مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

سبع سماوات (رحلات في الجزائر والعراق والهند والمغرب وهولندا ومصر)

تأليف : سعد القرش

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لسعد القرش (1)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
للمؤلف: سعد القرش\r\nجائزة الرحلة الصحافية
2008-2009
مقدمة
هذه فصول كتبت عقب الأسفار، عنوانها التلقائية. لو كنت أعي أنها ستجد طريقها لتستقر فصولا في هذا الكتاب لأعطيتها اهتماما لائقا يتجاوز كثيرا فكرة رد جميل.. إلى مكان أو بشر شاءت المصادفة أن يكونوا رفاقا أو أصدقاء دائمين.
فهل أقول إن المصادفات وحدها هي التي صنعت هذا الكتاب؟
لست مولعا بالسفر، ليس خوفا من خطر الموت المرتبط بالحوادث؛ ففي مصر أصبحت النجاة من موت متربص بمواطنين زائدين على حاجة النظام الحاكم أعجوبة نفوز بها كل مساء، حين نعود إلى بيوتنا سالمين. الطرق في مصر شباك لاصطياد الأرواح بيد ملاك الموت. وقد عودت نفسي كل يوم على توقع الموت.. قبل النوم، قبل الذهاب إلى العمل، قبل الانتقال من القاهرة إلى أي مدينة أخرى، قبل السفر إلى الخارج. أستعد للموت وأنا في سلام مع النفس، ومع الآخرين حتى الأعداء أو الذين يتصورون أنهم كذلك؛ فلا تخلو حياة إنسان من عداوات، لكنني لا أكره أعدائي، وإنما أستبعدهم من مجال الرؤية، كأنهم غير موجودين، فلا محبة ولا كراهية.
لكنني قبيل كل سفر أتمنى إلغاءه. أشعر بالانقباض. حدث مرتين أن عدت من المطار وأنا في طريقي إلى بلد خليجي، وكنت سعيدا، لم يكن مصدر السعادة فوزا بحياة أو استبقاء لبعضها أو رهبة من الموت، لكنه إحساس غامض لا أعرف له تفسيرا. لا أدري هل يمثل جواز السفر وثيقة انتقال إلى دولة أخرى، أم استقبال موت ينتظر خلف الحدود. الموت نفسه لا يعرف حدودا سياسية، وهو أكثر جرأة، فلماذا لا نواجهه ونكون أكثر شجاعة لكي يرتدع ويتأخر قليلا.
أول جواز سفر انتهت مدته (سبع سنوات) بدون أن أستخدمه. وقد مزقته عام 2000 حين استخرجت جواز سفر جديدا.
في عهد الجواز الأول دعيت عام 1995 لحضور مهرجان المربد في بغداد، ورفض رئيس التحرير. ومن المفارقات أن أستخرج جواز السفر الجديد تحت إلحاح دعوة ثانية إلى العراق عام 2000، ولمهرجان المربد الشعري السادس عشر (15-21 نوفمبر/ تشرين الثاني 2000). تضمن خطاب الدعوة أن إدارة المهرجان تذكر بأنه «بسبب الحصار الظالم المفروض على العراق تتحمل نفقات النقل من عمان إلى بغداد وبالعكس»، على أن يتحمل الضيف نفقات السفر إلى عمان. كانت حماستي كبيرة، ولا أزال أحتفظ بإيصال بثمن تذكرة الطائرة إلى الأردن (712.5 جنيه مصري/ يوم 14 /11 / 2000). في حين سبقني الأصدقاء المصريون بالطريق البري.
في بغداد التقطنا شاعر من جيلنا، نحيل بلا ظل، أجهد نفسه كثيرا في تذكر نكات مصرية ليضحكنا بها، ولازمنا في جولات اقترح أن نقوم بها، إلى معالم ومطاعم وملاجئ. لم يكن يفارقنا إلا آخر الليل، وأحيانا يبيت في غرفة أحدنا بالفندق. حدثنا عن تعرضه للسجن وشقائه وقلة حيلته وهوانه على الناس، واضطراره لبيع أثاث بيته، وأنه لا يجد حتى ثمن السيجارة. كان يقترض السجائر إلى جانب دعواتنا له إلى الطعام والشراب في أي مكان، فالغريب يملك الكثير في بلد مثل العراق في نهاية عهد صدام حسين.
ذات ليلة ونحن نشرب في غرفة أحدنا بالفندق، بدا الشاعر عدميا غير مبال، وظننته حر الخيال، في حياته كما في القصيدة، وتطرقت في الكلام إلى غزو الكويت، فنهاني عن الخوض في هذا الأمر:
ـ لا تقل: الغزو. قل: الاستعادة.
وتساءلت ببراءة، وأنا أنحي بعض الصحف الحافلة بصور صدام:
ـ أمركم عجيب يا أخي؟ كيف تحتملون مثل هذا الرجل؟
فانتفض من ظننته غائبا عنا، منتشيا بشراب مجاني، قائلا بصيغة حاسمية وبعربية فصحى:
ـ أرجوك، لا تقل: هذا الرجل. قل: السيد الرئيس.
فتدخل الأصدقاء المصريون مقترحين أن نتجنب الكلام عن «الزعيم المفدى»، لكن الموقف كان فاصلا بين التلقائية والرعب.
فيما بعد، وحين اختلطت المفاهيم، وحمل أحد أحياء بغداد اسم «9 نيسان» (تاريخ الاحتلال الأمريكي للبلاد عام 2003)، عنوانا للاحتلال تحت راية التحرير الوهمي، سمعت أن هذا الشاعر ودع مرحلة بأكملها، وانضم إلى صف المنددين بدكتاتورية صدام، وازداد امتلاء، في زمن صار فيه امتلاك سيارة ضرورة شخصية وواجبا مرحليا.
أيامي في العراق كانت كابوسا. كانت صور صدام في شبابه، بنظرته الواثقة المتحدية، تطارد الناس، مواطنين وزائرين، يضطرون لإثقال قلوبهم بصوره التي تحملها عملات ورقية توزن بالكيلوجرام. صورة الرئيس في عشرينيات عمره. ليت أحدا نصحه بأن صوره الغزيرة في تلك السن نذير شؤم، إذ تحوله إلى شخص تأكد لأهله أنه أصبح في حكم الميت أو الغائب، فأرادوا أن يحنطوا تلك اللحظة الغاربة من حياته.
في السفر أبحث عن مصر التي أحلم بها. من حق أي إنسان أن يرى بلده الأجمل. ولست مبالغا إذا قلت إن مصر هي الأبهى. دائما أقول لأصدقائي من غير المصريين إن القاهرة، بصرف النظر عن أي اسم تحمله عبر العصور، خلقها الله على مهل، في هذا المكان، ثم خلق مصر بحدودها التي لم تتغير منذ عام 3100 قبل الميلاد، ثم خلق الدنيا. أقسو على مصر لأنني أغار عليها، وقسوة المحب واجبة دائما. أكاد أتشاجر مع عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902)، وأصرخ فيه: نحن شعب طيب وراق، فمن أين يأتي الجهلاء المستبدون إلى سدة الحكم؟، أستحلفك بكل غال عشت وقتلت من أجله أن تراجع بعض أفكارك، خاصة ما ذكرته في كتابك (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) إذ تقول: «وإذا سأل سائل، لماذا يبتلي الله عباده بالمستبدين؟ فأبلغ جواب مسكت هو: إن الله عادل مطلق لا يظلم أحدا، فلا يولي المستبد إلا على المستبدين. ولو نظر السائل نظرة الحكيم المدقق لوجد كل فرد من أسراء المستبدين مستبدا في نفسه، ولو قدر لجعل زوجته وعائلته وعشيرته وقومه والبشر كلهم، حتى ربه الذي خلقه تابعين لرأيه. فالمستبدون يتولاهم مستبد، والأحرار يتولاهم الأحرار، وهذا صريح معنى: كما تكونون يولى عليكم».
لا أشغل نفسي كثيرا بتأمل غرائب الأماكن، ولا تبهرني البنايات الفخمة، إلا بقدر ما تحمل من الملامح النفسية للذين شيدوها، كأنني أراقبهم، أردد غناءهم، وأحنو عليهم فأحتمل بعض شقائهم، وأمسح عرقا يتصبب منهم، ويتشكل حجارة لها رائحة البشر. يروي محمد البخاري أنه دعا الشاعر التركي ناظم حكمت، حين زار مصر عام 1962، إلى دخول مسجد السلطان قلاوون بالقاهرة، لكنه «أمسك بيدي ليخرجني متعجلا، وهو يقول لي: معذرة يا أخي إن تركيا مليئة بمئات من هذه المساجد، والأبنية هي الأبنية في كل العالم، إن ما أريده هو أن أستمع إلى نبضات الناس، إلى كلماتهم، أن أتبين وميض بسماتهم، وهنا لمح طفلين يتهامسان إلى جنب زوجته الشقراء الروسية، فتورد وجهه وانحنى يحدثهما متوسلا أن أترجم له كل ما يقولان». (ناظم حكمت: أغنيات المنفى. ترجمة وتقديم محمد البخاري. ط2 القاهرة 2002).
أكرر ما بدأت به هذه المقدمة: كتبت هذه الفصول بتلقائية عقب كل رحلة، وفكرت في إعادة كتابتها تمهيدا للنشر في هذا الكتاب، ثم تراجعت؛ ففي إعادة النظر في الكتابة الطازجة لا تكون الرحلة هي الرحلة، ولا أنا أنا، بل شخصا آخر يكتب عن رحلة الرحلة والذات بعقل منهجي بارد، وبطبعي لا أحب البرود، في البشر أو الكتابة التي أحبها متوهجة نابضة بالدماء. لن أعيد كتابة الفصول، حتى لا أحذف الكثير منها، أو أنسف فكرة الكتاب أصلا، وحسبي ما ذكره العماد الأصفهاني: «إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جُملة البشر».
سعد القرش
الهرم
8/1/2008

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لسعد القرش1 كتاباً
سبع سموات

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار