مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

خطرة الطيف في بلاد المغرب والأندلس

تأليف : أحمد مختار العبادي
الولادة : 1922 هجرية
الوفاة : 2016 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)




() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
للسان الدين بن الخطيب \r\nتحقيق وتقديم: أحمد مختار العبادي\r\n\r\n يرجع اهتمامي بالمؤرخ الوزير الغرناطي لسان الدين بن الخطيب إلى سنة 1952م عندما كنت أعد رسالة الدكتوراه في جامع مدريد بإسبانيا وموضوعها:
مملكة غرناطة في عهد السلطان محمد بن يوسف بن نصر (محمد الخامس الغني بالله) (القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي)
وكان من الطبيعي أن أهتم بشخصية لسان الدين بن الخطيب لأنه كان وزيراً لهذا السلطان محمد الخامس، بل كان وزيراً قبل ذلك لأبيه أبي الحجاج يوسف الأول.
ومن ثمّ عكفت في بادئ الأمر على نشر وتحقيق رسائله التي بين أيدينا والتي تعبر عن مشاهداته أثناء رحلاته التي قام بها في بلاد المغرب والأندلس في عهد هذين العاهلين من ملوك بني نصر أو بني الأحمر.
ثم واصلت بعد ذلك نشر وتحقيق بعض أعمال ابن الخطيب الأخرى مثل:
1- كتاب أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام (القسم الثالث الخاص بتاريخ المغرب الكبير وصقلية). وذلك بالاشتراك مع المرحوم محمد إبراهيم الكتاني.
(دار الكتاب، الدار البيضاء سنة 1964م)
2- كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب (الجزء الثاني) في طبعتين!
(دار الكتاب العربي بالقاهرة، دار النشر المغربية بالدار البيضاء)
هذا إلى جانب بعض المقالات التي تناولت فيها جوانب هامة من شخصية ابن الخطيب مثل:
(1) لسان الدين بن الخطيب ونزعاته الاقتصادية (مجلة لسان الدين الجزء التاسع والعاشر، سبتمبر - أكتوبر، تطوان سنة 1954)
(2) سياسة ابن الخطيب المغربية، مجلة البينة - الرباط - 1962
(3) لسان الدين بن الخطيب وكتاباته التاريخية (عالم الفكر، المجلد السادس عشر، العدد الثاني سنة 1985).
ولما كانت الطبعة الأولى لهذا الكتاب \"مشاهدات لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب والأندلس\" التي أصدرتها جامعة الإسكندرية في سنة 1958م، قد نفدت منذ مدة طويلة، فقد رحبتُ شاكرا يعرض الأستاذ الفاضل نوري الجرّاح (مدير التحرير في مشروع ارتياد الآفاق) لإعادة نشر هذا الكتاب بعد تنقيح النسخة المطبوعة.
أسأل الله تعالى أن يتقبل هذا خالصاً لوجه الكريم؟


المحقق
أ.د. أحمد مختار العبادي
الإسكندرية مايو / أيار 2002


مقدمة الطبعة الأولى
لسان الدين بن الخطيب (713- 776هـ، 1313- 1374م) وزير ملوك بنى الأحمر بغرناطة، شخصية من أصحاب الثقافة الموسوعيّة المعروفة في ميادين العلم والسياسة. كتب حوله بحوث عديدة، كشفت النقاب عن بعض مواهب هذا العبقري الداهنة. وقد سبق لي أن أسهمت في هذا المضمار بمجهود متواضع ، وها أنذا أعاود الكرّة مرّة أخرى محاولاً تناول هذه الشخصية العظيمة من زاوية أخرى، وهي دراسته كرحّالة عظيم، وذلك على ضوء ما قدّمه لنا من أوصاف دقيقة، ومشاهدات صادقة، للبلاد الأندلسيّة والمغربيّة التي زارها بنفسه.
والواقع أن الظروف العلميّة والسياسيّة التي تقلّب فيها ابن الخطيب، أتاحت له الفرصة في الطواف بأنحاء مملكة غرناطة وبلاد المغرب الأقصى.
فمن المعروف أنه في أثناء صباه تلقَّى العلم على شيوخ تلك البلاد، وإن كانت هذه الفترة الأولى من حياته يكتنفها الغموض من حيث حركاته وسكناته. غير أن المصادر المعاصرة تشير إلى أسماء شيوخ له من كاّفة أنحاء المغرب والأندلس، فليس بمستبعد أن يكون ابن الخطيب قد زار هذه البلاد في شبابه سعياً وراء العلم والاتصال بعلماء عصره كما كان يفعل مواطنوه. وكيفما كان الأمر، فالذي يعنينا هنا، أن ابن الخطيب حينما تولّى الوزارة، رافق سلطانه أبا الحجاج يوسف الأول في رحلته التفتيشية بمقاطعات غرناطة الشرقية عام 748هـ، كذلك زار ابن الخطيب بلاد المغرب الأقصى كسفير لسلطان غرناطة في عامي 749 و755هـ ثم التجأ إليها مرّة ثالثة عند ما نفي مع سلطانه المخلوع محمد بن يوسف بن نصر، الغني بالله، عام 760هـ. ولقد استمرّت مدّة النفي ما يقرب من الثلاث سنوات عاد بعدها ابن الخطيب مع سلطانه إلى مقر حكمه مرّة أخرى.
على أن المهم هنا، هو أن ابن الخطيب طوال مدّة النفي هذه، لم يقبع في مدينة فاس عاصمة بني مرين كما فعل سلطانه وبقيّة الحاشية واللاجئون السياسيون، بل عكف على زيارة البلاد المغربية لمشاهدة آثارها ولقاء العلماء والصالحين فيها ولقد سجّل ابن الخطيب كل ما رأته عيناه، وسمعته أذناه في جميع هذه الرحلات، فأعطانا بذلك مادّة خصبة يرجع إليها الفضل الأول في كل ما نعرفه عن حضارة الغرب الإسلامي في تلك الفترة.
ومشاهدات ابن الخطيب التي دوّنها، نشر بعضها نشراً جزئياً غير كامل بوساطة بعض المستشرقين، أما البعض الآخر فلم يُنشر بعد وهو الذي يعنينا أمره في هذا الكلام. ولكن نظراً لأن المنشور من هذه الرسائل متفرِّق في أماكن متعدّدة كما أنه ليس في متناول يد القرّاء والباحثين لندرته وقدمه، فقد آثرت لتعميم الفائدة وتوحيد الفكرة، إضافته إلى الرسائل الأخرى غير المنشورة، مع إبداء الملاحظات والتعليقات والشروح اللازمة، على ضوء ما استجدَّ من أبحاث في الفترة الطويلة التي تلت هذا النشر والتي تُقدَّر بنحو قرن من الزمان.
ولدينا الآن أربع رسائل كتبها ابن الخطيب في هذا المضمار، وهي:
1- خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف.
2- مفاخرات مالقه وسلا.
3- معيار الاختبار في ذكر المعاهد والديار.
4- رحلته التي دوَّنها في كتابه نفاضة الجراب في علالة الاغتراب.
وقد راعيت في ترتيب هذه الرحلات، التسلسل التاريخي والزمني لها بقدر الإمكان.
أما بخصوص الرسالة الأولى وهي المقامة المسمّاة (خطرة الطيف في رحلة الشتاء والصيف) فقد أورد خطأ كل من الغزيري وبروكلمان ودرنبورج، أن هذه الرحلة كانت في بلاد المغرب، غير أنه واضح من نص الرسالة أنها كانت رحلة رسميّة قام بها سلطان غرناطة، أمير المسلمين أبو الحجّاج يوسف بن نصر (733 - 755هـ، 1333 - 1354م) ومعه وزيره ابن الخطيب لتفقُّد أحوال الثغور الشرقية لمملكة غرناطه.
ولقد نشر هذه الرحلة المستشرق الألماني ماركوس جوزيف مولر في كتابه المعروف باسم نخب من تاريخ المغرب العربي .
