رسائل البشرى في السياحة بألمانيا وسويسرا (1889)
تأليف : نوري الجراح
الولادة : 1956 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
لحسن توفيق العدل \r\nهذا هو أقدم كتاب دونه عربي عن سياحته في ألمانيا وسويسرا، وجمع بين دفتيه يوميات وانطباعات عن رحلة قام بها في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. حسن توفيق العدل (1862- 1904) أديب وتربوي من مصر، من مواليد الإسكندرية لأب عمل في القضاء، وكان رئيس محكمة بدمياط. درس العدل في الأزهر وأجيز بالتدريس والرواية على أربعة من كبار العلماء وكان ما يزال دون سن العشرين(). تلقى العلوم الكونية: الجغرافية، الرياضة، التاريخ، في مدرسة ليلية قاهرية، وتعلم الفرنسية مع صديقه الشيخ محمد شريف سليم(). التحق بدار العلوم 1883 وتخرج منها عام 1887، وكان ينظم الشعر. تاريخياً يعتبر العدل أول من درس علم أصول التدريس البيداغوجيا() في ألمانيا، ففي سبتمبر 1887م وعلى إثر اختياره من قبل \"نظارة المعارف\" في القاهرة لتدريس العربية للطلاب الأجانب في برلين، ركب الباخرة من الإسكندرية متجهاً إلى ألمانيا، وانتهى به المطاف في 20 سبتمبر من العام نفسه في برلين قادماً من فيينا، وكان في استقباله مدير المدرسة الشرقية، الذي عين له مترجماً يرافقه في الأسابيع الأولى من أقامته البرلينية، إلى أن يبدأ في تعلم اللغة الألمانية. قضى العدل في برلين خمس سنوات مدرساً للعربية، وطالباً في علم البيداغوجيا، وكان من بين طلابه خلال سنوات إقامته مستشرقون ومهتمون بالثقافة العربية لمع أكثرهم في ميادين الدبلوماسية والاستشراق والتجارة. بعد عودته إلى القاهرة وضع في علم التربية عدداً من الكتب منها: كتاب \"البيداغوجيا\" بشقيه العلمي والنظري،1891، 1892، كتاب \"الحركات الرياضية\" 1895، كتاب \"مرشد العائلات إلى تربية البنين والبنات\" وهو كتاب في التربية الجسمية منذ الحمل إلى سن البلوغ 1897، وكتب أخرى. في أكتوبر من سنة 1903 وصل إلى إنكلترا لتدريس اللغة العربية في جامعة كامبردج بطلب من الحكومة المصرية، فقضى هناك سبعة أشهر، صرفها في التدريس والبحث، وفي 31 من شهر مايو/أيار سنة 1904 وبينما هو في قاعة الدرس أصيب بعارض صحي أودى بحياته تحت أنظار طلابه. وقد شكلت وفاته خسارة فادحة لحركة العلم في مصر، ورثاه كبار أدباء عصره، ومشى في جنازته الآلاف، وبينهم المفكر الإسلامي محمد عبده. بعد وفاته اعتُمدت مؤلفاته في علم أصول التربية والتأريخ النقدي في مناهج \"دار العلوم\" حتى سنة 1945. خلال إقامته البرلينية استقبله إمبراطور ألمانيا فيلهلم الأول() بزيه المصري التقليدي بعدما اشتهر اسمه كمعلم للعربية، وعلى إثر قصيدة نظمها في مدح الإمبراطور الألماني، فألقى القصيدة في حضرته باللغتين العربية والألمانية، وقام القيصر فقلده وساماً ملكياً. وهناك إشارة إلى أن القصيدة نشرت في الصحافة الألمانية. أما نص رحلته من برلين وإليها وسياحته في المدن الألمانية والسويسرية فهي سياحة بدأها من برلين صباح يوم 16 أغسطس سنة 1889 وانتهت بعودته إلى العاصمة الألمانية يوم 15 سبتمبر من العام نفسه، فاستمرت شهراً كاملاً طاف خلاله عشرات المدن ومئات القرى ما بين ألمانيا وسويسرا. وكتب عن طبيعتها وناسها ومصانعها وعلومها ومدارسها. وقد نبَّه الرحالة المصري أحمد عطية الله() الذي سيزور برلين في فترة ما بين الحربين