رحلة باريس - فرانسيس المراش
تأليف : قاسم وهب
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 2019 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
لفرنسيس فتح الله المراش\r\nالمقدمة I كانت مدينة حلب في القرن التاسع عشر من أكثر المدن العربية حفاوة بالجديد؛ حيث أنجبت عدداً من رواد النهضة العربية الحديثة( ) الذين مزجوا بين الثقافتين العربية والأوربية –إلى جانب التركية- ولم يكتفِ هؤلاء المنوّرون بتلقي الثقافة الغربية في موطنهم الأصلي بل شدّوا الرحال إلى أوربا، واطلعوا على مظاهر الحضارة والتقدم فيها، وقرؤوا ما تيسَّر لهم من الآثار الأدبية والعلمية والفلسفية باللغات الأصلية؟ مما أذكى في نفوسهم الرغبة العارمة في التجديد، والبحث عن السبل المؤدية إلى إيقاظ الأمة من غفلتها؛ فدعوا إلى الحرية، وناهضوا الاستبداد الذي أصاب الأمة بالشلل، وعطل قدرتها على الإبداع والابتكار، وحولها إلى قطعان خائفة لا تملك من أمرها شيئاً. وفي طليعة هؤلاء الرواد فرنسيس المراش صاحب هذه الرحلة التي نضعها اليوم بين يدي القارئ بعد أن مضى على ظهورها الأول نحو مائة وخمسة وثلاثين عاماً. وقبل الشروع في الحديث عن هذه الرحلة لا بد لنا من التعريف بصاحبها: II الرحالة ينتمي فرنسيس فتح الله المراش إلى بيت عريق في العلم والأدب، كان أبوه تاجراً له من العلم نصيب. وأخوه عبد الله أديب معروف بالفضل، وعده جرجي زيدان من أبلغ كتاب العرب. أما أخته مريانا فكانت شاعرة وكاتبة، وشعرها متين رائق، وهو على طراز شعر القرن التاسع عشر كما يقول مارون عبود. ولد المراش في حلب سنة 1835 على الأرجح وتُوفي في منتصف عام 1874. أصيب بداء الحصبة في الرابعة من عمره، وكان لهذا الداء أسوأ الأثر في حياته، ثم أدى به في نهاية الأمر إلى فقد بصره. سافر إلى أوروبا بصحبة أبيه لأول مرة سنة 1850 وهو غلام، وأقام في بيروت زمناً. برز ميله إلى الأدب والشعر وسائر العلوم في سن مبكرة، ولكن الشعر غلب عليه. مال في شبابه إلى دراسة الطب؛ فتلقى مبادئه على يد طبيب إنكليزي بحلب، ولكن ذلك لم يرضِ طموحه، فسافر إلى فرنسا سنة 1866 لاستكمال الدراسة في إحدى جامعات باريس، لكنه لم يوفق إلى ذلك بسبب تدهور صحته، فرجع إلى حلب كفيفاً، ومع ذلك لم يتوقف عن النظم والتأليف. وفي شعر المراش وأدبه نزوع إلى التجديد ومجاراة العصر، وذلك بتأثير من مخالطة الإفرنج والاطلاع على آدابهم. وله عدد من المؤلفات الاجتماعية والفلسفية والسياسية منها: - مرآة الحسناء، ديوان شعر، طبع سنة 1872. - غابة الحق، كتاب اجتماعي في قالب قصصي، وعدّه بعضهم أقدم رواية عربية، طبع سنة 1881. - مشهد الأحوال، كتاب اجتماعي مزج فيه بين الشعر والنثر، وأثر باريس ظاهر فيه. طبع سنة 1884. - رحلة باريس. طبعت في بيروت سنة 1867. - در الصَّدف في غرائب الصُّدَف. وهو رواية اجتماعية. III مسار الرحلة بدأ فرنسيس المراش رحلته من حلب في السابع من أيلول (سبتمبر) سنة 1866 متجهاً إلى الإسكندرونة على ساحل المتوسط، ليبحر منها إلى اللاذقية، ثم طرابلس فبيروت، حيث توجه منها إلى يافا فالإسكندرية، ومن الإسكندرية ارتحل بالقطار إلى القاهرة، ثم عاد منها إلى الإسكندرية ثانية ليغادرها إلى مرسيليا، فوصل إليها في العشرين من تشرين الأول (أكتوبر) سنة 1866، وسرعان ما غادرها إلى مدينة ليون برّاً بالقطار حيث أمضى في الأخيرة ثلاثة أيام، ثم توجه بعدها إلى باريس \"مركز مجد العالم وأعجوبته\" فحط رحاله فيها نحو سنتين، ولم يذكر شيئاً عن الطريق التي سلكها في عودته من هذه الرحلة. IV
هذه الطبعة اعتمدت في إخراج هذه الطبعة على النص الذي نشره الأستاذ محمد كامل الخطيب ضمن كتابه: \"رحلات في الزمان والمكان\"، الصادر بدمشق عن مطبعة اليازجي سنة 2000 وقد تفضل الأستاذ الخطيب مشكوراً بإهدائي نسخة منه، وكنت آنذاك في غمرة البحث عن الطبعة الأولى لرحلة المراش. والنص المنشور في الكتاب الآنف الذكر مستمد من مجلة الكلمة التي كانت تصدر بحلب في أربعينات القرن الماضي، حيث أعادت نشره على حلقات سنة 1949. ويتبين من النظر في هذا النص أن المجلة لم تُعنَ كثيراً بتحريره وتدقيقه، وتخليصه من الأخطاء المطبعية ونحوها، كما أنها لم تلتفت إلى الخلل الذي اعترى عدداً من الأبيات الشعرية الواردة في المتن. ونظراً لتعذر الحصول على الطبعة الأولى للرحلة اضطررت للأخذ بالنص الذي نشرته المجلة، ثم عملت ما وسعني الجهد على تحريره ما أمكن، وأشرت إلى ذلك في الهوامش محاولاً إخراجه بالصورة التي تليق به. V
النص والمؤلف قبل الشروع بوصف رحلته إلى باريس يمهد المراش لهذه الرحلة بمقدمة تنطوي على تأملات فلسفية يحاول فيها أن يبحث عن تفسير منطقي لما يحسه ويراه في هذا العالم الذي يحكمه الصراع والتنافس وحب السيطرة. إنه على حد تعبيره عالم مخيف ترتعد منه الفرائص؛ لأنَّ القوي فيه يأكل الضعيف، والغني يأكل قوت الفقير ولا يشبع، والناس منذ الولادة يرضعون الذل والخوف من أثداء أمهاتهم، ثم ينشؤون وأفواههم مكمومة، وحرياتهم مهضومة، وثرواتهم منهوبة، وليس لهم إلا التمرغ في أوحال البؤس والشقاء! مع أن كل ما في الطبيعة يبدو أكثر رحمة وتضامناً من بني البشر! فالأشجار في الغابات تعتصب وتتحد في وجه الرياح والعواصف، والعصافير تجتمع لدرء خطر الجوارح: ولكن النوع الإنساني يأكل بعضه بعضاً بلا رحمة، لذلك يرى المراش أن أشرف بضاعة يمكن أن يتجر بها المرء هي العلم؛ لأنه الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من فهم العالم، وتفسير ما يجري فيه من وقائع وأحداث \"فالعلم في وعي المراش هو التتويج الأمثل لسلطان العقل\"( ) إن في هذه المقدمة التي تتصدر وصف الرحلة تسويغاً للرحلة نفسها؛ فهي رحلة ليست للاستجمام بل في طلب العلم الذي هو أنبل الغايات، وأرفعها شأناً. وعقب انتقاله من حلب إلى الإسكندرونة لم تفارقه صورة ذلك الطريق الموحش الذي يصل بين المدينتين لأنه يخترق فلاة لا تثير في النفس سوى مشاعر الحزن والشجن؛ فهي برية مهملة من براري \"مملكة التوحش\" طالما تاق إلى اجتيازها والخلاص منها للوصول إلى \"مملكة التمدن\" والحرية التي جعلت من فلواتها مرابع أنس، ورياضاً يانعة تعبق بأريج الزهر. ومع ذلك فإن الحنين إلى الأهل والخلان لا بد من أن يعصف بالنفس، وجمرةُ الفراق لا يليق بوصفها سوى الشعر؛ لأنه الأقدر على التعبير عن لواعج الشوق والحنين فاتخذ المراش من الشعر وسيلة لوصف ما انتابه من مشاعر، كما أن بداوة المشهد اقتضت بداوة المعاني، لما للشعر من علاقة بالمكان \"فلما كانت الموضوعات بيني وبين البدوي واحدة كانت أشعارنا واحدة\". ولأن المراش داعية تمدن؛ فإن مرأى ميناء الإسكندرونة الآيل للخراب كان \"صاعقاً\"، فالمدينة في غاية التقهقر والانحطاط على الرغم من أنها \"ميناء حلب، ومدخل تجارة الزوراء وتركستان، ومخرج أنسجة ومحصولات عربستان\" ويعزو المراش تخلف هذه المدينة إلى تواني وتقصير تجار المدن المجاورة الذين لم يستجيبوا لنداءات الدولة التي بذلت لهم كل مساعدة للنهوض في أمر هذا الميناء الهام! ومع أن مرور المراش في الموانئ الشامية كان سريعاً، فقد توقف قليلاً في بيروت التي كانت آخذة في النهوض لتحتل المرتبة الأولى بين المدن السورية آنذاك حيث \"أصبحت مَبْزغاً لكل نور يلوح في هذا الإقليم؛ ففيها جملة علماء عظام، ومدارس معتبرة، وجمع غفير من المطابع وآلات البخار\" بالإضافة إلى مظاهر التقدم العمراني المتمثل بأبنيتها الجميلة، وشوارعها الحديثة. وفي قول المراش إشارة واضحة إلى التحوّلات التي طرأت على هذه المدينة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وذلك عقب الأحداث الدامية التي عصفت بلبنان سنة 1860. ومما يلفت النظر ما يلحظه السائح في مدينة الإسكندرية من أسباب التقدم والرقي، فهذه المدينة توشك \"أن تنضم في صف المدن الأوربية\" لما قطعته من أشواط في مضمار التمدن والتنظيم، فشوارع المدينة وساحاتها مضاءة بالنور الأيدروجيني، وفيها من المعالم الحضارية ما لا يوجد نظيرها في الشرق. وهي إلى ذلك من كبريات المدن التجارية إلا أن معظم تجارتها بأيدي اليونانيين. كما أن الفرق واضح بينها وبين القاهرة، وإذا ما استثنينا تلك الآثار القديمة، والمباني التي شيدها محمد علي باشا في العاصمة المصرية، مثل: المتحف، وجامع القلعة، والسرايا الحكومية وغيرها، فإن أسواق القاهرة ليس \"أقبح منها في شدة ضيقها وأوخامها حتى إن البعض منها لشدة ضناكته يكاد يضيق بمسير اثنين معاً، ولا يقبل الضوء\" وذلك باستثناء شارع الموزكي أو طريق الإفرنج حيث اختار التجار الحلبيون إقامة حوانيتهم فيه. مما يدل على أنه لم يطرأ على التنظيم العمراني لمدينة القاهرة تحسينات هامة حتى ذلك الحين. وبعد مضي شهر على إقامة المراش في بر مصر غادرها إلى مرسيليا، ليجد نفسه \"مرتاحاً في حضن الغرب، متخطّراً تحت سماء أوربا\" التي طالما تاقت نفسه إلى العودة إلى ربوعها. فمرسيليا فاتحة كتاب التمدن الذي تتوق الأعين والأفئدة إلى قراءته وإمعان النظر فيه. وفي الطريق من مرسيليا إلى ليون \"تتفتح أجمد القرائح\" وأمنعها لما يراه المسافر من فلوات وجبال وهضاب كأنها بستان واحد كرومه مخصبة، وغياضه أنيقة، وزهوره متنوعة الأشكال والألوان؛ لذلك لم يجد المراش – وهو الشاعر أولاً – من سبيل للتعبير عن خوالج النفس إلا الشعر، فوصف الراحلة البخارية (القطار) التي تجر صفوف المركبات بسرعة تفوق سرعة الطير لتطوي في سيرها تلك البطاح التي أحيلت إلى حدائق ممرعة يسودها السلام والأمن بعد أن كانت مسرحاً للصوص والضواري! أما مدينة \"ليون\" فقد \"أحرزت غاية الجمال والكمال\" وجمعت أسباب التمدّن كغيرها من أكابر البلاد؛ فهي تحتوي على العديد من المصانع المختلفة، والمباني الفخمة، والمراسح الشعبية، والمدارس المتنوعة التي يعمل فيها معلمون مهرة، وترتادها الآلاف من الطلبة. على أن كل ما سبقت الإشارة إليه من الأمكنة والمشاهد الباهرة يعد بمثابة ممر يفضي في النهاية إلى باريس \"مركز مجد العالم وأعجوبته\" ومصب أنهار العجائب، وموقع أنوار التمدن والآداب\" فالمراش لم يستطع إخفاء دهشته، لقد ساوره الإحساس بالعي والحصر إزاء هذه الحاضرة الاستثنائية التي أصبحت \"عروسة لجميع مدن المسكونة، وشمساً يدور حولها فلك العالم البشري\" ومع ذلك فإنه لم يجد بداً من الحديث عن بعض ما حوته هذه المدينة الجليلة من شوارع ورياض، وساحات، وأحواض، وتماثيل، ومقامات، ومبانٍ، ونصب تذكارية، وقصور ملوكية، ونقوش متقنة، وزخارف متنوعة، مما يدفع المرء إلى الظن بأنه في \"سدرة عالم سماوي\" حافل بالآيات والعجائب. فأسواقها مقبوة بالزجاج النقي، مبلطة بالرخام النظيف، ومخازنها لا تغلق إلا بمصاريع بلورية مما يدل على الثراء والإتقان الفائق الدال على الذكاء والفطنة.. ولم يفته ذكر مسارحها، وما يقدم فيها من عروض تستعيد ما غبر من الحوادث والمواقع، وكنائسها ومعابدها، وما جمعته من الجمال والظرافة، ودقة الهندسة. أما بساتينها فتحكي فردوس \"جوبيتر\" لما حوته من النضارة، وجمال الترتيب والتنسيق. هذا بالإضافة إلى حركة المرور المتمثلة بآلاف العربات التي تجرها الخيول الجامحة؛ لتسهيل سبل الناس وإنجاز معاملاتهم. كما أن آلاف المعامل البخارية التي تصفر بأبواقها النارية تدعو جميع المبدعين والمخترعين لمواصلة \"النزال في حومة الإبداع والاختراع\". إن كلَّ ما في هذه المدينة ومن فيها يشكل قوة واحدة تسعى للوصول إلى قمة الرقي والكمال. فالأمة الفرنسية أمة حرة آمنة، ماضية في طريق التقدم، لا تخشى \"التعثر بأشواك سيادة بربرية، أو سلطة ضارية\" كما لا تخشى نشوب خيانة مرتدية ثياب الدين أو الدنيا. لذلك يجد المرء نفسه ميالاً إلى تلك البلاد التي تمنح الإنسان \"غنى غير مسلوب، وأمناً غير مثلوم، وحرية غير مأسورة وحياة غير مهددة ولا مذعورة\" فحياة الفرنسيين تقف على النقيض من الحياة التي يحياها الشرقيون الذين هم أسرى الجهل والظلم والاستبداد. ولا يفوت المراش أن يذكر بأن ما وصلت إليه هذه المدينة من \"الجمال العجيب والكمال الغريب\" ليس إلا ثمرة العقول الراجحة التي سوف تفتح معاقل الطبيعة، وتقلب ممالك الظلام! كما أن هذه العقول لم تبلغ هذا المبلغ من الرقي والنضج إلا عن طريق العلم، فقد جعل الفرنسيون لكل قسم من العلوم مدرسة تحيط به، وتجمع شمله. ولتسهيل الدراسة أقاموا المكتبات الضخمة، والمتاحف الجامعة التي تلمّ بكل ما يحيط بالإنسان من أشياء ينبغي معرفتها والعلم بحقيقتها؛ لذلك ترى القوم مقبلين على العلم يتسابقون إلى معلميهم كما \"تتسابق الفراخ إلى مرابيها\". وكلما ازداد الشخص ارتقاء في سلم العلم ازداد اعتباراً وكرامة في عيون مواطنيه. وذلك على عكس ما هو جارٍ في الشرق؛ إذ إن أهل العلم لا ينالون من علامات الشرف سوى السخرية والتهكم. ومما يلفت النظر أن كلاً من دارسي الطب أو الشريعة (القانون) في باريس ساقط من أعين الناس لأن أكثر هؤلاء سادر \"في ارتكاب الكبائر والجرائم عِوَضَ الانصباب على الدراسة والمطالعة\" فالطابع الغالب على هؤلاء هو الاستهتار واللامبالاة، وكثيرون منهم لا يدخلون قاعات الدرس إلا بقصد إثارة الفتن، وخرق النظام، وتحدي الأساتذة الذين يميلون إلى الجدّية والتشدد في الامتحان؛ لأن هؤلاء الطلبة غير منصرفين إلى الدراسة والتحصيل العلمي. وهذا لا يعني بالطبع أن جميع الطلبة على هذه الشاكلة، إذ إن الكثيرين منهم جادون في الدراسة والمطالعة، فمن أمثال هؤلاء \"ضاء عالم العقل، وتمزقت سجون ظلامه، وانقلبت ممالك الأباطيل والأضاليل، وتشيدت عروش الحقائق والهدى\". على أن ما وصل إليه الفرنسيون من رقي في رأي المراش، ليس إلا ثمرة من ثمار كفاحهم من أجل الحرية والتقدم، والحرية وليدة الوعي، \"وقوة الفكر التي لا يمكن قمعها إلا بمثلها\". إن ما كتبه المراش عن باريس يعد بمثابة رسالة موجهة إلى بني قومه، غايتها التنوير والتبصير، ومؤداها: أن السبيل الوحيد للخروج من ظلمات العصور الوسطى هو العلم؛ لأنه الأساس الذي تبنى عليه المدنيات، والنور الذي يبدد عالم الخرافات والأوهام. وأخيراً، فإنه لابد من الإشارة في ختام هذه المقدمة إلى أن فرنسيس المراش كان حريصاً، فيما كتبه من شعر ونثر على التجديد والابتكار، ولكن ما أعوزه أحياناً هو توافر الأدوات اللازمة لمثل هذه المهمة، وهذا ما يمكن أن يلحظه القارئ في أثناء مطالعته هذه الرحلة. فعلى الرغم مما يتمتع به الرجل من حدة الذهن، وسرعة الخاطر، وجودة القريحة، والألمعية، فإنه لم يكن متمكناً من اللغة بما فيه الكفاية؛ لذلك كان كما قال معاصره قسطاكي الحمصي: قليل التثبُّت فيما يكتب؛ فبدرت من قلمه أغلاط في اللغة، وألفاظ عامية استدرج إليها\"( ) أما في مجال الشعر، فقد كان قليل العناية بأوزانه، قليل التدقيق بألفاظه، ولعل هذا من أثر حبه للحرية، ودعوته للتحرر من القيود\"( ). إن اشتغال المراش، خلال عمره القصير، بدراسة العلوم، والطب، والفلسفة، واهتمامه بشؤون الفكر، والسياسة، لم يترك له الفرصة الكافية لدراسة موازين الشعر، والتعمق في اللغة، والإبحار في متونها، والتحقق من صحة الكلمة، وسلامة التعبير، ناهيك بما ابتلي به من مرض مزمن \"نغَّص عليه عيشه، وأوهن قواه مدى العمر\"( ). قاسم وهب
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|