أمراء وأسرى وخواتين حكايات مستخلصة من رحلة ابن جبير الأندلسي 1183- 1185 م
تأليف : علي كنعان
الولادة : 1936 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
المكان هو بطل الحكاية هذه حكايات مستخلصة من رحلة ابن جبير التي انطلق فيها من الأندلس إلى الديار المقدسة في مكة والمدينة، ثم تابع سفره إلى بغداد فالموصل فحران ليتوجه من هناك عبر سوريا وفلسطين عائدا إلى غرناطة بحرا من ميناء عكا. وإذا شعر القارئ أن معظم الحكايات أقرب إلى اليوميات التي تحتفي برصد الواقع الحي، وهي تفتقر إلى النسيج القصصي ذي الحبكة الفنية الدرامية المؤثرة، فلا ينبغي أن ننسى أنها مأخوذة من رحلة حجية واستطلاعية يحاول صاحبها أن يستقصي معرفة الأماكن التي يمر بها ويطالع أحوالها ويصف مشاهداته فيها بدقة علمية وبيان أدبي رقيق لا يخلو أحيانا من لمسات نقدية مرهفة. إنها حكايات حافلة بالتأملات في تلك البحار والدروب والأنهار والصحارى التي اجتازها الرحالة، متمعنا في معالم المدن التي مر بها. لم يكن مسافرا حياديا أو سائحا عاديا ينشد الفرجة والغرابة والمتعة. بل نراه يبذل جهدا استثنائيا لرصد ملامح المكان، فهو يعطي قراءة متأنية في البر والبحر وصروح العمران خلال مرحلة دقيقة ومؤثرة من تاريخ المشرق العربي، وهي مرحلة الغزو الفرنجي في ذروة معارك التصدي له بقيادة صلاح الدين الأيوبي، أي قبل تحرير بيت المقدس بسنوات. دقة علمية الرحالة أديب مرموق في زمنه، وهو يمعن النظر والفكر والمقارنة، ويقدر المسافة ويجري القياس أحيانا، في كل ما يتعلق بالأبنية الأثرية والأماكن الإسلامية المقدسة وما جاورها أو اقترن بها من مساجد وزوايا وأضرحة ومرافق خدمات ومواقع غزو وصلح، ولا يغفل عن ذكر ما جرى في تلك المواقع من أحداث هامة أخرى كحفر الآبار وإنشاء سبل الماء وترميم معالمها العمرانية. وتبين لنا مدوناته هذه دقته العلمية ومدى اهتمامه بالتفاصيل، على اختلاف موضوعاتها كالتواريخ اليومية وظهور الأهلة ورصد وتسجيل كل ما يمر به أو يراه من طبيعة الأرض وتشكيلاتها وطرقها والمسافات التي قطعها وأحوال الجو وأنواء البحر، وجرأته في السؤال عما لا يعرف، وملاحظاته الناقدة لسوء تصرفات العاملين الموكلين بإدارة شؤون الناس، واستنكاره لانحرافهم عن الصراط المستقيم. ولا ينسى أن ينوه بما أنجز صلاح الدين من مدارس ومستشفيات ومساجد وحمامات وغير ذلك من المرافق الحضارية العامة. ويشيد الكاتب برعاية السلطان للمغاربة والغرباء، فضلا عن حياته الجهادية المظفرة ضد الفرنجة الغزاة وتحرير البلاد منهم. يوميات معلِّم إن ابن جبير يبين لنا، بغير قصد ولا ادعاء، مكانته المتميزة في كتابة المذكرات اليومية. فهو معلم يستأثر بإهتمام القارئ ويفعم قلبه بالتأثر والاقتداء. ومع استمرار الرحلة وتدفق البيان، لا نملك إلا الإعجاب بهذا الرحالة الرائد وتقدير جهوده الصادقة حق قدرها، ونحن نراه منكبا على تسجيل دقائق يومياته في الحل والترحال، عبر البر والبحر، في حالات السكينة والأمان، وفي أوقات العواصف والأهوال، غير عابئ بالمصاعب والأخطار التي تواجه الكاتب وتحول دون مواصلة عمله بطريقة ميسورة. إنه يؤكد بذلك أن الكاتب الصادق فارس قضية وحامل رسالة، وهو لا يبتغي من وراء ذلك أجرا ولا منة. وسوف يرى القارئ شغف ابن جبير بوصف الطرق والمدن وما تضم في حناياها من معالم ومساجد وآثار وأضرحة وأولياء، دون أن يغفل متابعته الوصفية والنقدية لسلوك الناس وأولي الأمر منهم بوجه خاص. وهو لا ينسى أن يدعم مواقفه وآراءه بشواهد مستفيضة بما يحفظ من القرآن الكريم. إنه رجل قوي الإيمان شديد التقوى، يولي المواقع التاريخية والآثار المقدسة عناية خاصة ويستأنس بزيارتها، معبرا بذلك عن نفس حرة كريمة عامرة بالصلاح والتواضع والسيرة العطرة. يكفي هنا أن نشير إلى ما ذكر من تفاصيل في مناسك الحج والمسجد الحرام في مكة المكرمة وزيارته لمدينة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ومسجده المبارك هناك. ولا بد أن نتابعه خطوة خطوة ونعيش بصحبته كل دقيقة، وهو يمضي بنا في أرجاء تلك العتبات والأماكن المقدسة. ولا ينسى أن يعرج بنا إلى أضرحة الشهداء والأولياء والصالحين الأوائل الذين احتضنتهم تلك التربة المشرفة، لنتأمل فعالهم الصالحة ونستعيد ذكرياتهم ومواقفهم المجيدة وهم يحملون مشاعل الخير والحق والعدالة للبشرية جمعاء، ويخرجون بأجيال الأمة من الظلمات إلى النور وراء الرسول الأعظم، الرائد المطهر الذي لا يكذب أهله، صلوات الله وسلامه عليه. إن صدق الحب والإيمان والتقوى لا بد أن ينتقل إلى نفس القارئ الكريم، ليشارك هذا الرجل الورع الحليم في كل كلمة طيبة ومع كل التفاتة راضية. موقف لا يهادن والكاتب ينعى على المسلمين في المشرق العربي ما حل بهم من خلاف وانحراف عن صراط الدين الحنيف، وربما بدا منحازا إلى مذهب دون غيره أومنددا بمذهب آخر لا يتفق مع عقيدته، لكننا ينبغي ألا ننسى أنه عاش في عصر الحملات الصليبية التي كانت تقتضي موقفا جماعيا موحدا من أجل التصدي لأعداء الأمة الطامعين. وكان صلاح الدين الأيوبي ممثلا لذلك الموقف الجهادي الموحد وقائدا له. ولعل هذا الإخلاص الوجداني العميق هو الذي جعل ابن جبير متشددا إلى حد التعصب الصارم الذي لا يقبل السكوت ولا يرضى بالمداهنة أو المراعاة. إن كلمة الحق التي تشغل بال المؤمن الصادق لا بد من إعلانها بلا تردد ولا مجاملة، ولا سيما حين يتكاثر عدد المنافقين، ويغدو المتمسك بعقيدته كالقابض على الجمر. وليس لنا أن ننسى المرحلة التي عاش فيها الرحالة، وديار العرب والإسلام تواجه هجمات عدوانية ضارية لا يمكن التغاضي عنها أو التعامل معها بتسامح بارد أو استسلام ذليل. ومع ذلك، فإننا نلمس لديه إحساسا مرهفا بالنكتة اللطيفة الموشَّاة بالظرف والطرافة. ويبدو هذا واضحا في رصده لتصرفات الخاتون بنت أمير الموصل، على سبيل المثال. وحين مر في مدينة حمص سأل أحد أبناءها: \"أليس عندكم مارستان؟\" واستنكر الرجل السؤال وأجاب: حمص كلها مارستانات! وفي الطريق من بغداد إلى الموصل، كانت الخاتونان: (بنت مسعود وأم عز الدين صاحب الموصل) هما قائدتي العسكر المرافق لموكب الحجيج، فلم يتمالك نفسه من ترديد قول الشاعر: ضاع الرعيل ومن يقوده! لمحة من سيرته هو أبو الحسن محمد بن أحمد... بن جبير الكناني، الرحالة الأندلسي. وكان جده الأكبر عبد السلام من أوائل الداخلين إلى الأندلس مع بلج القشيري في سنة 123 هـ/ 740م، فهو أندلسي شاطبي بلنسي. ولد في العاشر من ربيع الأول سنة 540 هـ/ 1145م في بلنسية شرقي الأندلس. وفي رواية أخرى أن مولده كان في سنة 539 هـ/ 1144 م. وهو ينسب إلى بلنسية بسبب مولده فيها على أرجح الأقوال. أما نسبته إلى شاطبة فهي من جراء إقامته فيها فترة من الزمن، قبل أن ينتقل إلى غرناطة. نشأ ابن جبير في رعاية والده وتلقى العلم عنه وعن علماء عصره في شاطبة. وكان اهتمامه الأول بالأدب فغدا عَلماً بارعا فيه، كما أتقن صنعة الكتابة. وتنقل في مستهل حياته بين عدد من المدن الأندلسية والأفريقية، فأقام في بلنسية وشاطبة وغرناطة وسبتة وفاس، وتقلَّد مناصب كتابية عدّة. وهو يعد أحد كتاب الدولة الموحدية من حكام الأندلس والمغرب، وقد تبوأ لديهم مكانة عالية، تقديرا لعلمه الواسع وموهبته الشعرية وقدرته الجيدة على كتابة النثر. وتجمع الروايات أنه كان أديبا معروفا وشاعرا مجيدا وعالما فاضلا مولعا بالأسفار، نزيه النفس، كريم الأخلاق، أنيق الخط، ذا أسلوب في الكتابة يمتاز بالسهولة ورقة العبارة. وتبدو هذه السمات الفنية واضحة في كل صفحة من صفحات هذه الحكايات. إن همه الأول أن ينقل إلى قارئه ما يراه وما يسمعه، في صور طلية واضحة. وهذا يؤكد أنه أديب متمرس في صنعته، متعمق في لغته وبيانه. ويمكن أن نضيف إلى ذلك اهتمامه بالسجع والمحسنات البديعية أحيانا، أسوة بأسلوب أبناء عصره في مشرق الوطن ومغربه، لكننا نلاحظ أن موهبته الأدبية الأصيلة سرعان ما تبعده عن تلك الزخارف الشكلية، فيعود إلى عبارته العفوية السلسة التي تستقر في قلوب قرائه حالما تلامس أبصارهم أو تدخل في أسماعهم. وقد أهلته مزاياه الأدبية والخلقية إلى تقلد أرفع المناصب في الدولة. ويصفه المقري في (نفح الطيب) بالمروءة وحب الخير وحرصه على مساعدة الناس وقضاء حاجاتهم ورعاية الغرباء منهم. وهو يعبر بصدق وجداني عن تلك المزايا الإنسانية في شعره، إذ يقول: يحسـب الناس بأني متعب في الشفاعات وتكليـف الورى والذي يتبـعهم من ذاك لي راحـة في غيرها لن أفكـرا وبودي لو أقضِّي العمر في خدمة الطلاب حتى في الكرى أهمية المكان البطل أو الشخصية المحورية في هذه الحكايات هو المكان بما فيه ومن فيه، إن الرحالة رسام بارع شديد الملاحظة عميق النظرة، ومعياره العقيدة التي يؤمن بها، إذ نراه طوال سنوات الرحلة مواظبا على صلاته في أوقاتها، مستمسكا بالعروة الوثقى لا انفصام لها، حريصا على الحق والعدل في حديثه وسلوكه، مقتديا بالسلف الصالح ومناقبهم، مستنكرا كل زيغ أو انحراف طرأ على معتقدات الناس وعاداتهم وتصرفاتهم. وهو بذلك، لا يكتفي بتسجيل ما يرى ويسمع ويعاني وحسب، ولكنه يأخذ دور المصلح الاجتماعي ورسالته في مناهضة كل منكر، وإشاعة الفضيلة وحسن المعاملة بين الناس، ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ومن حق ابن جبير علينا أن نتركه يتحدث بأسلوبه الطلي البليغ. وسوف يلحظ القارئ كثرة الجمل الاعتراضية في الدعاء للمدن وللناس، أحياء وأمواتا. ولقد آثرت حذف كثير من تلك الجمل الاعتراضية رغبة في الحفاظ على ترابط الحكاية وسلاسة السرد، بما لا يؤدي إلى البتر أو الخلل. ولقد آثرت أن أضع ملاحق تشتمل على تفاصيل الأماكن المقدسة في مكة والمدينة، وأبواب مكة وآثارها، وكذلك المشاهد في البقيع وأحد كما دونها الرحالة، لأن الحكاية تظل عاجزة عن الإحاطة بها. ولقد تركت لغة الكاتب في هذه الملاحق على حالها، دون حذف أي جملة اعتراضية، إنما اكتفيت بحرف واحد بين قوسين للدلالة على عبارات الدعاء المعروفة كالصلاة على الأنبياء والتماس الرضى على الصحابة والتابعين. ومن المؤسف - كما سيلاحظ القارئ- أن أجدادنا لم يكونوا أوفياء في المحافظة على جميع تلك المعالم والآثار المقدسة. وأخشى أن يكون الصراع على كراسي الحكم عبر العصور هو الذي أودى بها، بينما نرى أعداءنا يصنعون من أساطيرهم الباطلة صروحا لا يجرؤ أحد على المساس بها. إن كل كلمة دونها المؤلف تحمل شعاعا من فكره وأثرا من خلجات قلبه ووجدانه. وها أنذا أريح القارئ من عبء الاستفاضة في التقديم، لأن متعة القراءة ومشاركة الرحالة في وقائع سفره ومعايشته في دقائق يومياته أمتع وأجدى من كل حديث آخر. علي كنعان أبوظبي في 12 / 9 / 2006
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|