العالميتين، إلى أن العدل قام بسياحته التي نحن بصددها بعلم \"نظارة المعارف\" وبتشجيع منها. *** انطلق العدل في رحلته من برلين صباح يوم 18 ذي الحجة سنة 1306 هجرية الموافق 16 أغسطس سنة 1889 متجهاً إلى مدينة هنوفر، وغادرها إلى مدينة مندن() وهي بلدة قديمة في ولاية فستفالن إحدى ولايات البروسيا يومها، ومنها إلى مدينة كلونيا، وبون وكونجس فنتر، ومدينة فيسبادن، مدينة مينس التي عاش فيها رائد الطباعة غوتنبرغ، وهيدل برج وكانت إحدى مدن غراندوقية بادن بألمانيا، ثم منها إلى مدينة استراسبورغ عاصمة ولاية الالزاس وقسم لورين الألماني المتنازع عليهما مع فرنسا، ثم عبر إلى الأراضي السويسرية فبلغ مدينة بازل، ومدينة برن، وصولاً إلى مدينتي لوتسرن وتسيوريخ، وتجول في مدينة منيك عاصمة مملكة بفاريا، ومدينة نرنبرج. وفي طريق عودته بلغ مدينة لايبسك، ومدينة دريزدن عاصمة مملكة سكسونيا. ورجع من سياحته بعد شهر قضاه في شوارع المدن وأحضان الطبيعة الخلابة، فوصل إلى برلين يوم 20 محرم سنة 1307 هجرية الموافق 15 سبتمبر 1889 ميلادية. *** لم يكن رحالتنا أول من دون يوميات وانطباعات عن ألمانيا أواخر القرن التاسع عشر، فقد سبقه رحالة واحد على الأقل هو اللبناني سليم بسترس() الذي زار ألمانيا قادماً من بيروت عبر الأستانة سنة 1855، وعاصره محمد أمين فكري الذي زارها في سنة 1889 وهي السنة نفسها التي دون فيها العدل سياحته، ولحقت بهؤلاء مجموعة من الأدباء والشعراء والباحثين العرب() الذين زاروا أوروبا وعرجوا على ألمانيا، فدونوا انطباعات شكلت جزءاً من مجمل انطباعاتهم عن الحياة الأوروبية. ونجد أن العدل يتميز عن هؤلاء أولاً: في أن سياحته انحصرت بألمانيا وبالجزء الألماني من سويسرا، وبأنه قام برحلته خلال إقامة طويلة نسبياً في برلين أجاد خلالها اللغة الألمانية، وقرأ في التاريخ الألماني، وعبر مراراً في كتاباته عن إعجابه بالشخصية الألمانية وبشخصية الأمير بسمارك() على نحو خاص، واطلع بصورة عامة على أدب هذه اللغة، وإن كان شاغله الأساسي هو علم أصول التربية، فقد اعتبر العدل وجوده في ألمانيا فرصة لا تعوض لتحقيق هذه الغاية العلمية، إلى جانب مهمته الأصلية التي اختير لها؛ تدريس اللغة العربية لطلاب المدرسة الشرقية في برلين. الميزة الثانية التي تنفرد بها رحلة العدل بين أخواتها من الرحلات العربية أنه تاريخياً الأسبق إلى تدوين سياحته بين ألمانيا وسويسرا في كتاب مستقل(). وهناك ميزة ثالثة هي اشتراكه مع رفاعة رافع الطهطاوي في تكوينهما الأزهري، بينما تحدَّر الرحالة الآخرون، بمن فيهم المصريون، من مرجعية ثقافية مختلفة. على أن المشترك بين العدل وهؤلاء الرحالة جميعاً أن نصوصهم تكشف عن طبيعة اهتمام النخب العربية المثقفة بأوروبا، من خلال تأملها في النموذج الألماني، فهي تعبر عن مراحل مهمة من الاتصال المتجدد بالغرب ما بين أواسط القرن التاسع عشر وأواسط القرن العشرين، وتعكس نصوصها انطباعات وأفكاراً وملاحظات لشرقيين ينتمي أكثرهم إلى المجموعات المفكرة التائقة إلى تغيير نمط الحياة في الشرق العربي ليساير التطور ويدخل إلى العصر، وبالتالي تفصح نصوص الرحلة العربية إلى ألمانيا، وأكثرها مجهول، عن رؤية تلك النخبة للحياة الأوروبية؛ العمران، التمدن، الصناعة، الفنون، التعليم، الفكر، التخطيط الاجتماعي، وغير ذلك مما يشكل بنية الحياة الحديثة وتجلياتها في الثقافة