غير أن مولر اعتمد فقط في هذا النشر على النسخة التي وردت ضمن كتاب (ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب) لابن الخطيب، ولكننا عثرنا على نسخة أخرى لهذه الرحلة في المخطوط رقم 470 بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا. وهذا المخطوط عبارة عن مجموعة من الرسائل المختلفة لعدّة مؤلفين من بينها هذه الرحلة التي تقع في تسع عشرة ورقة من الحجم المتوسط (رقم 51 إلى 69) وكل ورقة تحتوي على خمسة عشر سطراً، وهي مكتوبة بالخط المغربي. ونظراً لوجود بعض الاختلافات بين النسختين، آثرنا نشرها من جديد وذلك بعد المقابلة بين النصّين والتنبيه إلى الفروق بينهما معتمدين في ذلك على نسخة المخطوط رقم 470 كأصل نظراً لأن تاريخها يبدو أقدم من الأخرى وعباراتها أصح وفقراتها أكثر، وإن كان المَقَّري للأسف، لم يشر إليها إطلاقاً بينما أشار إلى نسخة الريحانة في كتابه نفح الطيب
وقد رمزنا لهذه النسخة الأصلية بالحرف (أ) ولنسخة الريحانة بالحرف (ب).
ونص الرحلة يشير إلى خروج الركب السلطاني من العاصمة غرناطة في يوم الأحد 17 محرم عام 748هـ (1347م) تتقدمه الألوية والبنود الحمراء شعار دولة بنى الأحمر. ويصل الركب إلى مدينة وادي آش أو وادي إيش Guadix في شمال شرق غرناطه، وهناك يستقبلهم الأهالي استقبالاً رائعاً بملابسهم البيضاء وهو الزيّ التقليدي لأهل الأندلس عموماً منذ أيام الأمويين.
ثم تواصل الرحلة سيرها شرقاً مارّة ببعض المدن والحصون الهامة مثل بسطه Baza وبرشانه Purchena ويشير ابن الخطيب إلى أن هذه البلاد الشرقية كانت تعاني قحطاً شديداً نتيجة لغارات الأعداء وسيول الأمطار التي اجتاحت أراضيها. وقد صور ابن الخطيب هذه الحالة في إطار مستملح طريف، ومثال ذلك وصفه للدجاجة التي أهداها لهم قاضي إحدى هذه المدن فيقول: (.. وتقدّم بها أعوانه يزفُّونها كالعروس فوق الرؤوس... قلت يا قوم، ظفرتم بقرّة العين، فقد ذبح لكم غراب البين..).
ثم يواصل الركب السلطاني سيره إلى أن يبلغ أقصى الحدود الشرقيّة وهي مدينة بيره Vera، (الثغر الأقصى، ومحل الرباط الذي أجر ساكنه لا يحصى). وقد أشار ابن الخطيب إلى قلق سكان هذا الثغر، وترقبهم لغارات الأعداء المفاجئة، كما أشار إلى صعوبة موقع المدينة ووعورة مسالكها وطرقها لدرجة أنهم اضطروا إلى اتخاذ دليل ماهر ليقودهم وسط الجبال والوهاد إلى الطريق الصحيح.
ثم يعود المرتحلون أدراجهم عن طريق آخر مارّين بثغر المرية Almeria وهنا يشير ابن الخطيب إلى استقبال رجال البحرية للسلطان بملابسهم الجميلة وأبواقهم وطبولهم، وإلى استعراض قطع الأسطول الغرناطي في الميناء.
كذلك يشير إلى استقبال رجال الجيش وكيف كانوا يحملون على أعناقهم قسي الفرنج. وفي هذه العبارة الأخيرة دليل واضح على مدى تأثّر مملكة غرناطة بالنظم الحربيّة للبلاد المسيحية المجاورة مثل قشتاله وأراجون.
هذا ومن المعروف أن مملكة غرناطه كانت تستورد أسلحة من فرنسا ولا سيّما من مدينة بوردو (برذيل) لاستخدامها إلى جانب أسلحتها الخاصّة التي كانت تصنعها في مدينة المريه بالذَّات.
كذلك يشير ابن الخطيب إلى الجالية المسيحية المقيمة بثغر المريه، وكان أفرادها يشتغلون بالتجارة والاستيراد والتصدير بطبيعة الحال، ومن كلامه نلاحظ أنهم ساهموا في الترحيب بالسلطان بأن نشروا فوقه مظلّة كبيرة من الحرير لتحجب عنه أشعة الشمس.
ثم يتكلّم ابن الخطيب عن صعود السلطان إلى قلعة المدينة لتفقد حصونها الدفاعية، ومشاهدة آثار الأولين الذين ساهموا في تأسيسها ولا سيَّما خيران العامري الصقلبي والمعتصم بن صمادح وهما من ملوك الطوائف الذين حكموا هذه المنطقة في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) .
ثم بعد ذلك يغادر السلطان وصحبه مدينة المريه مارّين ببعض المدن الهامّة مثل بجانه Pechina ومرشانه Marchena وفنيانه Finana وينتهي بهم المطاف مرّة أخرى إلى مدينة وادي آش ومنها إلى العاصمة غرناطه، مقر الحكم والسلطان.
وينبغي أن نشير في هذا الصدد إلى عبارات أوردها ابن الخطيب في سياق النص تشير كلّها إلى خروج النساء في جماعات كبيرة واختلاطهن بالرجال للمشاركة في استقبال السلطان، فمن ذلك مثلاً قوله: (.. واختلط النساء بالرجال، والتقى أرباب الحجا بربّات الحجال، فلم تفرّق بين السلاح والعيون الملاح، ولا بين حمر البنود وحمر الخدود).
ويبدو من هذا النص وأمثاله، أن نساء غرناطه كنَّ أكثر تحرراً من نساء العالم الإسلامي في ذلك الوقت. ولعلَّ هذا ناتج من تأثير الجوار بالبلاد المسيحية المحيطة بهذه المملكة الصغيرة من كل جانب. وهناك شواهد أخرى كثيرة تؤيد هذا الكلام إلا أنها مع الأسف الشديد وردت فقط في المصادر المسيحيّة وحدها . وهذا يجعلنا رغم قلَّة المصادر العربية، لا نستطيع إبداء حكم صريح في هذا الموضوع.
والرسالة الثانية التي ألّفها ابن الخطيب في هذا الموضوع أيضاً، رسالته المعروفة باسم (مفاخرات مالقه وسلا) وهي كما يتضح من العنوان، مفاضلة بين المدينة الأندلسية وأختها المغربية في مختلف النواحي الاقتصادية والجغرافية والاجتماعية... الخ.
ومن العجيب أننا نلاحظ أن ابن الخطيب رغم حبّه لبلاد المغرب ولمدينة سلا بالذات التي لجأ إليها في أوقات محنته، إلا أن شعوره الوطني جعله يتغاضى عن كل هذه الاعتبارات ويتحيَّز إلى المدينة الغرناطية مالقه، فيجعلها المفضَّلة على طول الخط. وقد يرجع هذا الشعور إلى روح المنافسة التقليدية القديمة التي كانت سائدة بين الأندلسيين والمغاربة والتي تظهر أيضاً بوضوح في رسالة الشقندي قبل قرن من الزمان .
نشر رسالة ابن الخطيب العالم الألماني مولر السالف الذكر في نفس كتابه المذكور . ثم جاء المستشرق الهولندي دوزي Dozy، فاختصر هذه الرسالة في المجلة الألمانية ZDMG (XXp.616) كما استغل ألفاظها في معجمه المعروف Supplement aux Dictionnaires Arabes وجاء المستشرق الإسباني سيمونيت Simonet فاستعان بهذه الرسالة أيضاً في مقالاته التي كتبها تحت عنوان Malga Sarracenica (أو مالقه العربية) التي نشرها في المجلة الغرناطية La Estrella de Occidente (نجمة الغرب) في أغسطس 1880. ولقد استفاد من هذه الأبحاث المؤرخ المالقي Robles Guillen جلين روبلس، عندما كتب كتابه المعروف بمالقه المسلمة Malaga Musulmana .
وأخيراً جاء أستاذنا العالم الإسباني المعروف غرسيه غومز E. Garcia Gomez فترجم رسالة ابن الخطيب إلى اللغة الإسبانية وعلّق عليها بمعلومات قيّمة أفدت منها في معظم ما أوردته من حواشي وتعليقات على هذه الرسالة.
أما الرسالة الثالثة التي كتبها ابن الخطيب عن مشاهداته، فهي مقاماته المعروفة باسم (معيار الاختبار في ذكر أحوال المعاهد والديار). وهي عبارة عن وصف لأهم مدن المغرب الأقصى، مع وصف 34 مدينة من مملكة غرناطه، ويتخلل هذا وذاك ذكر محاسن وعيوب كل مدينة.
وقد نشر الجزء الخاص ببلاد غرناطه، المستشرق الإسباني فرنسسكو سيمونيت F Simonet في آخر كتابه المعروف باسم de Granade, (Madrid 1860) Descripcion del Reino أي وصف مملكة غرناطه، أما الجزء الخاص بمدن المغرب فقد نشره جوزيف مولر في كتابه السابق الذكر، مع إضافة تصويبات لأخطاء وقع فيها سيمونيت في الجزء الذي نشره . هذا ولم يحدّد كل من الناشرين تاريخ تأليف هذا الكتاب، بينما يروي ابن الخطيب في كتاب آخر له، أن تدوين معيار الاختبار كان في أثناء المدّة التي قضاها في المنفى بمدينة سلا (760 - 763هـ) .
الرحلة الأخيرة التي سجّلها ابن الخطيب لم تنشر بعد، وكانت في ربوع المغرب الأقصى في عهد دولة بني مرين. وذلك، كما أشرنا من قبل، عندما عزل سلطان غرناطه محمد الغني بالله بواسطة أخيه إسماعيل في عام 760هـ، واضطر إلى الفرار إلى المغرب صحبة وزيره ابن الخطيب وبعض أفراد حاشيته ومماليكه. وقد دوّن ابن الخطيب هذه الرحلة في كتابه المعروف باسم:

(نفاضة الجراب في علالة الاغتراب)

هذا الكتاب يعتبر من مؤلفات ابن الخطيب الجليلة، وقد نصَّ على ذلك هو نفسه في متن هذا الكتاب ، وفي بعض مؤلفاته الأخرى ، كما أشار بذلك أيضاً بعض المؤرخين القدامى والمحدثين ممن سيأتي ذكرهم فيما بعد إن شاء الله. على أن ابن الخطيب لم يحدّد التاريخ الذي دوَّن فيه كتابه هذا، وقد ورد في كتاب الإحاطة للمؤلف نفسه، عبارة (في آخر لوحة 500) لا أشكُّ أنها من وضع الناسخ، يقول فيها: (… من كتاب نفاضة الجراب لابن الخطيب المذكور رحمه الله، الذي ألَّفه بالعدوة (أي عدوة المغرب) بعد صرفه عن الأندلس واستقراره بالعدوة بآخرة من عمره وقرب وفاته، ولذلك سمَّاه نفاضة الجراب). وواضح من هذه العبارة أن ناسخ الإحاطة يريد أن يقول إن تأليف نفاضة الجراب حدث ببلاد المغرب في الفترة التي بين 773 - 776هـ وهي الفترة الأخيرة من حياة ابن الخطيب التي انتهت بمقتله هناك. غير أن شواهد الأمور تدل دلالة قاطعة على أن تأليف هذا الكتاب كان في فترة أخرى متقدمة قضاها ابن الخطيب بالمغرب أيضاً حينما نُفي مع سلطانه المخلوع محمد الغني بالله، وهي الفترة التي بين 760 إلى 763هـ. والأدلة على ذلك كثيرة نكتفي منها بالآتي:
(أولاً) جميع حوادث هذا الكتاب سواء أكانت تاريخيّة أو أدبيّة أو اجتماعيّة لا تتعدَّى نطاق بلاد المغرب في هذه المدّة بالذَّات، أو بعبارة أخرى، هذا الكتاب يعدُّ بمثابة مذكّرات شخصيَّة للمؤلّف عن المدة التي قضاها منفيّاً بدولة بني مرين قبل عودته ثانية إلى غرناطه لتسلّم مهام منصبه من جديد.
(ثانيا) ابن الخطيب في كتابه المعروف باسم (اللمحة البدرية في الدولة النصرية) يشير إلى أنه بدأ تدوين هذا الكتاب في منفاه بالمغرب وانتهى منه في أول عام 765هـ، ثم ينصح القارئ بالرجوع إلى كتابه (نفاضة الجراب) للاستزادة من التفاصيل والأخبار وهذا يدل على أن تأليف النفاضه كان قبل عام 765هـ أي خلال الفترة التي أشرنا إليها آنفاً.
هذا عن تاريخ تأليف الكتاب أما عن عدد أجزائه، فابن الخطيب يشير في آخر النسخة التي لدينا، أن الكتاب يقع في ثلاثة أسفار ولكنه يعود فيناقض نفسه في كتاب الإحاطة فيقول: (ونفاضة الجراب في أربعة أسفار جليلة) ولقد أيَّد هذا العدد الأخير من جاء بعده من المؤرخين سواء أكانوا قدامى أو محدثين نذكر منهم المقَّري في كتابيه نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب ، وأزهار الرياض في أخبار عياض ، كذلك نذكر المستشرق الهولندي دوزي في كتابه عن بنى عباد ملوك إشبيلية وكذلك العالم الإسباني بونس بويجس Pons Boigues في المعجم الذي أفرده للمؤرخين والجغرافيين العرب في إسبانيا .
وكيفما كان الأمر في عدد أجزاء هذا الكتاب، فالمهم هنا أن ما وصلنا منه هو جزء واحد فقط وهو الجزء الثاني باعتراف المؤلّف نفسه في آخر كتابه إذ يقول: (انتهى، ويليه الجزء الثالث).
والجزء الذي وصلنا نسخة وحيدة بمكتبة الاسكوريال تحت رقم 1755 وتقع في 159 ورقة من الحجم الكبير، كل ورقة تحتوي على تسعة عشر سطراً مكتوبة بخط مغربي لا يقرأ بسهولة.
وكان الراهب اللبناني الغزيري قد سبق أن أشار في فهرسه المكتوب باللاتينية عن الكتب العربية بالاسكوريال، إلى وجود الجزء الثالث من نفاضة الجراب تحت رقم 1811 .
ولقد تبعه في هذا الرأي العالم الإسباني بونس بويجس والمستشرق الألماني بروكلمان ثم جاء المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال في الجزء الخاص الذي أفرده لكتب التاريخ فقط بالاسكوريال مكملاً في ذلك فهرسة درنبرج Derenbourg فقال: إن نسخة نفاضة الجراب التي تحمل رقم 1811 غير موجودة إطلاقاً، وإن النسخة الموجودة من هذا الكتاب هي التي تحمل رقم 1755 فقط. ثم جاء الراهب الإسباني ملتشور انطونيا Melchor Antuna الذي كان مديراً لمكتبة الاسكوريال ثم قتله الشيوعيون في الحرب الأهلية الإسبانية منذ عشرين سنة، فاستبعد فكرة الغزيري بخصوص الجزء الثالث وقال بأنه من المحتمل جدّاً أن يكون هذا الجزء نسخة مكرّرة للجزء الثاني الموجود حالياً بالمكتبة، خصوصاً وأن وصف الغزيري للنسختين كان واحداً تقريباً .
ثم يأتي المدير الحالي لمكتبة الاسكوريال وهو الأب موراتا P.N. Murata فيتكلَّم عن هذه النسخة المفقودة التي تحمل رقم 1811، وينفي وجودها نفياً باتاً ويقول إن هذا الرقم لم يوجد بمكتبة الاسكوريال في يوم من الأيام بناء على الجرد الشامل الذي قام به لمختلف السجلات والمخطوطات .
وأخيراً وليس آخِراً نذهب إلى دائرة المعارف الإسلامية، فنجد أنها لم تشر إلى كتاب نفاضة الجراب إطلاقاً وذلك في المقال الذي أفرده المستشرق زيبولد Seybold عن ابن الخطيب .
ويبدو أن اختفاء هذا الكتاب قد حدث في الفترة التي تلت وفاة ابن الخطيب مباشرة. ولعلّ النكبة التي حلَّت بهذا المؤرخ الكبير، لم تكتفِ بقتله ومصادرة أملاكه، بل امتدَّت أيضاً إلى مؤلَّفاته ممّا دعا بعض الناس إلى إخفائها. ويدلُنا على ذلك ما رواه أحد المؤرخين المعاصرين لابن الخطيب وهو الأمير العلامة أبو الوليد إسماعيل بن يوسف النصري المعروف بابن الأحمر يقول:
(ونفاضة الجراب في أربعة اسفار، وهو من أحسن تآليفه، ولم أزل أكثر البحث في هذا التاريخ عنها فلم أقف على عين ولا أثر إلا عدّة أوراق متفرّقة. وقد كنت قبل هذا التاريخ رأيت بعضها .
وكيفما كان الأمر فالذي ألاحظه جيداً أن المؤرخين المتأخرين أمثال المقَّري وابن القاضي والسلاوي قد استفادوا من هذا الكتاب ونقلوا منه بعض أجزائه مع الإشارة إلى ذلك صراحة. وبمقابلة هذه الأجزاء المنقولة على نسخة نفاضة الجراب التي لدينا، لاحظنا أن جزءاً كبيراً منها منقول منها حرفيّاً ، أما الجزء الآخر فغير موجود أصلاً مما يدل على أن هذا النقل قد جاء من بعض أجزاء الكتاب الأخرى التي تعدُّ الآن في حكم المفقودة .
هذا ونلاحظ كذلك أن معظم ما نقله المؤرِّخون المتأخرون من نفاضة الجراب التي لدينا كان مقصوراً على بعض القصائد الشعرية والرسائل الأدبيّة. أما النصوص التاريخية فلا زالت جديدة وفي حاجة إلى نشر ودراسة ومن ضمن هذه النصوص التاريخية القيّمة، وصف الرحلة التي قام بها المؤلِّف في بعض نواحي المغرب الأقصى خلال فترة منفاه كما سبق أن أشرنا.
وإني أقتصر الآن على نشر هذا النص فقط حرصاً على وحدة الموضوع، راجياً أن أتمكن في المستقبل من نشر بقيَّة النصوص على شكل دراسات تاريخية مستقلة، إن شاء الله.
أما بخصوص هذه الرحلة، فتجدر الإشارة هنا إلى أن ابن الخطيب كان يعتبر الكتاب كلّه رحلة بل إنه كان يسميه في بعض الأحيان كتاب الرحلة والواقع أن إطلاق كلمة رحلة على جميع أجزاء الكتاب فيه شيء من المبالغة والتعميم لأن الكتاب، كما هو واضح من عنوانه (نفاضة الجراب)، عبارة عن خليط عجيب من النثر والشعر والتاريخ. أما وصف الرحلة في حدِّ ذاته فيقع في الواحد وعشرين ورقة الأولى من هذا المخطوط.
ويُلاحظ من بداية هذا الوصف أن الرحلة ناقصة غير كاملة. إذ إنه يبدأ، وبدون مقدّمات، بالصعود إلى جبل هنتاته، وهو جبل ناء بمنطقة جبال أطلس. فلا شكّ أن بداية هذه الرحلة تقع في الجزء الأوّل المفقود من هذا الكتاب.
ومهما يكن من شيء، فالنص الذي لدينا يبدأ كما قلنا بصعود ابن الخطيب إلى جبل هنتاته نسبة إلى قبيلة هنتاته (بكسر الهاء أو فتحها) التي كانت تسكنه، وهي فرع من قبائل مصموده الضاربة في غرب إقليم أطلس .
وفي هذا الجبل يصف ابن الخطيب المكان الذي تُوفي فيه السلطان المريني أبو الحسن علي، بعد أن ثار عليه ابنه أبو عنان فارس. كذلك يصف معيشة شيوخ قبيلة هنتاته وأنواع المآكل والمشارب التي قدَّموها له، وهو وصفٌ على جانب كبير من الأهمية.
ويواصل ابن الخطيب رحلته إلى مدينة أغمات، وهنا يتكلَّم عن محاسن هذه المدينة وسذاجةِ أهلها وعن شخصياتها وآثارها. ومن بين ما ذكره عن مسجدها ومئذنته المخروطية الشكل وهو نصٌ عظيمُ الأهميةِ من الناحية المعمارية الأثرية. وقد زار ابن الخطيب في هذه المدينة قبر الملك الشاعر المعتمد بن عباد ملك إشبيلية وأحد ملوك الطوائف الذي نفاه المرابطون إلى هذا المكان بعد أن استولوا على الأندلس في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي). وقد مدحه الخطيب بقصيدة جميلة نشرها وترجمها المؤرخ الهولندي المعروف دوزي ضمن النصوص التي قدَّمها عن أسرة بني عباد .
بعد ذلك يعود ابن الخطيب إلى مدينة سلا مارّاً في طريقه بمدن مختلفة مثل دكاله وأزمور وآسفي ومراكش. فأخذ يصف هذه المدن وما فيها من مساجد ومدارس ومكتبات وجبّانات، كما أشار إلى من اتصل به من علمائها وشيوخها. وأخيراً ينتهي به المطاف إلى مدينة سلا Sale على ساحل المحيط الأطلنطي بأقصى المغرب. وهناك استقرَّ ابن الخطيب في ضاحيتها المعروفة باسم شاله Chella حيث الجبَّانة الملكية لبني مرين .
يقول المقَّري في هذا الصدد: (وفي شاله سلا رابط ابن الخطيب بجوار أضرحة ملوك بنى مرين سائلاً لهم من المولى عزَّ وجلَّ الرحمة والغفران) .
ولقد عاد عليه هذا العمل بخير جسيم، إذ تفضَّل السلطان المريني أبو سالم فأمر بأن يصرف له من مجبي مدينة سلا مرتَّب شهري له ولولده مبلغ خمسمائة دينار، وأن يُعفى من كل مغرم أو ضريبة، وأن يرفع الاعتراض فيما يجلب له من الأدم والأقوات على اختلافها من حيوان وسواه فيما يستفيد خدامه من عنب وقطن وفاكهة وخضر...الخ .
وهكذا تنتهي رحلة ابن الخطيب، ونلاحظ أن أسلوبه الكتابي فيها، وفي كتاب نفاضة الجراب بصفة عامّة، يختلف عن أسلوب رحلاته الأخرى، بمعنى أنه لم يتّخذ طابع فن المقامات المعروف بالسجع والتقفية، بل كان كلاماً مُرسلاً جزلاً في غالب الأحيان غير أن أسلوب ابن الخطيب، سواء في هذا أو ذاك، نراه بصفة عامّة بادي التكلّف، مليئاً بالصنعة اللفظية والمحسنات البديعيّة التي كانت سائدة في العالم الإسلامي في ذلك الوقت.
هذا وقبل أن نختم الكلام في هذا الموضوع، ينبغي أن نشير إلى أن ابن الخطيب كان يزمع القيام برحلة إلى بلاد المشرق لتأدية فريضة الحج والاتصال بالأوساط العلميّة فيها. غير أن أعباء منصبه - كما يقول هو - قد حالت دون تحقيق مآربه. إلا أن ابن الخطيب قد نفَّس عن هذه الرغبة المكبوتة بأن أرسل ابنه أبا الحسن علي إلى المشرق ليأخذ العلم على علماء عصره هناك، كما أرسل كتبه وأمواله إلى القاهرة ليستفيد بها طلبة العلم هناك.
وبعد فمثل هذه الروح النشطة، والحيويّة المتدفقة، ثم هذه الدقّة في الملاحظة التي امتازت بها جميع أوصافه ومشاهداته، تدلّ جميعاً على أن ابن الخطيب رحَّالة من الطراز الأول.
ولا يسعني في ختام هذه المقدمة إلا أن أوجّه خالص شكري إلى صديقي الأستاذ الدكتور عبد العزيز الأهواني، إذ تفضّل بمراجعة بعض نصوص هذا الكتاب مبدياً من الملاحظات والنصائح ما دلَّ على غزارة علمه وسموّ أخلاقه.....
أحمد مختار العبادي
الإسكندرية يناير 1958

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار