رحلة الشتاء والصيف 1039هـ 1629م
تأليف : سامر شنواني
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
لمحمد بن عبدالله الحسيني\r\n\r\nتُعتبر هذه الرحلة من أهم الرّحلات الأدبية في القرن السابع عشر، فصاحبُها فقيهٌ وأديب ، وشاعرٌ وخطيب، شهد له حُسّاده قبل محبيه بجزالة العباره، ولطف الإشاره، وأجمع معاصروه على سعة معرفته، وسمو منزلته. وقد صرّح صاحب الرحلة أن هدفه منها: الوصول إلى الإستانة. و\"قصد الأبواب الشريفة السلطانية، والتملّي برؤية الموالي والأركان بالدولة المنيفة الخاقانيه، والوقوف على تلك المنازل والمناهل والأطلال\". قال: \"فاِمتطيتُ غاربَ الأمل إلى الغربه، وركبتُ مراكبَ المذلةِ والكربه، قاصداً اِستعتاب الدّهر الكالح، واِستعطافَ الزمانِ الغَشوم الجامح، اِغتراراً بأنَّ في الحركةِ بركه، وأن الإغتراب داعيةُ الإكتساب\". جمعت الرحلة كمّاً هائلاً من أسماء الكتب والمراجع، وعدداً يكاد لا يحصى لتراجم وأعلام، من أدباء وشعراء، ومؤرخين وفقهاء، وجغرافيين وقضاة، ودعاة ونحاة، معاصرين له وقدماء. إضافة إلى سيل من نوادر الشعر العربي المختار. ويمتاز نص الرحلة بمسحة أدبية منمقة ، أكثر فيها من المرادفات والسجع والمحسنات البديعيه، وضمنها أخباراً شتى، من عجائب وغرائب، وحكايا وأمثال، صوّر بها الهضاب والتلال، وأحوال الناس والبلدان، وكل ما وقعت عليه عيناه، أو خطر له على بال. بدأ محمد كبريت رحلته من موطنه في المدينة المنورة سنة 1039 هـ قاصداً دار الخلافة العثمانية في عهد السلطان مراد الرابع ( 1032- 1049هـ/ 1623- 1639م) واتخذ لها طريق العقبة، فزار سيناء والقاهرة والإسكندرية، ثم القسطنطينية واسكندرونة وجبل الغاوي، وزار حلب وحماة ثم ذهب إلى مكة ومنها عاد إلى موطنه في المدينة المنورة آواخر سنة 1040هـ ومن الجدير بالذكر أن الطريق الذي سلكه الرحالة هو نفسه الطريق الذي سلكه من بعده الرحالة إبراهيم بن عبد الرحمن الخياري المدني وهو من معاصريه مما يدل على خضوع هذا الطريق للسلطنة العثمانية واستتباب الأمن فيه( ). *** والرحالة هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن شمس الدين بن أحمد، من أحفاد شرف الدين بن يحيى الحمزي الحسيني المولوي، الشهير بكبريت، ذاع صيته أديباً، رحالة، مؤرخاً، ومتصوفاً. رماه البعض بالإلحاد لمخالفته بعض أفكارهم، كما وقع للكثيرين من المتصوفة، وأشهرهم الحلاج وابن عربي والسهروردي. ولد في المدينة المنورة سنة 1012هـ وتوفي فيها سنة 1070هـ ولقب بالكبريت لتفرده بالعلوم والآداب. والكبريت في اللغة الياقوت الأحمر، أو الذهب الأحمر. ومما يروى من أخباره، أبياتٌ نظمها يمدح فيها ولاة الدولة العثمانية، وهو ما يكشف عن ولاء ديني وعاطفي للباب العالي ورموزه. وسبب هذه الأبيات أنه في سنة 1047 هـ قدم \"شعبان أفندي\" إلى المدينة المنورة، ومعه حجر من الماس محفوف بأحجار كريمة مختلفة، ملفوف بصفائح الذهب والفضة، أرسله به الوزير \"مصطفى باشا سلحدار\" مع لوح من فضة كبير مكتوب فيه آيات قرآنية، وأبيات شعرية، وفي آخرها \"وهو لوح السلطان أحمد أهداه حباً خالصاً\" فوضع ذلك الحجر تحت الحجرين اللذين وضعهما السلطان أحمد خان في الروضة الشريفة، وأنعم على أهل المدينة، بالصدقة الجليلة، فتصدى محمد كبريت لتأريخ الحادثة مادحاً \"الأيادي البيضاء\" بأبيات من الشعر منها: جاء بالجوهر الثمين لطــــه من وزير هو الجناب المنيع مصطفى المجد والندى والمعالي وسَلَحدار نعمةٍ لا تضــيعُ ياله جوهراً تسامى وسامــى بمقام فيه الثناء يضـــوعُ وله تصانيف أشهرها: \"بسط المقال في القيل والقال\" ويقع في مجلدين، و\"الجواهر الثمينة في محاسن المدينة\" و\"حاطب ليل\" و\"خمائل الأفراح وبلابل الأرواح\" و\"ذيل العارض في شرح ديوان ابن الفارض\"، و\"ركاز الركاز في المعمى والألغاز\"، و\"العقود الفاخرة في أخبار الدنيا والآخرة\"، و\"كتاب الزنبيل في اختصار كشكول البهاء العاملي\"، و\"محك الدهر\"، و\"المطلب الحقير في وصف الغني والفقير\"، و\"نصر من الله وفتح قريب\"، و\"رسالة في وحدة الوجود\"( ). *** أما رحلته فقد وصفها أغناطيوس كراتشكوفسكي في كتابه \"تاريخ الأدب الجغرافي العربي\"( ) بقوله: \"رحلة الشتاء والصيف\" عمل معروف في عدد كبير من المخطوطات، وفي طبعة قاهرية قديمة، ليس من السهل الحصول عليها الآن، هذا ويتسم وصف رحلته بالتنوع، فهو قد غادر المدينة إلى العقبة ثم اجتاز سيناء إلى القاهرة وركب البحر من الإسكندرية إلى القسطنطينية، أما في طريق العودة فقد أخذ طريق البر ماراً على حلب وحماة ودمشق، ومن هناك أخذ طريق الحاج الشامي إلى مكة. وأسلوبه على وجه العموم بسيط، ولكنه مفعم بالاستشهادات الشعرية، من مختلف العصور، وهو ينقل أحياناً عن المؤرخين والجغرافيين بصدد المواضع التي يرد ذكرها لديه.\". *** توجد نسخة من مخطوطة الكتاب في كامبردج (QP 158) كتب على غلافها: \"كتاب رحلة الشتاء والصيف، للفقير الحقير محمد بن عبد الله الموسوي الحسيني الحنفي الشهير بكبريت\". وقد كتبت بخط نسخ جيد في 129 صفحة بقياس ( 14 X 20 ) سم في كل صفحة 23 سطراً ، وكانت ملكاً لعبد القادر الرفاعي في شوال سنة 1049 هـ. وفي المكتبة الأهلية بباريس نسخة قديمة رقم ( 2294) تاريخها 1241هـ في 124 صفحة بقياس (15 X 21 ) سم في كل صفحة 23 سطراً. وذكر خير الدين الزركلي صاحب \"الأعلام\" في ترجمة المؤلف أنه عثر على مخطوطة للكتاب بخط يوسف محمد ابن الوكيل ولم يذكر تاريخها! وطبع \"المكتب الإسلامي\" الرحلة أول مرة في القاهرة سنة 1239هـ = 1824 م. وطبعت سنة 1293هـ بالمطبعة الوهبية بمصر بهمة الشيخ عبد الله باز ودققها مصطفى وهبي. ثم أعاد \"المكتب الإسلامي\" نشرها سنة 1385هـ = 1965م في بيروت بعناية وتحقيق محمد سعيد الطنطاوي وذيّلها بالإشارة: \"هذه الطبعة على نفقة الشيخ محمد نصيف وشركاه\". وقد اعتمدنا في إخراج هذه الطبعة على نسخة المطبعة الوهبية المنشورة سنة 1293هـ، وقارنّاها مع طبعة بيروت الأخيرة المنشورة سنة 1385هـ، وأفدنا من إشارات كراتشكوفسكي إلى بعض سمات الرحلة. وفي عملنا على تخريج الأشعار، قمنا بزيارة بعض المواقع التي ذكرها الرحالة كمقام ابن عربي في دمشق للتحقق مما أورده المؤلف من الأشعار المكتوبة في المقام، فوجدنا أكثرها قد أزيل، وأضيف غيرها لاحقاً على زيارة الرحالة! وقمنا بتصويب ما أمكننا تصويبه من أخطاء صاحب الرحلة في نسبة أبيات إلى غير أصحابها، منبهين إلى ما تصرف به من تعديلات في متونها، وعلّقنا على كل منها بما يناسب المقام، وألحقنا بالرحلة فهارس للآيات والأحاديث والأمثال، والقوافي والموضوعات، والكتب والأعلام، والنبات والحيوان، والأماكن والمصنوعات، والأطعمة والمزروعات، والغرائب والأحداث، والمدارس والمعابد، والبحار والأنهار، والطوائف والأديان ..، وملحقاً بأسماء سلاطين الدولة العثمانية وتواريخ ولاياتهم. *** و\"رحلة الشتاء والصيف\"، نمط فريد في أدب الرحلة، وهو إلى ذلك رحلة في الأدب، لم يبخل رحالتنا أن يدوّن فيها كل خلجات نفسه، وخطرات قلبه ونبضات عواطفه، ولم يخف حسراته ولا آهاته ولا شطحات فكره. وفي وصفه لسطور رحلته يذهب الشيخ كبريت إلى المباهاة بكتابته، والاعتداد بها، بل والمُنافَحة عنها من قبل حتى أن تصير إلى أيدي قراء عصره، الذي حفل بمنتقدي الأدب، وبألوان من الحسد الشخصي، يقول الشيخ كبريت: \"فلا غرو أن تكون من أحسن الرسائل وأنفع الوسائل، لا سيما وقد احتوت على كثير من مفيد الأخبار، وانطوت على مواعظ ترتضيها الأحبار، إلى غير ذلك مما يفيد سلامة الطبع، لمن كان له قلب أو ألقى السمع\": يا رحلة جمعتــها ألفاظـــها تستعذبُ لا تستقلوا حجمها فيها الكثير الطيبُ ويستدرك \"الرحالة\" مباهاته هذه بما يخفف من وقعها على الأسماع بقوله: \"فقد علم الله تعالى أنها صدرت عن قلب مكسور، وفؤاد مصدوع، وقد أنشأتها بالاغترار، وأمليتها بلسان الاضطرار، فكانت من سقط المتاع، المستوجبة لأن لا تباع، لا سيما إن رميت بالكساد، وإفساد الحساد..\" ونستنتج من لهجة الرحالة وكثير من إشاراته المبثوثة هنا وهناك في المتن، أنه أديب مغمور، كثير التواضع، غزير المعرفة، أهمله أبناء عصره، ولم ينعم بالكفاف في حياته الدنيا، مما حمله على التغرب والسياحة في البلاد، ولم يكن له وسيلة في تنميق رحلته، إلا ما حفظه في الصغر من كتب الأدب والتاريخ والعبر، وما رسخ في نفسه من نوادر الشعر والحكمة، فإن أعيته الذاكرة نظم للمناسبة ما يفي ذكرها ويشرح حالها. وساق ما يربو عن 2000 بيت من مختلف أنواع الشعر، تضمنت بعضاً من ديوان شعره، وغلّفت بنثر فني متين العبارة، وفيه شيء من التراكيب والصناعة، التي عهدت عن المتصوفة في أدبهم، ومن ذلك قوله:\" فسبحان من قام على التناقض مُلْكُه، وجرت بخفيّ تدبيره نيرات أفلاكه، كما سَبَحت باللّطف في بحار حكمته فُلْكُه، وما زلتُ مقيماً بها إلى العشرين والتردد شعاري، والتعهد دثاري، وأنا في تلك الحال، على إثر تمني المحال: أقطعُ الوقتَ بالرجاءِ وناهيــــــكَ بقلبٍ غذاؤهُ التَعليلُ كلما جاءَ كأسُ يأسٍ مريرٍ جاءَ كأسٌ منَ الرَّجا مَعسولُ وقد رمتني الحوادث بسهامها، وعبست الأيام بعد ابتسامها، فلّله ما لاقيته من المتاعب في تلك المطالب، ولقد كنت في سعة عن مطالب هاتيك المتاعب..\" *** أما مآخذنا على أسلوبه فكثرة استطراداته، وتشعب فصولها ومواضيعها، ففي ذكره لمحاسن بلدة \"بولاق\" في القاهرة، مثلاً، نجده وقد وقف على أطلال مصر وساق لها أشعاراً، ثم تشعبت المواضيع بين يديه، وتزاحمت الأفكار فلم يجد لعقدها من مبرم، فتحدث عن فضيلة العلم، وأخلاق طالب العلم، فمصاحبة الدفتر والكتاب، والتواضع للعلم، وأهمية علم الحديث وتحصيله، ثم فائدة في كيفية تحمّل القرآن، وسوء وقوف العالم على أبواب الأمراء, وأن فقر الطالب يغني عنه أدبه، والعلم خير نسب، والاعتزاز بعلم الفقه، ثم لوم من ادعى معرفة القراءات وجهل علم النحو، ومن يطلب العلم دون شيخ فإنه في ضلال، فتقييد العلم بالكتابة، و تمجيد الزمان للجاهل وحطّه من قدر العالم، ثم ذكر أن قيمة المرء بماله، ثم استطرد إلى كساد الشعر في النفوس، وسوء إفشاء السر ، وأهمية تخيّر الصاحب، وعدم إقراض المال للصديق، وضرورة المشاورة والجماعة، وأن من يخالف الإجماع فاسد العقل، وأن قيمة الإنسان بتقواه لا بعلمه، وفضيلة الموت في هذا الزمان، وأن الشدائد تكشف الصديق، ثم تغير حال الصديق، ومداراة الناس، وزلة اللسان، وعدم تحقير الوضيع، فتقلب أحوال الإنسان، والرحيل عن الوطن حين تنتهك فيه الكرامة، وتؤول السيادة للخدم، وأن الفضل يذكر بعد رحيل صاحبه، ثم يستطرد إلى أبيات في العشق والغزل فيصف الحسان ويعرج على وصف حال العاشقين ثم يعود إلى ذكر الصديق والعلم فيذكر خيانة الصديق، والتسامح مع أخطائه، ثم يصف العلم ومصاحبة الأخيار، فاستحسان دين العجائز في الفكر، فحلاوة اللهو بالشعر. وبعد كل ما سلف نجده يذكر بولاق في سطرين ويستطرد عنها بتسعين! ولا غرابة في ذلك، فإنه منهجه الذي رسمه في مقدمة الرحلة، إذ قطع على نفسه أن يكتب كل ما تفيض به ذاكرته أو يجول في خاطره. وننبه هنا إلى أن عنايته ببعض هذه الاستطرادات، والتي فاقت في بعض وجوهها عنايته بتفاصيل الرحلة، تجعلك تشعر أنها هي المقصود بالتدوين وليس حوادث الرحلة، كقصة مقتل السيد أحمد بن عبد المطلب خنقاً يوم 20 محرم 1039هـ وذكر نسبه وأخبار جده الأعلى قتادة بن إدريس \"الذي دخل مكة بالسيف ودعى إليه الضيف وطرد عنها الهواشم لأمر اقتضاه وحكم به الباري قضاه وذلك سنة 507هـ وهو القائل في رسالة بعث بها إلى الناصر العباسي: بلادي وإن ضنّت علي عزيزة ولو أنني أعرى بها وأجوع كما يؤخذ عليه عدم تحريه لبعض التواريخ ووفيات الأعلام كما فعل في نسب أبي العلاء المعري وولادته، وما ذكره من خبر أبي العزيز قتادة، وخلطه بين العزيز بالله الفاطمي حاكم مصر وأبيه المعز لدين الله، وشرد به ذهنه في حديثه عن بحر القلزم، فضاع عنه الشرق من الغرب. ولم يتردد رحالتنا أن يسرد في رحلته أوهاماً وأساطير، وخرافات ، كالذي رواه عن \"شجرة العباس\" ، \"وشجرة الجنة التي ولد تحتها المسيح عليه السلام\" و\"الصورة التي تشفي الأوجاع في الحال\" و \"برد السماء الذي نزل على صور الحيات والطيور والنساء والرجال\" و \"بردة نزلت من السماء طولها مائة وستون ذراعاً وعرضها عشرة أذرع وسمكها باعان\"! إلا أن ذلك لا يقلّل من شأن رحلته، ولا من أهميتها كعمل أدبي وجغرافي ينتمي إلى القرن السابع عشر، ويعكس ما جاء فيها من مناخات الحياة الأدبية لذلك القرن ما بين المدينة المنورة ومركز الخلافة الإسلامية مروراً بحاضرتي القاهرة ودمشق. سامر محمد صالح الشنواني أبو ظبي 10/7/ 2002
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|