والاجتماع، وكذلك نظرتها إلى الشخصية الألمانية وما رأت أنها تتميز به من خصال. وهي نصوص مسافرين لم يهمل جلهم إعمال الفكر في أسباب تقدم الغرب، من دون إغفال أهمية المقارنة بين عناصر الاختلاف القائمة بين الشرق والغرب. وعليه فإن كتاباتهم عن ألمانيا تمثل تطلعات نخبة أمِلت، بكثير من الرومانسية، في أن تستلهم حداثة الغرب وتحذو حذوه في انتهاج سبيل العصرنة، للانتقال بمجتمعاتهم من حال التخلف، واللحاق بركب المدينة الحديثة. *** لم تكن الرحلة من الشرق العربي إلى ألمانيا في القرن التاسع عشر رائجة عندما قام صاحب هذه اليوميات برحلته، فقد كانت أنظار الرحالة والمسافرين العرب مشدودة يوم ذاك إلى فرنسا وبريطانيا. كانت كل من باريس ولندن العاصمتين الأكثر إغراء للنخب المثقفة الشرقية المتطلعة إلى تحصيل العلم في أوروبا والعمل على إحداث تغيير وإصلاحات في نظم المجتمع والدولة، ولاحقاً، المناداة بالاستقلال عن دولة الخلافة ممثلة بالباب العالي بالنسبة إلى العرب الذين رزحوا تحت نير الحكم التركي أكثر من أربعة قرون. ولعل ما قيض لفرنسا، منذ حملة نابليون على مصر في 1798، وحتى سقوط الإمبراطورية العثمانية غداة الحرب العالمية الأولى، من استقطاب لاهتمام الشرقيين، بفعل الدور الاستعماري الذي لعبته في الشرق العربي وفي الشمال الإفريقي، وما حققته منافستها وشريكتها بريطانيا بفعل نصيبها من السيطرة الاستعمارية في الشرق() لم يكن في مستطاع ألمانيا القلقة المتطلعة خلال القرن التاسع عشر إلى إنجاز وحدتها. فلم يكن هناك مجال يمكِّن ألمانيا من مجاراة الدولتين الأوروبيتين المسيطرتين خارج حدودهما الجغرافية. كان الانشغال الألماني منصباً على جغرافيتها التي تغيرت حدودها، مراراً، خلال القرون الوسطى وحتى العصور الحديثة، وبالتالي فإن عينها كانت، باستمرار، على محيطها الحيوي الذي يمتد شرقاً عبر النمسا إلى البلقان وغرباً نحو بلجيكا والإلزاس واللورين التي نازعت عليها فرنسا، ولم يشغل الشرق ألمانيا أبعد من التحالف غير المقدس مع تركيا واليابان، في حين عني العلماء والمستشرقون الألمان بدرس حضارات الشرق بصورة مركزة طرحت آثاراً فكرية مهمة وقدمت معارف لا يمكن العبور عنها. *** كانت الرحلة العربية إلى أوروبا تعني، أساساً، الرحلة إلى باريس، وبدرجة أقل لندن، وهو ما يفسر ذلك الحضور الطاغي لهاتين العاصمتين في نصوص الرحلة المكتوبة بالعربية. والحال أن النخب العربية المثقفة وجدت نفسها منجرة الى التشاكل مع الثقافتين الفرنسية والإنكليزية، ولعبت البعثات العلمية التي قامت من مصر إلى أوروبا، بدءاً من النصف الأول من القرن التاسع عشر، دوراً مؤثراً في انتشار التعليم بهاتين اللغتين في الشرق، وفي ولادة نخبة ليبرالية عربية أخذت تتطلع إلى استلهام تجربة البرجوازية الغربية في تغيير وجه المجتمع، وقد اختلطت لديها خطتان: الإصلاح، والتحديث، ودار النقاش واحتدم من حول هاتين الخطتين بدءاً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بين طيف آخذ في التشكل من الأفكار والرجال والتجارب والمحاولات المنقسمة من حول تجربة مصر محمد علي، وتجربة الجمعيات العثمانية في دولة الخلافة، وجرى ذلك في محيط عربي شهد فورة البحث والسؤال من حول هوية العرب وحاضرهم ومستقبلهم. ولا ينبغي في هذا السياق التاريخي إغفال ما لعبه القناصل الأوروبيون في بلاد الشام خصوصاً من أدوار مؤثرة في الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي للولايات، بل وفي نقل جانب من هذا الصراع بين \"الدولة العلية\" والشرائح الاجتماعية المحلية المتطلعة إلى التغيير في بلاد الشام ومصر وحتى الحجاز ونجد، إلى صفوف النخب التركية نفسها المتطلعة، بدورها، إلى ركوب مركب تحديث الدولة، وتحديد صلاحيات السلطان، وخلق مناخ دستوري في مركز الخلافة. وقد سبق ذلك ما أصاب هيبة الدولة العثمانية من ضعف على أثر هزيمتها في حرب القرم أمام روسيا وتوقيعها مع الأخيرة على معاهدة سان استيفانو()، والتي جرى تفعيلها في مؤتمر برلين() وما رافق ذلك ولحقه من توترات ومؤامرات وقعت في مركز الخلافة بسبب تجريد تلك المعاهدة تركيا جزءاً كبيراً من أملاكها الأوروبية. *** على هذه الخلفية كان الهامش الذي تركته الدولتان الاستعماريتان الكبريان للألمان وإمبراطوريتهم المحاصرة في جغرافيتها مع نهاية القرن التاسع عشر، هو هامش التحالف مع الدولة التركية المنهكة من الحروب والصراعات الداخلية، ومع اليابان في جغرافيتها البعيدة عن التأثير في مركز النشاط الاستعماري، يومذاك، ومحاولات فاشلة هنا وهناك، تارة لمد خط حديدي في أرض السواد، وأخرى في البحث عن موطىء قدم في ثغر إفريقي. وعلى رغم احتفاظ تركيا بعلاقات طيبة مع ألمانيا، وهو ما سيؤهلهما للتحالف في ما بينهما خلال الحرب العالمية الأولى، فإن النخب المثقفة، ولأسباب جمة، لم تتطلع نحو هذه الجغرافية الأوروبية، فما خلا قلة من ضباط الحربية العثمانية العرب الذين درسوا في المدارس العسكرية الألمانية، فإن نفراً آخر قليلاً آثر نيل العلم في ألمانيا، أو حتى زيارتها()، في وقت كانت باريس بالنسبة إلى هذه النخب عاصمة النور المتألقة على الدوام. والغريب أن حركة الاستشراق العلمي والأدبي في ألمانيا التي أسلفنا الإشارة إليها كانت في ذروة نشاطها وعطائها، فأخرجت عدداً من ألمع المتضلعين بالثقافة العربية، من أمثال بروكلمان() الذي وضع تاريخ الأدب العربي، غيره عشرات من الباحثين في التراث العربي والشرقي الذين حققوا مخطوطات ومصنفات جغرافية وأدبية وشعرية وعلمية، وفي الطب والفلك والرياضيات، ووضعوا دراسات محكمة في الاركيولوجيا والإثنوغرافيا مسدين بذلك خدمات جليلة للثقافة العربية، وبرز هذا الجهد خالياً من الشوائب التي ميزت جهود كثرة من المستشرقين البريطانيين والفرنسيين الذين طالما جرحت أعمالهم غايات غير علمية. *** تقع يوميات العدل في طبعتها الحجرية، التي اعتمدنا عليها في إخراج هذه الطبعة، في حوالي 80 صفحة، وهي غير رحلته البرلينية المسماة \"رحلة حسن أفندي توفيق\" أو \"الرحلة البرلينية\"() وتكشف هذه اليوميات عن نزاع فكري ونفسي عاشه حسن توفيق العدل تجلى في ثنائية الصراع بين الأنا والآخر، بين تقدم الآخر وتخلف الأنا، وهي ثنائية حكمت جيل العدل بأسره والأجيال اللاحقة عليه إلى اليوم، وإذ تكشف انطباعاته ومقارناته عن إيمان بالعلم والتقدم والحرية، وعن تقدير للاختلاف الثقافي والحضاري بين الأمم والثقافات، فإنها لا تختلف عن غيرها من اليوميات العربية في أوروبا في همومها واهتمامات أصحابها، وتكاد شخصية الرحالة تشترك بصورة خاصة مع شخصية الطهطاوي الأزهري في أنها تعكس هموم شخصية أزهرية في تكوينها الأول بخلاف ما تعكسه يوميات جل رحالة القرن التاسع عشر العرب التي أثرت المكتبة العربية بانطباعات وأفكار وملاحظات لشرقيين ينتمون إلى النخبة الأرستقراطية القريبة من القصر، في رؤيتهم للحياة الأوروبية، وضمناً النموذج الألماني، وللشخصية الألمانية وما تتميز به من خصال، وقف الرحالة طويلاً عند اختلافها عن الشخصية العربية، وافتراق أحوالها عن أحوال الشرقيين. *** ولئلا أصادر على القاريء متعة استكشافه ما احتوت عليه هذه اليوميات من وصف ومعلومات وأخبار وانطباعات وطُرف ومقارنات وملاحظات تجمعت لدى الرحالة خلال سياحته، سأتجاوز التعليق على كثير مما أثارني في النص، لاسيما إشاراته الذكية المشعة هنا وهناك في متن الرحلة لألامس موقفه من المرأة الأخرى، الأوروبية لما في هذا الجانب من إضاءة على جانب من شخصية العدل وتفكيره. فهو محافظ في نظرته إلى المرأة، لكنه متزن رقيق، أنيس في صحبتها كرفيقة رحلة أو دعوة على غداء، من دون أن يترك لنفسه العنان للإفصاح عن مكنونها نحو الجنس الآخر. فالعلم ومجد العلم هما ما يسرق فكره ونفسه، بحيث لم يبق هذا الشاب المتطلع إلى تحصيل العلم، وبثه في طلبته من غير العرب مساحة لذاته، فظلت هذه الذات محتجبة في انقطاعها إلى العلم، وأسيرة قيمها التقليدية. وفي مكان ما من أوراقه الشعرية دوَّن أبياتاً تكشف عن انحيازه الكلي للعلم، وفيها تصريح مباشر يعلل فيه عزوفه عن الاتصال العاطفي بالمرأة، وهو مايزال في شرخ الشباب: وأنا امرؤ لا يستميل بي الهوى لذوي القدود ولا ذوات المحجل أُمسي وأُصبح في العلوم، ولم أقل يا أيها الليل الطويل ألا انجلي لكن هذا التصريح لا يفلح في إخفاء كل ما يعتمل في النفس، وها هو الشاب في سنواته التي لم تزد على خمس وعشرين سنة يصف الفتيات الجميلات اللواتي رافقنه في سياحته في قارب وقطار ومشياً على الاقدام في الطبيعة الخلابة، فيأسره جمالهن ويفاعتهن فتكاد نفسه تجيش بعاطفتها وتنطلق من أسر قيم رآها على حد من التناقض مع أهواء النفس: \"ولولا المجد والفضائل لأصبح مثلي أسير تلك الحبائل\". ولعل التربية الشرقية المحافظة التي نشأ عليها العدل في بيت يقيم للعلم والأدب المحل الأرفع كانت وراء كلِّ ذلك الانضباط الصارم الذي ألزم به نفسه بإزاء المرأة، حتى إذا خالجه شعور ونمَّ عنه أخذ يواري ويعلل الأشياء في غير عللها: \"فوقع عندي ذلك موقعا لا تظنوه موقع استحسان بل موقع طرب لا لجمالها بل لفضلها وعلمها\". وعندما تسأله فتاة شاركته مائدة الطعام في مطعم باذخ الجمال في قلب الطبيعة، وبادلها الحديث عما في خاطره عن المرأة، وكيف لا يتطلع إليها تطلع عاشق وهو القادم من ثقافة لم تغفل أدبياتها ما للمرأة من حضور في نفس الرجل، إذ ذاك نرى ذاته الحضارية تتقدم وتتسابق مع ذاته المفردة لتقول كلاماً فصيحاً، إنما ينم عن اضطراب عميق: \"فقلت لها وكنت بها ولهاً: أما الهوى فنحن أهلوه، والهيام نحن بنوه، ونرى خمر الغرام حلالا، وأما الصهباء فلا لا، وما كان من أحاديث السالفين فما هي إلا أساطير الأولين تتلى لنفي الأتراح وانتعاش الأراوح\". وكأني به يتحصن بالبلاغة اللغوية ليدفع عن شخصيته الحضارية ما ألحق بها المستشرقون الغربيون من صور وسرود لم تر في الشرق والشرقيين إلا تلك الصور الأيروسية المتجلية في قصص ألف ليلة وليلة. لكن العدل لا يفلح، هنا، في إقناع قارئه بما حاول ستره من انفعالات الشعور المربك بإزاء الجمال الغربي الجريء. لقد بالغ العدل في تقيُّده بما أوصاه به وكيل نظارة المعارف يعقوب أرتين باشا عشية سفره من أن \"يكون ما يستفيده منهم أكثر مما يفيده لهم\". *** لعل من المفيد، هنا، مع هذا الكتاب النادر في وصف الآخر، الإشارة إلى أنني خلال محاضرة لي في معرض فرنكفورت للكتاب سنة 2004 حول \"الرحالة العرب إلى أوروبا في القرن التاسع عشر وسؤال الحداثة\" حضرها لفيف ألماني أوروبي، تطرقت إلى تجربة العدل بين أمثلة أخرى ضربتها على موضوعات وصف الآخر الغربي في المحاضرة، وقد أثارتني أسئلة الحضور وطبيعة انتباهاتهم في ما يتصل برؤية العربي للآخر الأوروبي. والواقع أنه باستثناء نصوص قليلة، بل ونادرة من أدب الرحلة العربي نشرت في اللغات الأوروبية وسلط عليها الضوء، يمكن القول إن نظرة العربي إلى الآخر، وإلى ذاته من خلال الآخر هي \"النظرة الغائبة\". نحن نعرف أن التاريخ هو روايات مسرودة، ومن يصف ويسرد رواية عن ذاته أو عن الآخر يتحقق في التاريخ، بهذا المعنى يتحول السرد إلى وثيقة. وبالتالي فإن الرواية الغائبة تخلي مكانها لصمت التاريخ. لقد تمكن الغرب من الهيمنة على الشرق ليس فقط بالأدوات العسكرية والاقتصادية، وإنما من خلال الصور التي ابتكرها ولفّقها له، ومن ثم أمكنه الترويج لها في عالمه بمنتهى الاقتدار. وما يبدو لي مفزعاً، اليوم أكثر من أي يوم مضى، أن عدم استحضار السرود الشرقية عن الآخر الغربي من عتمة الإهمال والنسيان لتكون دليلاً ووثائق على وجود محاولات شرقية فعالة للاتصال الحضاري بالغرب، إنما تساوي في قيمتها السلبية طغيان حضور ورواج الرواية الغربية عن الشرق والشرقيين والعرب والمسلمين التي أنتجتها كتابات الرحالة والمستشرقين الغربيين على مدار ثلاثة قرون من \"المغامرات\" في الشرق. ولا يفسر هذا الغياب لتلك النظرة الشرقية كسل الشرقيين وحدهم، وإنما يبدو لي كذلك أن المسعى الأوروبي للوقوف على نظرة الآخر العربي والشرقي تبدو ضعيفة. ويبدو لي من خلال احتكاكي المتواصل بالأوروبيين أنهم مازالوا غير مكترثين بالمسؤولية الأخلاقية لمعرفة تطور نظرة العربي إلى الآخر الغربي. وإلا بم يمكن تفسير الفقر المدقع لحقل دراسات الآخر في الغرب من نصوص الرحلة العربية إلى أوروبا في القرون الثلاثة الأخيرة على الأقل، على خطورتها كوثائق؟ لا أقصد بملاحظتي هذه أن أبرىء العرب من التقصير المزري بحق ثقافتهم، على هذا المفصل من عمل الفكر وعمل الثقافة، والبديل من الكسل الفكري هو بذل مجهودات حقيقية لإحياء الاهتمام بالأدب الجغرافي وبنصوص أدب الرحلة العربية إلى العالم من خلال تحقيق المخطوطات المجهولة ووضع الأبحاث والدراسات حول الصلات والعلاقات بين الشرق والغرب، وتنشيط أعمال البحث والتأليف في هذا الحقل الذي يزداد الاهتمام به يوماً بعد يوم في العالم أجمع. أخيراً، أشير إلى أن هذه الرحلة، وقد كتبت بلغة سلسة بعيداً عن التقعر الذي طبع جزءاً غير قليل من النتاج الأدبي للنصف الثاني من القرن التاسع عشر، إنما حفلت بوصف الطبيعة ومناظرها البديعة الرائقة، وحركة الناس في المدن والأرياف، وانفعالات النفس بإزاء ما ترى من مشاهد، ولم تخل من شاعرية في الوصف إلى استشهاد بأبيات من التراث الشعري العربي، واعتماد على كتب التاريخ الألماني في رسم صور حيّة للأمكنة المطروقة واستعادة الوقائع والأزمنة، والأعلام الذين ارتبطوا بهذه الأمكنة وأثروا في تاريخها القريب والبعيد. نوري الجرّاح لندن - أواخر آذار/ مارس 2005
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|