مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

غرائب الأسفار حكايات ابن بطوطة مستخلصة من رحلته

تأليف : علي كنعان
الولادة : 1936 هجرية
الوفاة : 1 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لعلي كنعان (8)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
لا يملك قارئ ابن بطوطة إلا أن يقف بتأمل وإعجاب أمام هذا الرائد المغامر الذي استطاع أن يصل إلى أقاصي الشرق، سائحا في شتى ديار الإسلام، مستطلعا مجاهل الأرض، متأملا في ألوان الخلق على اختلاف أجناسهم وأحوالهم وتنوع عاداتهم وأنماط معاشهم، متحملا مشاق السفر ومفاجآته، غير عابئ بمواجهة الصعاب والأخطار. لم يرهبه الأسر والأغلال واحتمال الهلاك، ولا أضعف همته وثبطَّه عن مرامه بعد الأهل وكيد الحساد وتآمر الأعداء، ولم يقعده التعب ولا الضنى عن طلب المزيد. لقد تحدى المخاوف والأهوال الطارئة في مناطق شتى من آسيا وشطرا من أفريقيا، لكنه واصل الترحال بصبر وعزيمة وإيمان حتى ظفر بما أراد، وعاد إلى وطنه مصحوبا بالسلامة، حاملا \"تحفة النُّظَّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار\" – كما شاء أن يسمي ثمرة خبراته في أقاليم الاغتراب.
إن سبعا وعشرين سنة أمضاها شيخ الرحالين العرب، وهو يطوف أرجاء آسيا وإفريقيا، فضلا عن العدوة الأندلسية، تجعل القارئ بعد هذه المئات من السنين مدعوا إلى أن يسافر في صحبته ويعيش معه ويشاركه رهبة الطريق وحرقة الظمأ وقسوة المرض واقتحام المجهول.
لم أجد في رحلة ابن بطوطة نصا مغلقا، سكب فيه كامل تجربته وبلغ نهايته وقد استوفى جميع شروطه وجزئياته وشوارده، بل تركه مفتوحا لقارئه حتى يضيف إليه ما يشاء من تجربته الخاصة ويستكمله معه، كما يفعل الروائي الياباني. ومن هذه الزاوية، أرى أن شهرزاد في أروع حكاياتها لم تكن غائبة عن خلفية الصورة في خيال هذا الرحالة الجليل. ولعل بعض هذه الحكايات، في ذاتها، تبدو عادية مألوفة ومحتملة الحدوث في أي مكان وزمان، لكن ما يكمن وراءها من دلالات وعبر ودروس هو الذي ينبغي أن نتوقف عنده ونعيد قراءته بأناة وتأمل وإمعان.
إن إعادة القراءة، كما أرى، أمتع من القراءة الأولى وأحب وأغنى. وربما ذكرتنا هذه المزية بما قاله الشاعر ت. إس. إليوت عن التراث: ليس كل ما تركه الأسلاف لنا تراثا، إنما هو التيار الحي من تلك التركة. وإذا استثنينا بعض الهنات السلبية المتناثرة بين ثنايا هذه التجربة، فإن معظم ما تركه لنا شيخ الرحالة يتدفق في عباب هذا التيار الحضاري الحي. ومما يزيد في أحاديثه طلاوة ومتعة غزارة التنوع وسرعة الانتقال من موضوع إلى آخر ومن حالة إلى حالة مختلفة، وكأنه يقتدي بالجاحظ ليبعد الرتابة والملل عن قارئه.

الكلمة المريبة
لم يكن استخلاص هذه الحكايات من نسيج الرحلة أمرا سهلا، كما كنت أتصور قبل الدخول في غمار النص ومواكبة ابن بطوطة في حله وترحاله. ذلك أن شمس الدين الطنجي لم يكن تاجرا أو مسافرا عاديا، وهو يسعى في مناكب الأرض، منطلقا من طنجة - مسقط رأسه على شاطئ الأطلسي في المغرب العربي - إلى أقاصي آسيا على حافة المحيط الهادئ، لكنه كان شاعرا طليق الخيال وعالما جادا متبحرا في علوم دينه، مفعما بالهواجس والرؤى والتطلعات لارتياد الآفاق القصية والرجوع بما لم يستطع حتى السندباد الأسطوري أن يحرزه ويعود به. المساحة الزمنية والمكانية واسعة جدا، والمحصلة المعرفية ضخمة كذلك، ولا ريب أن الاعتماد على قوة الذاكرة ومدى استيعابها لا يكفي وحده لاختزان ما رأى هذا الرجل وما سمع وما عانى وخبر. ويبدو أنه دوَّن خلاصة تجربته الغنية الحافلة بأسلوب شديد الكثافة والإيجاز، وربما برموز وإشارات مختزلة في كثير من الأحيان، دون احتفاء بالتفاصيل إلا في بعض المشاهد الاحتفالية الخاصة بالملوك والمواسم الدينية. فالكلمة المسجلة مريبة وخطرة، وغالبا ما تكون عاقبتها وخيمة في شتى الأحوال وعلى امتداد التاريخ. ولعل الحذر ومداراة العين واللسان وتجنب المكاشفة والإفصاح كان أجدى وأدنى للسلامة والأمان وراحة البال.
لكن شمس الدين قيد تفاصيل الرحلة، إثر عودته، كما يؤكد ذلك بقوله في ختامها: \"وكان الفراغ من تقييدها في ثالث ذي الحجة عام ستة وخمسين وسبع مائة\"، أي بعد مرور ثلاث سنوات على انتهاء الرحلة، بينما يقول ابن جُزَيّ: \"انتهى ما لخَّصته من تقييد الشيخ أبي عبد الله محمد بن بطوطة... وكان الفراغ من كتبها في صفر عام سبعة وخمسين وسبع مائة\" ولا بد أن نقف مليا عند كلمة \"تلخيص\".
عالم ابن بطوطة يثير فيضا من الأسئلة والرؤى والتساؤلات، وكأنه أراد - بغير قصد منه - أن يدفع القارئ إلى مشاركته في استكشاف هذا العالم، والتأمل في صحاراه وبحاره وحواضره، والتفكر في غرائبه وآياته، والحوار مع شخوصه وتضاريسه وأحواله الطبيعية والعمرانية.
بدأ شيخ الرحالة العرب مغامرته شابا، وهو في الثانية والعشرين من عمره، وعاد إلى وطنه وهو على عتبة الخمسين. ثم لم يلبث أن عبر البحر إلى الأندلس، عازما على المشاركة في الجهاد – كما يقول – لكنه سرعان ما رجع إلى المغرب. وهنا لم يشأ أن يخلد إلى الراحة والاستقرار كذلك، بل شد الرحال من جديد ليطوف هذه المرة عدة بلدان إفريقية، يطلق عليها جميعا اسم السودان، ربما إيثارا للاختصار أو لعله أراد تمييز أهلها من البيضان، حسب تعبيره.
ولنا هنا أن نتساءل عن الدوافع الكامنة وراء طول ترحاله، وإن كان الحج إلى بيت الله الحرام هو الدافع الأول. كان ابن جبير قد سبقه بنحو مئة وستين سنة، ومن المؤكد أن ذلك الرحالة الأندلسي الرائد قد ترك أثره – ولو بشكل غير مباشر – على هذا الفتى المغربي الطموح، ولا سيما أن رحلة ابن جبير كانت في أيام الناصر صلاح الدين إبان الحروب مع الفرنجة، بينما جاءت رحلة ابن بطوطة بعد إنجاز التحرير والخلاص من فلول الفرنجة والتتر جميعا.

قلق العالِم
من يمعن النظر في حياة ابن بطوطة واتساع المجال الجغرافي الذي قطعه وتجول في ربوعه، وكثرة الناس الذين لقيهم وبنى معهم جسور العشرة والمودة، لا بد أن يتلمس في شخصيته طبع العالم المفعم بالقلق وعشق المغامرة والترحال وحب الاستطلاع وشغف التحصيل والاستزادة في المعرفة، سواء في ما يتعلق برصد خيرات الأرض ومعالم المكان وآثار العمران أو في مخالطة الناس والتنقل بين شتى الحواضر والشعوب، وتأمل أحوالهم ومواسمهم وعاداتهم وطقوسهم في العبادة والزواج والاحتفال، وألوان مأكلهم ومشربهم ولباسهم وسكناهم.
