثالث من الرحلة الذي يصل بالأحداث إلى سنة 1168 (1755)؟ الواقع أننا لم نستطع أن نصل إلى جواب في الوقت الراهن. ومما يؤكد أن ابن حمادوش وصل بأخباره إلى سنة 1168 أننا وجدنا في أحد المخطوطات أن ابن حمادوش قد عدل الكواكب بالجزائر في هذه السنة. وقبل أن نختم الحديث عن نهاية الرحلة نلفت النظر إلى أننا وجدنا بعض التقاليد على حاشية صفحة 226 تتعلق ببعض ولاة الجزائر المتأخرين. وهذه التقاييد كتبت بخط مغاير للنص وبعبارة ركيكة. وتشير التقاييد إلى تولية ووفاة كل من عمر باشا (1230-1232) وعلى باشا (1232-1233). وتكشف هذه التقاييد، رغم ركاكتها، عن نقطتين هامتين؛ الأولى أن نسخة الرحلة التي لدينا كانت عندئذ بالجزائر سواء بالكتابة أصلا أو الانتقال إليها بالتملك. والنقطة الثانية هي أن التقاييد قد كتبت قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر (1246هـ)، بل يبدو أنها قد كتبت قبل تولي آخر الدايات وهو حسين باشا (1233-1246)، ومما يؤيد وجود النسخة بالجزائر قبل انتقالها إلى المغرب ما وجدناه من تطابق بين نصها والنص الذي نقله منها المفتي أحمد العمالي المشار إليه. أما مسطرة المخطوطة فهي 16×12 وتحتوي كل صفحة على حوالي 22 سطرا. وخطها جزائري جيد على العموم، وهي مكتوبة بالحبر الأسود باستثناء أسماء الولاة (ولاة الجزائر) وبعض التعاليق الجانبية والأسماء فهي مكتوبة باللون الأحمر. وهي في شكل مسودة، لذلك جاءت غير منسقة ولا يجمعها إلى بعضها من حيث المنهج سوى الترتيب الزمني، ذلك أن المؤلف يسير على طريقة الحوليات أو السنوات. أما المحتوى فهو مشتت. والظاهر أن المؤلف كان قد جمع في كناشه تواريخ وأسماء ونحو ذلك وعاد إليه حين عزم على كتابة الرحلة فأخذ منه دون ترتيب أيضا. ويستعمل المؤلف فيها ضمير المتكلم بإستثناء البداية التي جاء فيها ضمير الغائب هكذا: (الجزء الثاني من رحلته..) مما يدل على أن هذه العبارة ليست من المؤلف نفسه. والسيد خونزاليز، الذي استفاد من الرحلة، لم يذكر شيئا عن خطها، أما الشيخ عبد الحي الكتاني فقد ذكر في (دليل الحج والسياحة) أنها بخط المؤلف، وقد تبعه في ذلك الشيخ محمد داود في كتابه (تاريخ تطوان). والواقع أن كلمة (رحلة) يجب أن تطلق على جزء فقط من المخطوطة أي على الجزء الخاص بالمغرب وهو من الصفحة الثالثة إلى صفحة 75. وهو ما يمكن أن نطلق عليه (الرحلة المغربية). أما بقية المخطوطة (من صفحة 75 إلى 278) فهو عبارة عن يوميات ومذكرات المؤلف بينما كان في الجزائر (قراءته، حياته العائلية، أخبار الولاة، وبعض العادات الاجتماعية، ومؤلفاته ونحو ذلك) ومن ثم فهذا الجزء من المخطوطة لا يمكن تسميته بالرحلة إلا تجاوزا. ومع ذلك فإن المؤلف نفسه هو الذي أستعمل كلمة (الرحلة) سواء بالنسبة للجزء الثاني الذي بين أيدينا أو للجزء المفقود. وهو ينسبها إلى نفسه فيقول (رحلتي) لكن لم نجده ولو مرة واحدة قد ذكر العنوان (لسان المقال) في ثنايا المخطوطة التي بين أيدينا. أما عن الجزء الأول فقد أشار إليه عدة مرات في الجزء الثاني الذي بين أيدينا. فهو قد أشار في حوادث أكتوبر سنة 1745 (1157هـ) إلى أنه قد أتم فيها (الجزء الأول من هذا التأليف) أو يستعمل عبارة (وقد تقدم في الجزء الأول) كيت وكيت من الأمور، مثل الدعاء المستعمل ليلة القدر عند أهل الجزائر. وقد تحدث مرة عن زوجته التي لم تر في عمله أية فائدة فقال (فإنه، كما تقدم في إجازتي في الجزء الأول. وفي هذا (يعني الجزء الثاني) أدرس في كل علم وأخذته قراءة.. فلم أحظ بهذه العلوم عندها، فلله الصبر.) (الرحلة ص76).
طريقة التحقيق لو قيل لي عن التعب الذي سيصادفني من جراء تحقيق هذه المخطوطة قبل الإقدام عليه لما صدقته أو لما أقدمت أصلا. وعلى كل حال فقد أصبحت الآن لا أغبط المحققين للنصوص القديمة تحقيقا علميا، لأنهم بدون شك يعانون الكثير ويربحون القليل، وكل جزائهم فيما يبدو هو رضى النفس والوفاء لصاحب النص وراحة الأجيال. ولعل الصعوبة التي واجهتني أنا بالخصوص تعود إلى أمرين، الأول تعدد موضوعات النص والثاني توفر نسخة واحدة فقط من المخطوطة.
أ- تعدد موضوعات النص ذلك أن رحلة ابن حمادوش تحتوي على موضوعات كثيرة غير مترابطة، وتبعا لذلك فإن من يقوم على تحقيقها عليه أن يكون مؤرخا وفقيها وعالما في التوحيد والتصوف والرياضيات والقصص الخرافي والحقيقي والأسانيد ونحو ذلك. وكان هذا في الواقع مصدر تعبي الشديد. فقد كان علي أن أعود إلى كتب كثيرة وأن أراسل بشأن مسائل متعددة بعض العلماء في الجزائر وخارجها، وأن أكرر التدقيق والتحري. وقد كنت عزمت في أول الأمر على أن لا أحقق وأنشر سوى ما كتبه ابن حمادوش بنفسه عن عصره وأهله ومشاهداته وتآليفه ونحو ذلك. وبذلك جردت الرحلة من المسائل المنقولة نقلا مثل ما نقله عن تاريخ ابن الكردبوس، وتاريخ العليمي، وأسانيد الصباغ الإسكندري، وأسانيد البناني الفاسي، وقصة العنقاء وقصة الفيل، نحو ذلك. وبعد أن سرت على هذه الطريقة ظهر لي، بعد استشارة عدد من الباحثين العارفين، بأن الأولى نشر كل ما جاء في الرحلة، سواء كان من إنشاء المؤلف أو من منقولاته، وسواء كان غثا أو سمينا. وهكذا كان الحال. فلو تجردت الرحلة مما ذكرت وأمثاله لصغر حجمها وسهل عليّ التعليق على موضوعها، وكانت موحدة الاتجاه. ولكن نشرها على ما هي عليه يجعلها كبيرة الحجم عديدة الموضوعات ذات الاتصال الضعيف فيما بينها، صعبة التحقيق لعدم قدرة أي محقق أن يلم بكل الموضوعات التي في الرحلة على حد سواء. ومن مبررات هذا الاختيار المحافظة على نص الرحلة كما هو كأمانة تاريخية، وتقديم ابن حمادوش كما هو في شخصه وفي تأليفه وفي ذوقه، ولو كان ذلك يبدو لنا فوضى لا يقبلها البحث الحديث. ومن عيوب هذا الاختيار أن تحقيق المسائل في نص الرحلة ليس على درجة واحدة. فهناك الموضوعات التي أكثرت من التعليق عليها وتتبعها ما أمكن لصلتي بها، وهناك من الموضوعات ما مررت عليه مرور الكرام لاستحالة الإلمام بكل الجزيئات.
ب-توفر نسخة واحدة من المخطوطة رغم بحثنا وتأخيرنا نشر التحقيق كل هذه السنوات، فإننا لم نهتد إلى وجود نسخة أخرى من رحلة ابن حمادوش. وقد عرفنا أن نسخة الجزائر التي يبدو أنها انتقلت من ملكية السيد الحاج علي بن الحاج سعيد إلى المفتي أحمد العمالي إلى مكتبة السيد عبد الحي الكتاني المغربي، هي النسخة الموجودة في هذه المكتبة بالخزانة العامة بالرباط والتي اطلعت عليها شخصيا سنة 1973، وتفضل صديقنا الدكتور عباس الجراري بتصويرها لنا على الميكروفيلم. والشك الوحيد الذي بقي يساورني حول وجود نسخة أخرى هو اطلاع السيد جواخيم خونزاليز الأسباني على الرحلة وأخذه منها أخبارا غير موجودة في النسخة التي بين أيدينا. وقد راسلت بهذا الشأن عددا من علماء الأسبان، ومنهم السيد المستشرق ميقيل ايبالزا، لعله يعرف شيئا عن أوراق السيد خونزاليز، فلم نظفر بطائل. كما رجعنا إلى فهارس مخطوطات بعض المكتبات الإسبانية فلم نجد شيئا أيضا. ويساورني شك آخر في وجود نسخة من الرحلة في رشيد بمصر؛ فقد أخبرني الأستاذ حافظ دياب المصري أنه شاهد في مكتبة بلدية رشيد ما يمكن أن يكون رحلة ابن حمادوش (وقد عاش ابن حمادوش هناك). وعلى كل حال فإن نسخة المغرب المصورة هي التي اعتمدتها. فقد صورتها أولاً على الورق الصقيل استخراجا من الميكروفيلم، ونظرا لرداءة الخط أحيانا وعدم وضوح العبارات والكلمات المكتوبة أصلا بالألوان، فقد سلمتها للسيد محمد الطيب عقاب، العارف بالخطوط والقوي النظر، فكتبها إلي بخط يده من الورق الصقيل. ثم راجعتها معه حتى يتطابق المصور مع خطه. وأخيرا نسختها أنا بيدي من خط السيد عقاب وإملاء زوجتي في معظم الأحيان، وعلى النسخة الأخيرة وضعت تعاليقي قبل ضربها على الآلة الراقنة من طرف السيد عقاب نفسه. كل هذا وأنا لا أقدم على خطوة إلا بعد المراجعة على الأصل المصور من الميكروفيلم. وقد بقي جزء كبير من صفحة (93) وبعض العبارات لم نتبينها جميعا من المصورة، لأن ذلك الجزء جاء في طرف الصفحة فلم يلتقطه مصور الميكروفيلم، فراسلت بشأنه عدة مرات، وفي كل مرة كانت تأتيني الصورة كما هي عندي، إلى أن تفضل السيد محمد زدور الجزائري عن طريق السيد محمود بو عياد مدير المكتبة الوطنية بالجزائر، بنسخ تلك الصفحة بيده من أصلها من مخطوطة الخزانة العامة. وقد استعان السيد زدور على النسخ، بالشيخ محمد إبراهيم الكتاني، أحد محافظي الخزانة العامة. وبالإضافة إلى ذلك قرأت النص على الشيخ محمد الطاهر التليلي القماري وراسلته بشأن الكثير من المعلومات الواردة فيه، وأعارني الشيخ المهدي البو عبدلي كناش العمالي الذي يحتوي على بعض النقول من الرحلة، فقابلت ما جاء في النصين. كما رجعت بالخصوص إلى سيرة ابن هشام وتاريخ العليمي ومروج الذهب للمسعودي لمقارنة ما نقله ابن حمادوش من تاريخ ابن الكردبوس وتاريخ العليمي، إلى غير ذلك من المصادر. أما ما جاء به ابن حمادوش من أخبار عن ولاة الجزائر وحوادث المغرب وسير العلماء ونحو ذلك فقد عدت فيه إلى مراجع أخرى سيجدها القارئ في التعاليق بأسفل الصفحات. وكل ذلك كان حرصا مني علي تعويض النقص الذي أحدثه توفر نسخة واحدة من المخطوطة، وخدمة للنص المتوفر لدينا. ولا يخفى ما في العملية من جهد لا يعرفه إلا من كابده، ويكفي أن تعرف أن هذه العملية قد دامت، مع بعض التوقف، حوالي عشر سنوات. والواقع أنني ما زلت مترددا حول خط المخطوطة، فهل هو لابن حمادوش نفسه كما ذهب عبد الحي الكتاني ومن تبعه؟ أو هو لغيره، إن ما يحملني على هذا الشك هو أن الخط، رغم أنه جزائري نسخي ليس هو هو في كل المخطوطة، وبالإضافة إلى ذلك فإن رسم الكتابة غير موحد، فنفس الكلمات ترسم بأشكال مختلفة. ولو كانت لشخص واحد لما تغيرت، وهذا كثير في المخطوطة. فمواقع المد والإمالة والظاء والضاد والهمزة وقلب الحروف (مثل الذال والدال، والسين والصاد، والتاء والثاء الخ.) ونحوها موجودة بكثرة، وليست، كما قلت، على وتيرة واحدة. وقد نبهنا على ذلك في محله. وأسلوب ابن حمادوش في الرحلة بسيط جداً. ورغم أن عبارته فصيحة فإنه كثيراً ما يسوق الجملة سوقاً عامياً لا يخضع لقواعد الإعراب. وهذا ما جعل الحركات تختفي أحياناً، خصوصاً بالنسبة للفاعل والمفعول والتمييز، وتناسب العدد. ونحو ذلك. وكان الشعر من ضحايا هذا الأسلوب. وقد حاولنا أيضاً التنبيه على ذلك في محله. وتشكو الرحلة على ما هي عليه من الوحدة العضوية، كما أشرنا. ذلك أن طريقة عرض الحوادث فيها كثيرا ما يتخللها الانتقال والاستطراد ثم العودة إلى الموضوع الرئيسي (وهو عامل الزمن، أي سرد الحوادث زمنيا). ويظهر ذلك بالخصوص أثناء إيراد ابن حمادوش لطريقة قراءة صحيح البخاري في الجزائر، وإيراده قائمة ولاة الجزائر، وعقود الزواج، الخ. وقد كان بالإمكان إعادة النظر في هذا الترتيب، لأننا نعتقد أن هذا الترتيب خاضع للترقيم الذي وضعه -فيما يبدو- الشيخ الكتاني عند انتقال النسخة إليه. ولكننا عدلنا عن ذلك واكتفينا بالتنبيه في هذا التقديم على الأماكن التي رأينا فيها خللا في الوحدة العضوية للرحلة. ومن جهة أخرى فقد قسمنا النص إلى فقرات حسب المعنى. وحافظنا على العناوين الأصلية كما هي وسط الصفحة بالحروف البارزة. أما العناوين الجانبية فهي جميعا من وضعنا نحن، وكذلك النقط والفواصل. وفي الرحلة بعض الجداول لحل مسائل فرضية وفلكية حافظنا عليها أيضا، كما أن فيها بعض الرسوم، مثل رسم مقياس الماء، ورسم قارب من ورق البردي، وخارطة، وغيرها، وحافظنا عليها أيضا لأنها جميعا تدل، في نظرنا، على اهتمامات المؤلف وعلى حذقه أيضا.
المصادر وما دامت رحلة ابن حمادوش متعددة الموضوعات والنقول فلا بد أن تكون مصادرها كثيرة ومتنوعة. وليس الاطلاع على كل ذلك بالأمر اليسير على المحقق. وقد حاولنا أن نعود في كل موضوع إلى مظانه. وهكذا عدنا بخصوص الجزائر إلى مصادر جزائرية للتأكد والتعليق، وعدنا بالنسبة إلى الموضوعات المغربية إلى مصادر مغربية، وكذلك الحال بالنسبة إلى موضوعات التراث مثل الأسانيد وتاريخ بني العباس والأنبياء، ونحوها. وسيجد القارئ تلك المصادر في التعاليق. غير أنه مهما كانت الجهود فأنه لا يمكن ذكر جميع المصادر التي عدنا إليها أو التي تراسلنا بشأنها مع الباحثين الآخرين.
قيمة الرحلة أقدمنا على تحقيق رحلة ابن حمادوش لأنها في نظرنا: 1- جزء من تراث الجزائر العربي الإسلامي، كتب في عهد طالما رُمي بالجمود والتخلف. 2- تحفل بالمعلومات عن عصره سياسيا وفكريا واجتماعيا، وعن معاصريه: أفكارهم وأخلاقهم ونظمهم وأذواقهم. 3- مصدر هام لحياة المؤلف نفسه، بعد أن ضاعت مؤلفاته الأخرى، فهي مرآة حياته ونشاطه وتفكيره، وغم أنها غير كاملة. 4- تضم وثائق لا غنى عنها للباحثين في التاريخ الاجتماعي والأدبي والديني. 5- نادرة في نوعها، وهو فن الرحلة، إذ لم يُبق لنا الزمن سوى عدد ضئيل جدا من الرحلات الجزائرية التي تعود إلى العهد العثماني. وإذا كانت هذه هي في نظرنا إيجابيات رحلة ابن حمادوش، فإن لها أيضا سلبياتها، فهي: 1- تفتقر إلى وحدة الموضوع والترابط العضوي. فهي كشكول، فيه خليط من الحوادث والأفكار، والنقول، والمذكرات، الخ. 2- مليئة بالاستطراد الثقيل. 3- لا تدل على أن القدرة العقلية للمؤلف كانت دائما فوق النقد؛ إن كثيرا من النصوص الواردة في الرحلة، ولا سيما اختياراته التي يبدو أنه يقصد بها الترويح على القارئ، تنضح بالخرافة والتخلف العقلي. ولا نعتقد أن شبيبة اليوم المتسلحة بالعلم ستستسيغ بعض اختيارات ابن حمادوش وذوقه. ويكفي هنا التنبيه على ذلك فقط. ذلك أن ابن حمادوش، رغم عقلانيته النسبية، كان يمثل عصره وأذواق معاصريه. وعلى الشباب العربي المسلم أن يتعلم من أخطاء الأوائل وضعفهم، فلا يقع هو في نفس الخطأ والضعف. وما أحوجنا إلى المصلحين النقاد الذين يحولون سلبيات الماضي إلى إيجابيات تخدم الحاضر والمستقبل.
شكر واعتراف إن هذا العمل الذي استغرق قرابة عشر سنوات قد استنفد طاقة هائلة مني ومن أناس آخرين. وإذا كان تقدير جهدي متروكا للقراء، فإن تقدير جهود الذين أسهموا معي في إنجاز هذا العمل من مهمتي أنا. وأخص بالذكر الشيخ محمد الطاهر التليلي القماري الذي حقق معي كثيرا من المسائل سواء أثناء قراءتنا معا لنص الرحلة أو في مراسلتي معه أثناء وجودي بالجزائر والولايات المتحدة الأمريكية. فقد كان بريده إلي دائما سمينا كثير الفوائد محيلا على مصادر بأعيانها ومبديا رأيه وآراء غيره فيما عرضت عليه. وقد تفضل الشيخ المهدي البو عبدلي بإجابتي على عدد من المسائل أيضا وأرسل إلي كناش المفتي أحمد العمالي الذي نقل فيه عن رحلة ابن حمادوش. وقد قاسي الأستاذ محمد الطيب عقاب كثيرا في نسخ الرحلة من صورة الميكروفيلم المصقولة ثم في ضرب العمل كله بعد تعليقي عليه على الآلة الراقنة، وتفضل الأستاذ محمود بوعياد، مدير المكتبة الوطنية، بتكليف زميله السيد محمد زدور بنسخ صفحة (93) باليد من الرحلة من أصلها بالمغرب أثناء زيارة السيد زدور لهذا البلد الشقيق. فلهؤلاء جميعا شكري واعترافي بالجميل. وكيف أنسى هنا شكر زوجتي التي أملت علي معظم الرحلة، ونحن في ديار الغربة (أمريكا) من خط الأخ عقاب، والتي قابلت معي منسوخ الرحلة على الصورة المصقولة. وقد كدنا معا نضيق ذرعا بوجود ابن حمادوش معنا معظم الأوقات، فقد كلفنا مصاريف باهظة للنسخ والتصوير والرقن، وكانت أوراقه ونسخ رحلته والمراسلات بشأنها تأخذ حيزا كبيرا من بيتنا الصغير.
أبو القاسم سعد الله جامعة الجزائر
الجزائر: 5 يوليو 1982م 13رمضان 1402هـ
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|