ثلاث رحلات جزائرية إلى باريس
تأليف : خالد زيادة
الولادة : 1952 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
تأليف :سليمان بن صيام\r\nمؤلف ثاني : أحمد ولد قاد\r\nمؤلف ثالث : محمد الفغون القسنطيني\r\n\r\nتقديم وتحقيق: خالد زيَادة تقديم ثلاث رحلات \"جزائرية\" إلى باريس، تمّت خلال فترات مختلفة بينها زمن يمتدّ خلال ما يزيد عن الخمسين سنة. هذه الرحلات الثلاث هي بعض رحلات عديدة تمّت خصوصاً في القرن التاسع عشر، أما الرابط بين الرحلات التي ننشرها، فكونها مجتمعة قد تمّت إبان استعمار فرنسا للجزائر، كذلك فإنها تمت بإرادة المستعمر. والنصوص التي ننشرها هي: ـ كتاب رحلة السيد سلمِان بن صيام إلى بلاد فرانسة. سنة 1852. ـ الرحلة الفادية في مدح فرنسة وتبصير أهل البادية. سنة 1878. ـ الوفد الجزائري من رؤساء العرب ورحلتهم إلى محروسة باريس سنة 1902. وإذا ننشر هذه الرحلات، فلأننا نعتقد بأن فائدة متعددة الأوجه يمكن أن تستفاد من الاطلاع على هذه النصوص، ويمكن أن نذكر بعض هذه الأوجه: ـ الاطلاع على تطور النثر العربي في” الجزائر” خلال القرن التاسع عشر. ـ ملاحظة التأثير الأوربي” الفرنسي” على النثر العربي من خلال دراسة التعابير والمصطلحات التي يستخدمها أصحاب هذه النصوص، نتيجة لاتّصالهم باللغة الفرنسية. ـ تأثر وانهيار العرب بالحضارة والمدنية الفرنسية. ـ موقف المؤلفين السلبي أو الإيجابي من المستعمر الفرنسي. ـ دراسة أسلوب الرحلات التي تعددت في القرن التاسع عشر والتي تميز الأدب والنثر العربي في تلك الحقبة، من خلال نشر نصوص لا تزال مجهولة للقارئ. هذه أبرز النقاط التي يمكن أن نلاحظها من خلال قراءتنا للنصوص المذكورة ومن المهم أن نسجل هنا ملاحظة أساسية: إذا بدت هذه النصوص مدافعة أو ممالئة للمستعمر، فإن ذلك لا يؤثر بحال على المقاومة التي أبداها الشعب الجزائري في القرنين 19 و20...والذي يهمنا، بشكل خاص، هو القيمة التوثيقية التي تشتمل عليها رحلات القرن التاسع عشر: النوع الأدبي المعروف بالرحلة قديم في النثر العربي. لكن، في القرن التاسع عشر، بدأ يظهر نوع جديد من الرحلات، تلك التي سلكت باتجاه أوروبا حيث تم اكتشاف عالم جديد، اقتضى التعرف عليه الزمن الطويل بالإضافة إلى تجارب مختلفة ومنوعة، ويمكننا أن نسجل هنا أشهر هذه الرحلات. الرحلات في القرن التاسع عشر: 1831 رفاعة الطهطاوي 1855 أحمد فارس الشدياق 1856 سليم بطرس 1866 أحمد فارس الشدياق 1867 فرنسيس مراش 1874 لويس صابونجي 1888 محمد شريف سالم 1891 دمتري خيلاط 1891 حسن توفيق 1892 أمين فكري 1893 أحمد زكي 1900 محمد بلخوجة 1900 علي أبو الفتوح 1900 أحمد زكي تخليص الإبريز في تلخيص باريز القاهرة الساق على الساق فما هو الفارياق باريس النزهة الشهية في الرحلة السليمية بيروت كشف المخبأ عن فنون أوروبا تونس رحلة إلى أوروبا بيروت الرحلة العلية الآستانة رحلة إلى أوروبا القاهرة رسالة السفر إلى معرض الحضر القاهرة رسائل البشرى في السياحة القاهرة إرشاد الألبا إلى محاسن أوروبا القاهرة السفر إلى المؤتمر القاهرة سلوك الإبريز في مسالك باريس تونس سياحة مصري في أوروبا القاهرة الدنيا في باريس القاهرة وهذه الرحلات التي نذكرها ليست إلا عدة من عشرات الرحلات الأخرى نشرت منفردة، أو تضمنتها كتب أوسع وأشمل، مثل الرحلة إلى باريس 1846 لأحمد بن أبي ضياف المنشورة ضمن كتابه الكبير، \"إتخاف أهل الزمان..\" تونس. أو رحلات الشيخ الأفغاني والشيخ رشيد رضا المتضمنة وبشكل خاص كتاب \"أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك\" 1867 لخير الدين التونسي. ولا شك بالقيمة الكبرى التي تتضمنها هذه المؤلفات في التعريف بأوروبا وبإعطائنا فكرة عن نظرة العرب إلى الغرب في القرن الماضي. عدا عن التأثير والمناخ الفكري الذي تضمنته لجهة بث الفكر الأوربي عند المستنيرين العرب في المشرق أو في المغرب. عدا عن ذلك يمكننا أن نؤكد على الشمال جملة هذه المؤلفات على”إعجاب\" بأوروبا وحضارتها وإبراز ذلك بأشكال ومضامين مختلفة، إلا أن هذا الإعجاب والاندهاش كان طوعياً، إذا جاز التعبير، على عكس النصوص التي ننشرها هنا والتي تمت في ظل السيطرة الفرنسية. الرحلات الجزائرية: هذه الرحلات الجزائرية المنشورة هنا، وغيرها العديد مما لا يفسح المجال لنشرة، قد تمت بإشراف وتنظيم وعلى نفقة الإدارة الفرنسية، التي كانت تنقل وفوداً جزائرية إلى باريس في كلّ مناسبة من المناسبات الهامة كممثلين عن الشعب الجزائري للمشاركة في احتفالات أو أعياد أو استقبال.. إلى أخر المناسبات الممكنة. وكلّ واحدة من الرحلات المكتوبة كانت تطبع في الجزائر مع ترجمتها الفرنسية، وأغلب الظن أنها كانت تستغل كنوع من الدعاية للإدارة الفرنسية في الجزائر أو الحكومة في باريس نفسها. لذا فإننا نلحظ نوعاً من الإعجاب القسري أو المصطنع بالمدنية والحضارة الفرنسية. لكن هذا الإعجاب لم يكن قسرياً بمجمله، وما أدهش المصريين والسوريين واللبنانيين وغيرهم من العرب دون اصطناع أو ضغط، كان لا بد أن يؤثر بنفس النسبة على الجزائريين، إلا أن المبالغات التي تتضمنها الرحلات الجزائرية، تتلخص في تلك المدائح التي تكال لحكام العمالات وللضباط وغيرهم من رجال الإدارة الفرنسية. كذلك فإن ثمة ما يمكن أن يشار إليه بخصوص الرحلات الجزائرية، فكل واحدة منها كانت تتم خلال فترة أيام قليلة لا تتجاوز الثلاثة أو الأربعة أسابيع، بما في ذلك المدة التي يستغرقها الذهاب والإياب بحراً وبرّاً لهذا جاءت أحجام هذه الرحلات قصيرة: مع اقتصارها على ملاحظة وتسجيل المشاهدات العينية. دون التمكن من الغوص في داخل الحياة الفرنسية والتعرف على المجتمع في باريس. أو الأفكار وما شابه ذلك مما اعتنى بملاحظته الرحالة العرب الآخرون. وبمقدار ما تمتدح هذه الرحلات الإدارة الفرنسية. فإنها توضح لنا السياسة الفرنسية في الجزائر وبعض جوانبها التي لم تعد في الحقيقة غامضة. إلا أن هذه الرحلات ـ الوثائق تأتي لتدلنا بالشواهد على جوانب من السياسة الاستعمارية، فيشير صاحب الرحلة الثالثة” الوفد الجزائري من رؤساء العرب..\" محمد بن الشيخ الفغون في عبارة سريعة إلى تقسيم الوفد العربي نفسه إلى وفود: وهرانية وقسطنطينية وتونسية وغيرها إمعانا في تثبيت الوحدة الوطنية. أما صاحب الرحلة الثانية”أحمد ولد قاد” يرفع” عرض حال” يكشف فيه الغبن اللاحق بالعرب من جرّاء السياسة التي يتبعها الفرنسيون في الاستيلاء على أراضي المواطنين ومن خلال تسليط اليهود والسماسرة على المزارعين وأبناء القبائل لسلبهم أموالهم... ولم ينفع الإغراء الفرنسي بمنعه من المطالبة بحقوق مواطنيه. وسنحاول فما يلي أن نمر على كلّ رحلة لنبرز أهم ما تتضمنه: الرحلة الصيامية: استغرقت رحلة سليمان بن صيام” 35” يوماً فقط، بما في ذلك مغادرة مدينة الجزائر والعودة إليها. أما حجم” كتاب الرحلة فلا يتجاوز في النص الأصلي” العائد لعام” 1852\" سوى 28 صفحة من الحجم الصغير، تحتوي الصفحة الواحدة من النص ما يقرب من”15\" سطراً ويحتوي السطر ما يقرب من العشر كلمات. والرحلة مكتوبة بلغة عربية فصحى، خالية من العامية أو الدارجة، وليس فيها استشهاد بآية قرآنية أو حديث نبوي أو ما يشبه على عادة الكتابة في زمن التأليف، ولكن فيها استشهاد بأبيات شعرية للبحتري وغيره، مما يدل على ثقافة صاحبها. ويذكر المؤلف عدداً كبيراً من التفاصيل ومحاولته شرح ما يراه لقرائه، خصوصاً ما تعلق منها بالمكتشفات الحديثة.وقد رأى الكثير منها، ويمكننا أن نحصي الأشياء الجديدة التي رآها من خلال إحصاء المرات التي تتكرر فيها عبارة:” وذلك من أغرب ما رأينا\" التي تتكرر في كل صفحة من صفحات الكتاب تقريباً. هذا الوصف لأمور الحديثة والمكتشفات وجوانب من الحياة الفرنسية، سيضطره لإيجاد” عبارات” أو”ألفاظ\" ملائمة لوصف أو تسمية ما يريد الحديث عنه، ويمكننا أن نميز ثلاثة أنواع من هذه الألفاظ أو العبارات: (أ) نقل الكلمة أو العبارة الفرنسية إلى العربية كما هي. (ب) نحت كلمة عربية جديدة ليست معروفة سابقاً، أو استخدام كلمة معروفة ولكن ليس لها ذات المعنى الاصطلاحي الجديد الذي يقصده. (ج) اختيار عبارات عربية لتسمية ما يريد وصفه دون أن يأتي مطابقاً تماماً. بالنسبة للحالة الأولى” أ” نجد أمثله متعددة سنذكرها جميعها تقريباً، لكن لن ندخل بينها أسماء الأشخاص أو الأشهر أو المدن. بالرغم من أن كتابة بعضها قد اختلف فيما بعد، فهو يكتب ماي ومايوا ومايو مشيراً إلى شهر أيار (MAI) ويكتب فرانصة...الخ،. أما الكلمات التي ينقلها حسب لفظها الفرنسي دون تعريب فهي: الكلمة حسب النص - الكلمة الفرنسية- الاستعمال الحالي. ـ الفبرونور Gouverneur الحاكم. ـ الكولونيل والكرونيل والكرنيل. Colonel كولونيل، عقيد. ـ كروسة وكراريس. Carrosse عربة. ـ رودة. Roue إطار. ـ جنرال. General جنرال، لواء. ـ مريشال. Marechal مشير. ـ قبطان. Capitaine نقيب. ـ باباصيات. Popes باباوات. ـ السنيال. Signal إشارة. ـ اوتيل دوبرانس. Hotel des Prines نزل الأمراء. ـ جاردان دي بلانط. Jardindes plantes حديقة النبات. ـ بيضرم. Hippodrome ميدان سباق الخيل. ـ المنامسة. Allemagne ألمانيا. ـ مسكو. Russie روسيا. ـ بيروا. Berrou. ـ فسيانات. Offices ضباط. ونلاحظ أن بعض هذه العبارات قد تكرس وبعضها الغالب قد تغير استخدامه. أما العبارات والكلمات التي يحاول إيجادها: ـ محفل. Hotel نزل. ـ آلة. Machine آلة. ـ ثقب. نفق. ـ ساقية. Rainure مزلق. ـ حجر أسود، فحم الأرض. فحم حجري. ـ دخان. Vapeur بخار. ـ دخان. Gaz غاز. ـ ثاني كرسي. La seconde capital العاصمة الثانية. ـ شرائط الحديد. الخطوط السلكية. ـ قناطرة، قنطرة. Ponts جسور، جسر. ـ كبراء العساكر. Chefs militaries قادة الجيش. ـ اللعب. عرض. ـ أهل الدولة. رجال الدولة. ـ قبة من خرقه غليظة. منطاد. ـ تصاوير. Tableaux لوحات. ـ محل الوحوش. حديقة الحيوان. ـ المزاحون. المهرجون. ـ صهاريج. Bassins أحواض. ـ خصة. نافورة. ـ أماكن معدة للفقراء. مآوي. ـ العرس. الاحتفال. ـ دار التصاوير. Musee متحف. ـ إنسانا ميتاً يبس جلده. Momie مومياء. ـ غير مشتغل. Oisif عاطل. أما القسم الثالث” ج” فهو قليل نسبياً:
ـ أهل العلم في الدين المسيحي. Les docteurs رجال الكهنوت. ـ منبر. Estrade منصة. ـ محكمة الشرع. Palais de justice قصر العدل. ـ السلطان. الإمبراطور. ونلاحظ هنا استعارته للتعابير الإسلامية، ليعبر عما يقابلها في أوروبا أو في التعابير المسيحية. هذه هي الغالبية لمصطلحات سليمان بن صيام، تضيف بدون شك جديداً لدراسة تطور المصطلح العربي الحديث إثر الاحتكاك بأوروبا. والفائدة المجنية من الرحلة الصيامية ليست بالقليلة. أما الأفكار العامة التي تتضمنها الرحلة فإن طابعها العام هو الإعجاب والاندهاش بالمخترعات والمكتشفات والعلوم وهندسة البناء بالإضافة إلى القوة الفرنسية ؛ وبسبب اقتضاب الرحلة فقد جاءت أفكاره سريعة، لكنها لا تخفي ما تريد أن تعبر عنه. ويمكن لنا أن نسجل أولاً تلك التعابير والجمل العامة التي تفصح عن دهشته بتقدم العلوم والاختراع: وذلك اختراع عظيم. وذلك أغرب ما يكون مع استواء الطريق ووزنها بموازين الهندسة ـ فوقه قناطر تمر من تحتها المراكب في غاية العلو والإتقان ـ ولم ندرِ كيف يصنعون ـ ما عدا الدخان هو المدير لتلك الرودات حتى تسير السير المفرط. ويبدي نوعاً ثانياُ من الإعجاب، بحسن تنظيم المدن والبناء: فلما دخلنا إلى ذلك المتنزه وجدناه من أحسن ما يكون ـ دخلناها في يومنا ورأينا بها ما يستغرب من البناء المحكم العجيب ـ وتصاوير أخرى في حيطان تلك الدار بحسن الصناعة لا فرق بينها وبين الآدمي إلا بعدم الكلام ـ... هذه الدار في موضع وحدها يظن ناظرها أنها قرية ـ مدينة باريس... لا يمكن لشخص أن يستوعب جميع محاسنها ولو أقام السنين ـ هذه البلاد بأثرها لم نرَ بها موضعا ً خالياً من الغراسة الحراث ـ مشينا داخل القصر ثلاث وما رأينا ثمنه ولا عشره. أما النوع الثالث فهو تقدير حسن الأنظمة والقوة ومدح الفرنسيين على الجملة: لم نجد شخصاً غير مشتغل مع رفاهية عيشهم ـ لو اتّفق لبعض النسوة... تقطع المسافة من شرق البلاد إلى غربها من غير معارض ـ وكل صاحب فن من الفنون يجب أن يبتدع شيئاً لم يسبق إليه ـ إذ لو لم يكونوا ممتثلين، لما تمَّ الأمر من محاسن فرانسة وعمارتها وكثرة مدائنها ـ أن ملوك فرانسة لو اتصفوا بالظلم والجور وعدم الرفق بالرعية لما قدروا على تحصيل بعض الغرض من عمارة البلدان... الخ،. في الواقع، فإن رحلة ابن صيام لا تختلف عن غيرها من رحلات القرن التاسع عشر، إن لجهة الإعجاب بالحضارة الأوروبية، أو بطريقة وأسلوب التعبير عن ذلك. وإذا كانت رحلته قصيرة ولم تسمح له باستيعاب كافة الدروس التي استوعبها غيره، فإنه كان من الفطنة بحيث أمكنه أن يدرك المسألة الرئيسية في تقدم أوروبا، وهي أن هذا التقدم ليس مقتصراً على وجه واحد، قوة عسكرية مثلاً، بل يمتد إلى كافة نواحي الحياة. وقد أشار باقتضاب إلى النواحي المتعددة: تقدم العلم، تقدم الاختراع، الأمن، البناء والعمران، التنظيم في المدن، انعدام البطالة. رحلة أحمد ولد قاد: تتفق رحلة أحمد ولد قاد مع رحلة سليمان بن صيام في كونها تمت وفق رغبة الإدارة الفرنسية ؛ أما دوافعها: فمشاركة الوفود العربية في معرض يقام في باريس يخبرنا أنها المرة الثالثة التي يزور فيها هذه البلاد، وهذا قد أثر على نص الرحلة نفسه، فلا نلمح الاندهاش الذي نلحظه عند ابن صيام، فقلل المؤلف من وصفه للمعالم التي صارت عنده مألوفة إلى حد ما ؛ وعلى العكس من ابن صيام يركز على معالجة العلاقات بين العرب والفرنسيين. وهو لا شك يثني على الفرنسيين إذ فتحوا المدارس ليتعلَّم فيها أولاد العرب العلوم، ويذكر كيف أن الأهالي رفضوا المدارس في بداية الأمر خوفاً على دينهم، فيذكر هنا تفسيره لمعنى الدين ومقامه بين الناس:” وفي الحقيقة شرط الديانة هو أن الإنسان يحب لنفسه ما يحب لغيره ويكره لنفسه ما يكره لغيره فإذا كان على هذه الصفة وصفا قلبه، من أي دين كان، فهو من خيار قومه...” ولا بد أن نلحظ جديداً في موقفه” الديني” هذا، ففيه نبرة جديدة غير معهودة، هذا الموقف الذي يخلو من كلّ تعصب، والذي يترجمه في مناسبة أخرى بقوله:” فإن فضائل الله ليست محصورة في قوم، ولا مختصّة بيوم دون يوم”. ويلفت انتباهه شعار الثورة الفرنسية: حرية، إخاء، مساواة وهو يرى أن الألفة والمودة القائمة بين الأقوام المختلفة إنما مردها إلى هذه الكلمات الثلاث. لكن أحمد ولد قاد لا يذهب بعيداً في تفسيره لهذا الشعار ولا يجهد نفسه في إدراك مراميه وأبعاده وإنما يمتدحه بعبارات إنشائية كقوله:” يا لها من كلمات يحق أن تكتب بماء الذهب” ثم يردف قائلاً:” لما علمناه من حريتنا نحن العرب ومساواتنا مع النجباء أولاد فرنسة” وتلفت انتباهه في معرض باريس الصناعات الحديثة التي:” كل شيء منها على حدة موضوع الإتقان والتحكيم وكل شيء يستخرج بالآلات والحركات العقلية” والحركات العقلية عنده هي كل صناعة تقوم على الآلات، ومثال على ذلك:” فترى الصوف مثلاً في محل مجملها تخرج خيطاً، ثم يصير ملفاً جيداً ومتوسطاً وأدنى، فتقول أين المشط وأين المغزل وأين المنسج...”، والحركات العقلية يمكنها أن تصنع المستحيل والمستغرب: وأغرب من هذا أن النار والماء ضدان، والضدان لا يجتمعان، فرأينا الثلج يستعمل من نار وماء بالآلات والحركات العقلية”. وتجري الرحلة على منوال سابقتها، إلا أن ولد قاد يبالغ أكثر في مدح الفرنسيين، ومع ذلك فإن مدحه هذا لم يمنعه من أن يكتب في نهاية رحلته” عرض حال” يضمنه بضعة مطالب هي كما يلي: توسط السماسرة واليهود بالدراهم المتجاوزة الحد. تضييع الوقت بالإطالة والترداد. مصاريف الطريق البعيدة. عدم المعرفة بأمور الشريعة. وتختص هذه المسائل المذكورة بقضية شراء الفرنسيين للأراضي وما نتج عنه من غبن بحق المواطنين وأصحاب الأرض الأصليين، من جرّاء سرقة السماسرة واليهود لمال المواطنين وما ينتج عن إحالة الدعاوى إلى المحاكم من تضيع مال ووقت الفلاح، عدا عن كونه يجهل أمور”الشريعة” أي القانون، فتضيع حقوقه مرة أخرى. يقول”المؤلف” موضحاً موقفه:” نعم، ومن الناس من هو ضعيف لا يملك غير شيء قليل من الأرض قدر معيشة عياله فقط فيدخل في الحملة وتنزع بلاده من يده فيصبح عارياً من الحراثة التي هي حرفته أباً عن جد، ويصير ميتاً، لم يغير هذا مما يؤدي إلى خراب العرب وحرجهم...\" بل إن لهجته في نهاية حديثة لا تخلو من التحذير والغضب فيقول:” أفلا تكن مصالح العرب الذين عددهم يشتمل على نحو الثلاثة ملايين تستحق النظر أكثر من مصالح الأورباويين الذين عددهم يشتمل على نحو المائتين وعشرين ألفاً، وبأي وجه يحرم التماس الثواب منهم للاستئثار معهم في المصالح العمومية أن كانوا في رفقة الأخوة والمساواة كما هو الزعم ؟”. وهذه الفقرة لا تخلو من الوضوح ومن التعبير عن موقف المؤلف الفعلي والصريح تجاه المستعمر والأوروبيين الذين يدّعون العمل بالمساواة لفظاً... وذكره لمصالح العرب الذين يشكّلون الأكثرية أثبت جدواه على المدى البعيد ؛ ويمكننا أن نستنتج أن مدحه للفرنسيين لم يكن إلا مداراة واتقاء للشر. وفي نفس الوقت فإن إعجابه بالتقدم الفرنسي لم يكن مخادعاً، بل يعكس التناقض الذي عاشه الكثيرون، بين تقدم وحرية أوروبا في الداخل وعدوانها وهمجيتها في الخارج. وليس” كتاب رحلة ولد قاد” إلا تعبيراً بدائياً عن ذلك. رحلة الوفد الجزائري: أما رحلة محمد بن الشيخ الفغون القسنطيني المسماة:” الوفد الجزائري من رؤساء العرب ورحلتهم إلى محروسة باريز” فقد جاءت مقتضبة إلى أقصى الحدود، خالية من الوصف الدقيق الذي نجده في الرحلتين السابقتين لبعض الصناعات والمخترعات والأبنية الضخمة. ولا تسجل هذه الرحلة سوى الوقائع من ذهاب ووصول وإقامة وعودة، مع استحسان ورضى الؤلف لكل شيء شهده ورآه. أما مناسبة الرحلة فزيارة قيصر الروسيا لفرنسا واستقبال رئيس الجمهورية له، وما جرى من احتفال واستعراض للجيش بهذه المناسبة. وقد تكون هذه الرحلة أقل أهمية من سابقتيها، إلا أنها تكمل الهدف في إعطائنا فكرة عن رحلات الجزائريين إلى باريس والكيفيات التي كانت تتم بها.
لن نطيل الحديث عن هذه الرحلات التي بإمكانها أن تشرح نفسها بنفسها، ويجب الإشارة قبل نهاية هذا التقديم إلى جملة أمور تتعلق بالنصوص الأصلية لهذه الرحلات: ـ جميع هذه النصوص موجودة في” المكتبة الوطنية” في باريس تحت أرقام مختلفة. ـ رحلة ابن صيام مضمومة إلى مجموعة من رحلات أخرى بلغات مخلفة. وهي مطبوعة في الجزائر مع ترجمتها الفرنسية. ـ رحلة أحمد ولد قاد مصورة تصويراً ومكتوبة بخط يد صعب القراءة. رحلة الفغون مطبوعة مع ترجمتها الفرنسية: وفي جميع الرحلات الثلاث نجد أخطاء، إملائية خصوصاً في كتابة الهمزة التي تكتب”ياء”. أما الفاء فتكتب: ب والقاف: عدا عن ذلك، فإننا نرجو أن تحمل هذه النصوص جديداً للمهتمين والمشتغلين بتاريخ وآداب القرن التاسع عشر، خصوصاً أن المشرقيين قليلو الاطلاع على النصوص المغربية، وفي الفترة المذكورة على وجه التحديد. خالد زيادة
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|