وإلى جانب هذه المزايا العلمية التي كان يتمتع بها الرحالة، دون أن يعلن عنها - ولعله لم يكن على دراية بها! - نرى أن اهتمامه الأول والأساسي كان منصبا على إعلاء كلمة التوحيد وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية والقيم الأخلاقية. من هذا المنطلق كان اهتمامه بزيارة الفقهاء والأولياء والصالحين، وإن كانوا في جزيرة نائية أو جبل شاهق، وحرصه على المشاركة في بعض الغزوات. ومن الواضح أن اللغة العربية وسلامتها تأتي في مقدمة اهتمامه العلمي، نظرا لعمق ارتباطها بالقرآن الكريم والحديث الشريف، تحديدا، والتراث الإسلامي بصورة عامة. إن حبه لهذه اللغة جعله يستغرب ما سمعه في أحد مساجد البصرة من لحن في القراءة ورطانة في اللفظ العربي السليم. ولم يستطع إخفاء ذلك في نفسه، بل تساءل واستنكر، وإن جاءه الجواب غير مقنع.
لكن هذا الاهتمام بلغته الأم لم يحل دون اهتمامه بلغات أخرى، كالتركية والفارسية ثم الهندية أو بعضها في فترة لاحقة، وذلك ما يسر له سبل التعبير والمحادثة والتفاهم والاختلاط مع ألوان من الناس الذين صادفهم وعاش بينهم.
وفي هذا السياق، لا بد لي من الإشارة إلى أهمية المرأة والدور العفوي الكبير وغير المباشر الذي تقوم به، زوجا وجارية، في مسألة تعلم اللغة الأجنبية وتيسير المران عليها وسهولة استيعابها. لم يشر ابن بطوطة إطلاقا إلى ذلك، لكن مئات من الجواري اللواتي وقعن في ملكيته – سواء بالشراء أو بالهدايا – فضلا عن عشرات النساء اللواتي تزوجهن أو بنى بهن بعقد متعة خلال جولاته وإقاماته، هؤلاء كن معلمات حقيقيات في تيسير اللغة، ولهن أثرهن البالغ في اكتساب اللسان الجديد، وإن كانت صفة (معلمة) ترد عنده في غير هذا المعنى.
ولعل من أولى فضائل هذا الفقيه المالكي الشاب تعمقه بأحكام الشريعة الإسلامية واستعداده للقيام بشؤون القضاء والحكم بالعدل بين المتخاصمين في أكثر من بلد. ولم يكن حريصا على التمسك بهذا المنصب حين يرى أقل انتهاك لأصول الحكم والإخلال بقواعده.

وجه حضاري
من يستعرض ألوف الزوايا والمدارس المنتشرة في معظم البلدان التي طاف بها الرحالة، يكتشف وجها ناصعا من وجوه الحضارة الإسلامية، وهو إيواء الغرباء والمعوزين وتأمين حاجاتهم بلا منة ولا تكبر. إن ما يرد إلى خزائن الولاة من أموال الزكاة والخراج ومجابي الأرض وريع الأوقاف، لم يكن خاصا بجيوب وامتيازات أولي الأمر، وإنما كان قسم كبير منه لأعمال الخير والإنفاق على الفقراء والمحتاجين من أبناء الأمة وجبر قلوبهم. فحكاية المملوك الصغير( ) في دمشق تبين جانبا إنسانيا، قلما نرى له مثيلا في المدنيات الأخرى. صبي يكسر صحفة من الفخار الصيني ويخشى العقاب، لكن صاحب أوقاف الأواني يعاين الشقف ويدفع له من المال ما يشتري به صحفة جديدة تنجيه من العقاب!
وفي مكان آخر( )، يتحدث رحالتنا عن زاوية بناها الأمير فخر الدين في إحدى القرى الجبلية الواقعة بأقصى شمال آسيا الصغرى، فيقول: \".. وبنى بإزاء الزاوية حماماً للسبيل يدخله الوارد والصادر من غير شيء يلزمه. وبنى سوقاً بالقرية ووقفه على المسجد الجامع. وعين من أوقاف هذه الزاوية لكل فقير يرد من الحرمين الشريفين أو من الشام ومصر والعراقين وخراسان وسواهما كسوة كاملة ومائة درهم يوم قدومه، وثلاثمائة درهم يوم سفره. والنفقة أيام مقامه وهي الخبز واللحم والأرز المطبوخ بالسمن والحلواء. ولكل فقير من بلاد الروم عشرة دراهم وضيافة ثلاثة أيام...\"
ويعطينا الرحالة فكرة واضحة عما يفعله الأهالي والأمراء معا من أعمال البر والإحسان، وهي أعمال خاضعة للشرع والقانون ولا تحدث مصادفة أو ارتجالا، فيقول: \".. وأهل هذه المدينة أهل صلاح ودين وأمانة. وأحوالهم كلها مرضية. ولهم بساتين فيها الزوايا للوارد والصادر. وكل من يبني زاوية يحبس البستان عليها، ويجعل النظر فيه لأولاده. فإن انقرضوا عاد النظر للقضاة.\"
هذه أمثلة بسيطة، من عشرات المآثر والمكرمات، تؤكد أن العدل والإحسان هما الأساس الحضاري للمجتمع الإسلامي. ولم يقتصر فضل هذا العمل الخيري على فقراء المسلمين القادمين من أقاليم نائية، إنما امتدت الرعاية لتشمل حتى الغرباء من أبناء الروم كذلك. فالزكاة التي توفر المال اللازم لخير المجتمع، والإحسان الذي يرفع عن المحتاجين مرارة العوز وذل الاستجداء، أعمال البر هذه تكشف عن وعي مستنير وسلوك حضاري متقدمين، وسابقين على ما استجد في عصور الرأسمالية وسيرورتها المتصاعدة حتى بلغت درجة متوحشة تفتح الباب واسعا أمام عبودية رأس المال وهيمنة السوق في المدنية الغربية المعاصرة.
إن من يتجول في البلدان الإسلامية التي زارها ابن بطوطة أو عاش في مدنها، ويقارن بين أهاليها ويتحرى مدى تعلقهم بالمبادئ والقيم، سوف يخرج بانطباع مثير – إذا لم نقل: مغيظ! - وهو أن الشعوب غير العربية كانت أشد تمسكا بمبادئ الإسلام والتزاما بأعمال الخير من أبناء الأمة العربية التي خصها الله بهذا الدين الحنيف. وهذه الخصال السلبية تبدو واضحة سائدة بين الحكام والمسؤولين العرب أكثر منها لدى عامة الناس من البسطاء.
كيف يتأتى لأمير تركي، شبه أمي، يعتنق الإسلام في ذلك الزمن المبكر ثم يكون حريصا على تطبيق الشريعة في أسمى معانيها وأكرم أغراضها، بينما لا يتردد المتسلط العربي ولا يخجل من اقتراف أكبر الكبائر، دون أن يرف له جفن من خشية أو يشعر بأي حرج أو أسف!

مكارم ومظالم
شهد ابن بطوطة في ترحاله ألوانا شتى من المكارم والأعمال النبيلة، مثلما رأى أشكالا فظيعة من المظالم والأحكام الجائرة. أمثلة مدهشة من مظاهر الكرم التي رآها وسمعها عن ملك الهند سوف يطلع القارئ على عدد منها في هذه الحكايات، لكن جمال الكرم وسماحة النفس وطيب السخاء لا يمكن أن تخفف من بشاعة التعذيب والقتل والتمثيل. والغريب أن أعمال القتل لم تقتصر على الجناة من الغرباء، ولكنها طالت في الغالب أقرب الناس إلى الحاكم المتسلط، ومنهم الابن والأخ والصهر. لم يكن للرحم أو القربى أي حرمة أو حصانة. إن القاعدة الشرعية القائلة: إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة تنطبق على كثير من السلاطين والحكام الذين صادفهم الرجل أو عاش في كنفهم.
ولا شك أن مكانة هذا القاضي العلمية ومعرفته بالحدود الواضحة بين الحق والباطل جعلت مشاهد الظلم أشد وقعا وإيلاما على نفسه، وخاصة ما يسمى بالتوسيط، إذ يقطع الجلاد بسيفه ضحيته إلى نصفين. كما أن سلخ الضحية وحشو الجلد وتعليقه مصلوبا أمام الناس كان شكلا آخر من أشكال التعذيب والتنكيل. وكان لهذه المشاهد الفظيعة آثارها الجارحة في نفس الرحالة حتى حرمته طمأنينة النوم وراحة البال.
وليس غريبا أن نرى أن أعمال القتل والانتقام كلها تجري في دائرة السلطة بسبب الدسائس والمؤامرات والرغبة في الحكم والتسلط، حتى كأن كرسي الحكم في ذلك الزمان كان لعنة على أصحابه وعلى كل من تسول له نفسه التطلع إلى انتزاعه من تحتهم والتربع عليه. وإذا كانت قسوة القتل تخفي وراءها مرض القاتل وساديته، فهي في الوقت ذاته تعبر عن مدى خوف الحاكم ممن يحيطون به، ولا يقلل من تلك المخاوف كثرة الحراس والعيون. لكن البراعة الشيطانية في بث الجواسيس ونشر العيون بلغت مداها في تجنيد الخدم والجواري داخل البيوت. وحتى في غرف النوم، كانت همسات الزوجين( ) في الفراش عرضة لاستراق السمع وإبلاغ السلطان وقطع الرؤوس.

مكانة المرأة
لا يعير الرحالة المرأة أي اهتمام خاص، ولا يشير إلى تميزها وجدارتها بالاحترام والتقدير، إلا إذا كانت من اللواتي أحطنه بالإحسان والإكرام، وهن غالبا من بنات السلاطين والأمراء أو زوجاتهم وأمهاتهم. ولا أبغي هنا أن أظلم الرجل أو أنظر إليه في معيار حقوق الإنسان في عصرنا، إذا قلت إن المرأة ذات قيمة دنيا منحطة في نظره، حتى وإن كانت زوجه وأم أبنائه. إنها للمتعة، لا أكثر. أما مسألة الإنجاب فلا تشغله ولا تستأثر بشيء من اهتمامه. تربية الأطفال واجب ومسؤولية ورسالة، والرجل لا يريد أن يتحمل أقل قسط من هذه المسؤولية في بلاد الغربة. إن ذكر الأبناء يمر على لسانه مرورا عابرا، وكأنهم ليسوا أبناءه وليسوا من [زينة الحياة الدنيا] كما جاء في القرآن الكريم، وهو الفقيه المؤمن والعلامة الورع الذي لا يخل بشعائر الدين ولا يتوانى عن الصلاة وتلاوة آي الذكر الحكيم ليل نهار.
ومن الطريف أن يعلن صراحة أنه لا يستطيع أن يبتعد عن جواريه ولا يطيق السفر إلا بصحبتهن. ويبدو أنه كان ملولا من معاشرة النساء، بقدر ما كان مزواجا. وهو لا يخجل من الاعتراف بأنه يتمتع بقدرة كبيرة على النكاح، فيقول في إحدى الحكايات: \".. وللسمك الذي يغتذون به قوة عجيبة في الباءة، لا نظير لها. ولأهل هذه الجزائر عجب في ذلك. ولقد كان لي بها أربع نسوة وجوارٍ سواهن، فكنت أطوف على جميعهن كل يوم، وأبيت عند من تكون ليلتها. وأقمت بها سنة ونصف أخرى على ذلك...\"( ).
وإذا كانت المرأة، في نظره وحياته، ليست أكثر من وسيلة استمتاع، فليس للزوج والأطفال مكانة أسمى وأحب. ونلاحظ أن مسألة الزواج كانت تشغله من بداية الرحلة، إذ يقول:\".. وكنت عقدت بصفاقس على بنت لبعض أمناء تونس، فبنيت عليها بطرابلس...\" لكن هذا الزواج السريع لم يطل، فهو يضيف بعد أسطر قليلة: \".. ووقع بيني وبين صهري مشاجرة أوجبت فراق بنته، وتزوجت بنتاً لبعض طلبة فاس وبنيت بها بقصر الزعافية...\".
وبقدر ما يبدو ملولا من عشرة النساء، نرى أنه يحب التنوع، وهو يجدد التجربة كلما أتيحت له فرصة في ذلك. وفي أكثر من موضع، يعبر الرجل عن شدة ولعه بالنساء، وكأنه يزهى بقوة فحولته. وها هو ذا يقول: \".. وتزوجت أيضاً زوجة أخرى، بنت وزير معظم عندهم (...) ثم تزوجت زوجة كانت تحت السلطان شهاب الدين، وعمرت ثلاث ديار بالبستان الذي أعطانيه الوزير. وكانت الرابعة هي ربيبة الوزير عبد الله تسكن في دارها، وهي أحبهن إلي\"( ).
ويقول في موضع آخر: \"أقمت بهذه الجزيرة سبعين يوماً، وتزوجت بها امرأتين\"!
ومن حق القارئ هنا أن يتساءل: \"ما الفرق بين هذه السلسلة الطويلة من الزوجات الموسمية.. والبغاء المغطى بغلالة مهلهلة من الشرع؟!\" هذا الموضوع جدير بدراسة مستقلة معمقة، ليس هنا مجالها، إنما اكتفينا بالإشارة.
وهو يتحدث عن زواج آخر في الهند قائلا: كان الشريف إبراهيم المعروف بالخريطة دار، وهو صاحب الكاغد والأقلام بدار السلطان، والياً على بلاد حانسي وسرستي. وكنت متزوجاً بأخته حور نسب، وكانت صالحة تتهجد بالليل، لها أوراد من ذكر الله- عز وجل- وولدت مني بنتاً، ولا أدري ما فعل الله فيهما!
وفي فصول الرحلة شواهد عديدة يشير فيها عرضا إلى زوج له أو ابن أو ابنة، ثم سرعان ما يتخطى ذلك دون أن يسمح لمشاعر الأبوة لديه بالظهور حتى كأن فلذة الكبد لا يترك في نفسه أي أثر أو ذكرى. إنه يعيد إلى ذاكرتنا سيرة كبار الفرسان العرب الذين كانت المرأة لديهم هي العزاء والمعادل الأنثوي الجميل والممتع لقسوة المعارك وشبح الهلاك في ساحة القتال. ويوم وصل إلى دهلي – حاضرة السلطان في الهند - كانت عشر جوارٍ من السبايا أول هدية يتلقاها.
هذا الشغف العميق بالمرأة، وهو شغف يمر ذكره عابرا كأي لون من الطعام أو نوع من النبات، ليس مأخذا أو مثلبة يمكن أن نصم الرجل به، ولا يحق لنا ذلك ما دام قد عاش في ظروف تاريخية مختلفة. إنما أود أن أؤكد على قيمة الحب وأهميته، فالعشق ضروري ولا قيمة لحياة الرجل بلا امرأة يسكن إليها ويبادلها المودة والرحمة، كما جاء في التنزيل العزيز، لكن علاقة رحالتنا بالمرأة لا تخلو من ظلم وازدراء. فهي كأي شيء أو متاع داخل البيت، ولا ترقى إلى درجة الإنسان إلا في حال استلامها مقاليد الحكم. ومن الغرابة بمكان أنه لا يذكر أمه إلا بعد وفاتها بالوباء. ولا أرى ضرورة للتحدث عن الأبناء. وموقفه من المرأة يؤكد كذلك مدى هاجس القلق في شخصيته التي لم تعرف طعم الراحة أو الاستقرار، طوال سبع وعشرين سنة، إلا في ساعات استثنائية وحالات نادرة. ولعل المرأة كانت الملاذ الوحيد الذي يلجأ إليه في أحوال الوحشة والضيق.

عالم الحكاية
لا يمكن لأي قارئ أو باحث أن ينسى الجهد الكبير المشكور الذي بذله الأستاذ عبد الهادي التازي في تحقيق رحلة ابن بطوطة وفرز العديد من الحكايات. لكن، بعد قراءة النص أكثر من مرة، تبين لي أن ما يجري في مجالس الحكام وفي لقاءات الفقهاء، وحتى في تنقلاته بين المدن والناس ومشاهداته وتعليقاته، يمكن أن يشكل قصة مأخوذة من شجون الحياة وأحداث الواقع اليومي. فاستعراض ملامح المكان أو رصد ما يجري في مجلس سلطاني أو ملتقى شعبي يبدع، أحيانا، حكايات لا تقل طلاوة عن روائع ما ينسجه الخيال.
وسنرى أن الواقع والخيال يتجاوران ويتقاطعان في كثير من هذه الحكايات. بعضها، ولا سيما ما يتعلق منها بكرامات الأولياء، يستند إلى السماع من أفواه الآخرين. لكن عددا كبيرا منها، شهد الشيخ أبو عبد الله وقائعه بنفسه وخبر حلاوته ومرارته. وانطلاقا من أهمية النص ومكانة صاحبه، والتزاما بالأمانة العلمية والحفاظ على جلال التاريخ، لم أتدخل في صيغة الحكاية، وإن جاءت بعض الجمل والعبارات مرتبكة. إنما كنت مضطرا، أحيانا، لحذف عبارات مثل (وسنذكر ذلك فيما بعد، رحمه الله، كما ذكرنا من قبل.. وما شابه)، وإضافة اسم شخص أو مكان بغية التوضيح أوالترابط الذي يقتضيه السياق. ولقد آثرت أن أترك بعض الحكايات تبدأ بحرف العطف (و) أو (ثم)، كما وردت في النص لكي أحافظ على إيقاع الحركة وأذكر بالسفر المتواصل.
وفي شرح الكلمات الواردة في الهامش، توخيت الإيجاز ما أمكن لئلا يضطرب مجرى الحكاية، وكان الفضل الأول في هذه الشروح للمحقق، لكني لم أكتفِ بذلك بل استعنت بعدد من المعاجم العربية والفارسية والتركية، كما اعتمدت على معجم ويبستر Webster والموسوعة الجغرافية Encarta ، إضافة إلى موقع Google على الشبكة العالمية. ولعل جغرافية الصين هي الموقع الوحيد الذي كنت مضطرا به إلى إغفال بعض هوامش الأستاذ التازي، والاكتفاء بالمراجع المذكورة آنفا، وذلك بسبب اختلاف اللفظ الصيني. ومن خلال إلمامي باللغة اليابانية، أود هنا أن أشير إلى أن حرف الفاء يلتبس لفظه مع حرف الهاء في حالة الضم الحاد. كما أن لفظ أسماء المدن الصينية يثير الخلط والالتباس بين عدة أحرف مثل: (ز، ج، تش). ويبدو لي أن اسم مدينة (الزيتون) محوَّر من اسم النهر Zhu Jiang الذي يطلق عليه الغربيون اسم \"نهر اللؤلؤ\"، ومدينة تشانجو Quanzhou تقع عند مصب هذا النهر.
ترتيب الحكايات جاء حسب تسلسل ورودها في النص. وربما كان من المفيد أن أصنفها عملا بمنهج مختلف حسب موضوعاتها، أو حسب المدن والأقاليم التي جرت فيها. لكني آثرت أن أتركها هكذا ليسهل على القارئ الرجوع إلى مواضعها في النص الأصلي، إن أراد. وتيسيرا للقارئ وضعت عناوين فرعية في داخل الحكايات الطويلة.
وإذا كان اختيار الحكاية يعتمد أساسا على الحس الفني والذائقة الجمالية لكل واحد منا، فلا بد لي من الاعتذار عن كل تقصير أو إهمال سوف يكتشفه القارئ، لدى المقارنة بين نص الرحلة والحكايات المستخلصة. ربما فاتني من النص عدة أمثلة جديرة بالاختيار، لكني لم ألحظها. وربما بدت بعض الحكايات المختارة ضعيفة أو متهافتة، ولا ينبغي إيرادها في هذا السياق. وعذري هنا أنني اكتفيت في بعض الأحيان بأهمية المكان أو أهمية الشخص أو غرابة الحدث وطرافة مغزاه. إن لروعة المكان وغنى المشهد حكاياتهما، وهما جديران بالقراءة والإصغاء. لم يكن أمرا سهلا أن تستخلص أربع مئة وعشرين حكاية من رحلة منشورة في أربعة مجلدات. ولقد آثرت اختيار عنوان هذه الحكايات جزءا مقتطفا من العنوان ذاته الذي وضعه الرحالة العظيم، وإن اكتفيت بكلمتين معبرتين منه هما: السفر والغرابة. ولا يملك المحرر في الختام إلا أن يدعو القارئ إلى مائدة ابن بطوطة، فهي أشهى من أي فاكهة يحاول خيال المحرر تقديمها.

أبو ظبي في 18 يوليو 2004
علي كنعان

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لعلي كنعان8 كتاباً
تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
الرِّحلة الشَّامِيَّة 1910
الرحلة الأميركية 1912
الرحلة اليابانية 1909
رحلة في صحراء ليبيا 1923
المزيد...

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار