البرنس في باريز 1913
تأليف : سعيد الفاضلي
الولادة : 1960 هجرية الوفاة : 2004 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
محمد المقداد الورتتاني حرّرها وقدّم لها د. سعيد الفاضلي المقدمة هو محمد بن الناصر بن عمار الورتتاني نسبة إلى قبيلة ورتتان من بربر جنوب الكاف قرب مدينة أبة( ) بتونس، \"بضم أوله وتشديد ثانيه والهاء: اسم مدينة بإفريقية بينها وبين القيروان ثلاثة أيام، وهي من ناحية الأربس، موصوفة بكثرة الفواكه وإنبات الزعفران\"( ). ويوهم كلام الزركلي السابق أن أصل الورتتاني بربري، بينما هو نفسه يقول عن أهله إنهم من ذرية عيسى بن الأكحل من الساقية الحمراء بالمغرب الأقصى( ). ويضيف معرفا بقبيلته و أجداده: \"ولقبيلنا امتياز بانتحال العلوم والأخذ بطرق الصلاح، وجدنا الأعلى هو علي بن القروي صالح تلك الجهة... وابنه القروي جدنا الأدنى هو عالم جهته وثقة نشأته\"( ). وأضاف أنهم كانوا \"مستوطنين بين قبائل أبة والقصور وشرقي فحص مرماجنه وجبل الحناش\"( ). ولا تشير المصادر التي اعتمدتها إلى سنة ميلاده، غير أن إشارة وردت في الرحلة تؤكد أنه ولد قبيل احتلال فرنسا لتونس 1881م. يقول أثناء حديثه عن مرور عساكر فرنسا ببلدته وسير والده وبعض الأعيان في ركاب حملة الاحتلال إنه كان دون الاثعار، بدأ في التعلم( ). درس بجامعة الزيتونة، وذكر أنه زاول \"علمي التاريخ والجغرافيا باعتناء المدرسة الخلدونية\"( ). ومن أبرز من تلقى عنهم محمد ابن الخوجة( ) والبشير صفر الذي ترأس بعثة المدرسة الصادقية إلى فرنسا( ) كما تولى رئاسة الأوقاف( ). وسيدي محمد النخلي القيرواني الذي أخذ عنه اللسان والمنطق والعروض( )، وسيدي الصادق ابن القاضي الذي أخذ عنه أصول الفقه( ). كما ذكر من أساتذته الشيخ سالم بوحاجب( ). ومن مؤشرات نشاطه الأدبي ومشاركته العلمية عضويته في النادي الأدبي للشيخ الخضر حسين( ). ومن المناصب التي تولاها محمد المقداد الورتتاني: نائب الأوقاف بالقيروان( )، مدرس متطوع بالمسجد الأعظم( ) كما كان مستشارا في مجلس مستشفى القيروان( ). وتنم مضامين رحلته هذه عن ثقافة تراثية غنية، وخاصة التاريخ، وعن إلمام باللغة الفرنسية( ) وتاريخ فرنسا، وهو أمر عاد بالنسبة للفترة التي نشأ فيها الورتتاني، إذ أصبحت اللغة الفرنسية بعد الاحتلال هي اللغة الوحيدة للتعلم( ). وقد اعترف له بعض المستعربين ممن حاورهم أثناء رحلته بحسن الاطلاع على تاريخ فرنسا مبديا سروره بذلك( ). وتوفي محمد المقداد الورتتاني سنة (1371هـ ـ 1951)( ) عن حوالي سبعين سنة( ). وقد خلف مجموعة من المؤلفات: • المفيد السنوي، في جزءين.( مطبوع). • رسالة في تاريخ الشابية بالقيروان. • دراسة في تاريخ الأطعمة التونسية في العصر الحفصي. (مخطوط). • الرحلة الأحمدية.(مطبوع ). وهي في وصف رحلة أحمد باشا باي إلى فرنسا( ). كما ذكر أن له رسالة عن حمة قربص( ). • البرنس في باريز، وهي رحلته إلى فرنسا وسويسرا وإليها يساق الحديث فيما يلي.
البرنس في باريز: يمثل هذا الكتاب امتداداً لمتن رحلي تونسي إلى أوربا أثيل نتج عن انفتاح مبكر لهذا القطر في القرن التاسع عشر على الآخر الأوربي مقارنة مع باقي أقطار الشمال الغربي لإفريقيا. حيث عَمَّ لدى النخبة المثقفة إذ ذاك الشغف بتلقف الأحاديث عن أوربا وأخبارها من أفواه الذين سمحت لهم الفرص النادرة بالسفر إليها... كما شاع الإقبال على مطالعة ما ظهر من كتب الشرقيين الذين سبقوا إلى التعرف على الحياة الغربية ودونـوا وصفها وجهـروا بالدعوة إلى الاقتداء بمحاسنها في الكتب التي وضعوها عن رحلاتهم وطبعت في المطابع المصرية، وأهمها رحلة الشيخ رفاعة الطهطاوي\"( ). ومن أهم ثمرات هذا النتاج الرحلي التونسي نذكر: 1. رحلة أحمد باشا إلى فرنسا 1846م، وقد قام أحمد بن أبي الضياف بتدوين ملاحظاته عليها \" وعلى عمران فرنسا ورقي الأخلاق فيها وازدهار الاقتصاد وغيرها\"( ). 2. أقوم المسالك إلى معرفة الممالك، خير الدين التونسي، وطبعت بتونس سنة 1867( ). 3. رحلة باي تونس إلى فرنسا، محمد الخيار، تونس، 1895( ). 4. الرحلة الناصرية، محمد بن الخوجة، وهي رحلة باي تونس إلى فرنسا سنة 1895، طبعت بتونس( ). 5. الاستطلاعات الباريسية، محمد السنوسي \" في رحلته إلى باريس 1889، تونس 1310ـ 1892( ). 6. الرحلة الأندلسية، علي الورداني التونسي، نشرت بجريدة الحاضرة التونسية( )، وهي تسجيل لرحلته سنة1888 إلى إسبانيا في بعثة علمية رفقة العلامة محمد محمود التركزي الشنقيطي( )، وذلك أن السلطان عبد الحميد لاهتمامه بكتب العربية الموجودة في إسبانيا بعث الشنقيطي لتسجيل قائمة بأهم الكتب الموجودة بها( ). وجدير بالذكر أن إيراد هذه العناوين تمثيلي فقط لا يروم الاستقصاء بقدر ما يتوخى تجلية المناخ الذي كتبت فيه رحلة \"البرنس في البرنس\". وهذه الرحلة تدوين للسفر الذي قام بها محمد المقداد الورتتاني إلى كل من فرنسا وسويسرا سنة 1331هـ ـ 1913م، وزار خلاله 18 مدينة( )، وكان برفقته الشيخ أحمد ابن السعيد، وهو مثقف ومتقن للفرنسية( ). وقام بطبعها بالمطبعة الرسمية بتونس في السنة الموالية (1332هـ: 1914م). ودامت الرحلة شهرا كاملا، إذ صرح أنها \"لم تتجاوز أيامها في تراب العدوة الشمالية شهرا واحدا\"( ). كان نصيب باريس منها ثلث هذه المدة( ) إذ أقام بهذه المدينة 12يوماً( )، كما يسعفنا نص الرحلة بعدة مؤشرات محدِّدة لزمانها كقوله إن يوم 8 جوان هو اليوم الثالث من الرحلة( )، مما يعني أن بدايتها كانت يوم 5جوان 1913م. أما نهايتها فكانت بعد حوالي شهر( ) من ذلك إذ يشير إلى أن تاريخ رجوعه هو 7جويلية( ). وتضافر عاملان دفعا بالورتتاني للقيام برحلته هذه، أولهما الرغبة في التعرف على فرنسا واستطلاع عوائدها وحضارتها بما يفيد وطنه تونس( )، والثاني هو الاستجابة لدعوة بعض أصدقائه في كل من فرنسا وسويسرا( ). أما كتابة الرحلة فقد حثه عليها أصدقاؤه من المثقفين سواء قبل سفره أو بعده، فقد أهاب به بعضهم أن يسجل مشاهداته ويلخصها في محاضرة يعقبها نشر( ). وقد وطن الكاتب النفس على الاستجابة لهذه الرغبة فعمد إلى تدوين بعض مواد رحلته\" بمفكرة السفر\"( )، غير أن تزامن عودته مع زمن الحر جعله يؤخر تحريرها إلى فصل الشتاء . واستمرت هذه العملية سنة كاملة، يقول الورتتاني في ختام الكتاب: \" نجز بعون الله في مثل شهري الرحلة، رجب وجوان، من العام الموالي سنة 1332هـ / 1914 ما توخينا رسمه وانتخبنا رقمه\"( ). وقد أهدى الكاتب رحلته إلى الشيخ سيدي الطاهر ابن عاشور قاضي قضاة المالكية بتونس( )، إذ جعله بمثابة التهنئة بهذه الولاية بدل \"قصيدة من الشعر الذي أكثر له منه أرباب الود والأدب\"( ). ولا بد لنا، ولكل قارئ، من وقفة عند عنوان الرحلة غير العادي \"البرنس في باريز\": البرنس، بالضم\"، كل ثوب رأسه منه ملتزق به دراعة كان أو مِمْطراً أو جُبة، يقال إن اشتقاقه من البرس: القطن\"( ). والدراعة ضرب من الثياب وقيل جبة مشقوقة( ) ويطلق عليه في المغرب أيضاً السلهام: لباس كالمعطف له غطاء للرأس وليست له أكمام( ). ويعرف الورتتاني في رحلته البرنس بما يشابه ما سبق مضيفاً أنه \"من الثياب الموضوعة على الأكتاف كالدرع\"( )، وأنه \"في الحواضر يوضع على الأكتاف، على ما فيه من المشقة وإشغال اليدين، وفي غيرها يسلك في العنق على الطريقة الأولى له\"( ). ويبرر الورتتاني تضمين اسم البرنس في عنوان رحلته قائلا: \"لما كان هو الوحيد شهرة في المملكة عنونت به كتاب الرحلة ليعلم بمجرد سماع الاسم مرجع جنسية ووطن صاحب الرحلة\"( ). وقبل ذلك يؤكد أن البرنس إلى زمن كتابة الرحلة \"عام في طبقات المملكة التونسية، حتى أن من كانت وظيفته تقضي عليه بلباسها الخاص بها فإنه يتبرنس في أوقات راحته وخلواته( ). على أن هناك أسبابا أخرى تعضد هذا الاختيار منها أن البرنس في أوربا محترم وعزيز وغريب في نفس الوقت( )، هذا بالإضافة إلى اختصاص البرنس بالسفر، يقول الورتتاني: \"ولعل البرنس والقفطان( ) صارا في تنازع فاقتسما الأمر، فالبرنس للسفر، وهو المناسب للركوب وكثير المنافع في الحر والقر، واختص القفطان بالإقامة والحواضر\"( ). وقد أشاد صديق أحمد الرحالة المصري في تقريظه الرحلة بالبرنس والتزام الورتتاني به في فرنسا قائلا:
مهما أقام ومهما حـلَّ في أُمـمِ وهل جمـالُ الفتـى في غير مَلْبَسه
فالبرنس الحلو في باريز ذو قِيمِ( ) فاحفظْ شٍِِِِِِِِعارك والْزَمْ ماعُرفتَ به
ومما يميز \"البرنس في باريز\" تضمنها توثيقا فوتوغرافيا هاما وكثيفا( ). وقد حقق الورتتاني ذلك تطبيقا للشروط التي يرى لزوم توفرها في الرحالة، والتي خصها بفصل كامل( ). فمن هذه الشروط حمل القلم واستعماله \"فيكتب به الراحل كل ما يرى أو يسمع، حتى إذا عاد وجد خزينة كبرى من تلك المفكرات يستمد منها لتحرير كتاب رحلته بأصح مصدر وأوفى بيان\"( ). واصطحاب آلة التصوير التي سماها مرآة التصوير\" التي تمثل إلى العين ما لا يقدر القلم على وصفه، يأخذ بها المسافر صور البلدان والأشخاص والأشجار والأنهار والجبال والمعامل\"( ). وتتصدر هذه المادة التوثيقية الفوتوغرافية صورة المؤلف وخريطة مبينة لمساررحلته( ). وجدير بالذكر أن المؤلف لم يكتف بما أخذه بنفسه من صور، بل عمد التزود بوثائق وصور من أفراد وهيئات أشار إليهم جميعا في كلمة الشكر في ختام الرحلة إذ يقول: \"وقبل أن أضع القلم من كتب ملحقات هاته الرحلة أشكر الجمعيات والأفراد الذين أمدونا بما رجوناه منهم من المعونة على تحرير مسألة أو نقل صورة وإعارة طوابع بعض المناظر كإدارة ليزانال في باريز، وشركة ل ل وشركة ن د بواسطة أصحاب المطبعة الفرنساوية بتونس مسيو نمورا وبونيسي. وجمعيات تقدم البلدان في مرسيليا وكرونوبل وارياج وإيكس ليبا وجنيف ومقاطعات الرون. وعائلة دالبيرتو في كرونوبل، والمسيو رونز في فاراين انركون، والمسيو بول ناظر مدرسة اللغات الشرقية بباريز والمسيو كابار بمجلس السينات، والمسيو ناظر اللابرا والمسيو كيوم في إيسودان، وعائلة دوبوردايز في طولوز، والدكتور إمان في مونبليي\"( ). وختمت الرحلة بتقريظ لصديق أحمد وآخر كان نشر في جريدة الزهرة تضمن قصيدة للشاعر صالح سويسي مطلعها:
فـقوض الرحل إن العز في السفر( ) قل سيروا في الأرض، تحريضٌ لمعْتَبِِِِِِر
ويحفل الكتاب بالإحالات على رحالة سابقين قدماء ومعاصرين للورتتاني، وكثيرا ما اقتطف من رحالة تونسيين سابقين لجيله بقليل أو مجايلين له زاروا أوربا، ونذكر في هذا الإطار خير الدين التونسي ومحمد الخضر حسين ومحمد ابن الخوجة و محمد السنوسي وغيرهم. وقد ختم الكاتب رحلته بما يشبه دليل السفر للمتوجه من مواطنيه إلى أوربا متوقفا فيه عند أدق الجزئيات والمحاذير( ). مضامين الرحلة: تعد رحلة \"البرنس في باريز\" من أغنى الرحلات العربية إلى أوربا في القرن العشرين مادة ومن أشملها وصفا وأكثرها دقة وتقصيا. وقد استهلها صاحبها بمقدمة مسهبة تتخللها استطرادات طويلة استقصى فيها الأسباب الذاتية والموضوعية المختلفة الداعية إلى السفر( )، ووضع لتدوينها خطة تقوم على انتخاب ما دونه \" بمفكرة السفر واستحضره الفكر مما سمعته الأذن ووقع عليه البصر، وكذلك ما نفثته القريحة أو جادت به الحافظة مما له علاقة بالموضوع، أو مناسبة تهم المشروع\"( ). ولعل ذلك هو ما يبرر استطرادات المؤلف المتنوعة، وخاصة منها التاريخية والجغرافية سواء ما تعلق منها بأوربا أو البلاد العربية، وهو أمر يتناسب و تأكيده ضرورة استعانة الرحالة بهذين العِلْمين( ). وَخَصَّ الورتتاني مدينة القيروان بنصيب الأسد من استطراداته لأن الحديث عن هذه المدينة عنده \"متى عنت المناسبة هو طرف من تلك الحملة، وقوس دائرة الرحلة\"( ). بل هو من صميم مسار الرحلة حتى يكون الكلام شاملا لمبدإ خط السفر ومنتهاه\"( ). والملاحظ أن الورتتاني غالباً ما يستدعي التاريخ العربي ومعالمه أثناء توقفه عند المنجزات الأوربية من طائرات ومكتبات ومستشفيا ت وغيرها. وهو كثيراً ما يستشهد بكلام ابن خلدون في تفسير الظواهر السياسية معتمداً نظريته في العمران البشري والعصبية( ). كما أنه حلى رحلته بمتن شعري كبير تعود جملة معتبرة منه لصديقه الشاعر صالح سويسي المتوفى سنة 1941م( ). وورد لدى الزركلي أن ديوانه غير مطبوع( )، في حين أنه مطبوع بتونس سنة 1911 بعنوان \"زفرات الضمير\"( ). هذا بالإضافة إلى شواهد شعرية من مختلف العصور يوردها الورتتاني كلما اعتبرها مناسبة للسياق، فضلا عن أشعار له هو، وإن كانت قليلة( ). وزيادة على وصف المدن والقرى التي حل بها وحال سكانها وعاداتهم( ) والمقارنة بينهم أحيانا، تطرق الورتتاني لوصف معالم كثيرا ما تكرر ورودها في رحلات العرب إلى وفرنسا بصفة خاصة كمدينة باريس ومدرسة اللغات الشرقية( ) التي وصف ماجريات امتحان حضره بها، والمكتبة الوطنية بباريس( )، ومتحف اللوفر( )، والمسلة المصرية( )، والتروكاديرو( )، وكنيستي نوتردام ولامادلين( ) والأوبرا( ) وغيرها. وقد استقصى تاريخ كل هذه المعالم ومكوناتها وطريقة عملها بتدقيق مثير. وهو في أغلب المواضيع المطروقة مولع بإيراد الإحصاءات مما يبرر كثرة الجداول المتخللة للرحلة. بعد إنهاء المقدمات يستهل الورتتاني رحلته بتبرير شَدِّه الرحال إلى أوربا مجوزا إياه ما دام الإنسان \"آمناً على نفسه ودينه وماله\"( )، ويبدو بذلك داخلاً في جدال فقهي يخص حلِيِّةَ السفر، إلى أو الإقامة، في بلد الكفر باعتبارها دار حرب، وضرورة هجر المسلم لها قياساً على هجرة النبي صلى الله عيه وسلم مكة( )، وعضد الورتتاني موقفه بالاستشهاد بسفر العلماء والسفراء إلى الممالك غير الإسلامية. بل أخذ على المتأخرين عدم فهمهم لما وصفه العلماء الأوائل بدار الحرب إذ تلقفوا كلامهم، في نظره، \"بدون إمعان النظر فنزلوا المسألة على السفر لغير بلاد الإسلام مطلقا، وغضوا النظر عن كلمة دار الحرب. فإن دار الحرب هي بلد القوم العدو الذين بيننا وبينهم القتال بحيث من ظفر منهم بواحد منا كان غير آمن على نفسه وماله\"( ). وواضح أن تعامل الورتتاني مع الفرنسيين( ) هو الذي أملى هذا الفهم عليه، ومعلوم أن دار الحرب \"هي بلاد المشركين الذين لا صلح بينهم وبين المسلمين\"( ). إلا إذا اعتبر المؤلف معاهدة 1881 صلحا، وقد ساق مجموعة من آراء الفقهاء منها كراهة السفر إلى بلد الكفر إذا لحقت المسافر مذلة( ). ونسجل توقا من المؤلف طيلة الرحلة إلى التواصل مع أوربا واعيا بتخلف بني جلدته. بل هو يتمنى، وهي أمنية لها سمة رمزية دالة، لو صار البحر المتوسط \" كله يبسا أو جعل له نفق تحت الأرض بين إفريقيا وأوربا... لتسريح أمم القارات من ويلاته وأرباب الأسفار من نكباته... وتتعارف الأمم المفرق ما بينها بحد سيفه... ويرى كل فريق صاحبه عيانا ويتعرف لغته وخلقه وعوائده وتنقشع سبل الوهم من بعض أفكار قوم في احتقار قوم آخرين\"( ). ويسجل الورتتاني انتشار الحضارة في كل أنحاء أوربا إذ \"لا يخلو بلد من آثار مع مكتب للتعليم ومعبد ديني ومستشفى صحي ومحل للتمثيل ونُزُل للمسافرين\"( ). وقد لخص مجالات إعجابه بأوربا في: 1. عمران الأرض وخضرتها( ) إلى حد اعتبار فرنسا كلها بستانا واحدا( )، وهو أمرمألوف في رحلات العرب إلى أوربا متكرر الورود فيها مما لا يحتاج معه إلى التمثيل. 2. انتشار المعرفة وتعميمها( ). 3. الانكباب على العمل المتواصل. 4. حسن معاملة الغريب( ). 5. وقد خص باريز بأكبر إشادة إذ أعجب بحركتها الدائبة وكثرة سكانها وغناهم، وبوسائل النقل وسريان النظام بها( )، وذوق أهلها في المنازل والملابس( ). كما أبدى إعجابه بجنيف ونظافة سويسرا بصفة عامة( ). على أن أهم ما يستوقفنا من مواقف الورتتاني من حضارة البلاد المزُورَة ومعالمها: ـ موقفه الإيجابي من المسرح واعتباره مجديا خاصة للناشئة( )، بخلاف كثير من سابقيه ومعاصريه من الرحالة من شمال غرب إفريقيا، يقول: \"التمثيل يصور التاريخ وينشر الأدب ويحيي اللغة، واستحضار الصورة الغريبة له تاثير في ذوق اللسان العربي، وترتاح له النفوس وتوده( ). ـ إشادته بفوائد الرسم أو الصور الدهنية كما سماها فبها في نظره \"يحفظ التاريخ وتظهر مقدرة الخيال\"( ). بل إنه حاول تقديم تفسيره الخاص لابتسامة الموناليزا( ). وكانت هذه اللوحة قد تعرضت للسرقة ذلك العام ووجد\" الحديث على ضياعها من متحف اللوفر مستفيضا\"( ). وومما قاله الشاعر صالح سويسي في شأنها ضمن قصيدة بعثها للورتتاني أثناء رحلته: رسم على ملك الجمال تقدما جوكندا تباً لسارق رسمها وأرى فؤادك بالفراق تـكلما يا متحفاً مالي أرى بك وحشة وتصبرا عند الزيارة مـثلما( ) \"فمحمد\" يبدي إليك توجـعــا
غير أنه يعود في مواضع أخرى من الرحلة فيحد من غلواء هذين الحكمين العامين فلا يحبذ من الرسم إلا ما وافق الواقع( ). ومن الطريف أنه لما أنكر وجود تمثال من الرخام، في متحف مدينة تولوز، مكشوف السوأتين( ) أضاف قائلاً: \"مع أن ثيابه منحازة إلى جانب منه، فلم أدر لماذا أبعدت عنه( ). فكأن النحات أعجزه أمر تحريك هذه الثياب لتغطية سوأتي التمثال في هذا العمل الفني! وعلى الرغم من طابع الانفتاح والإعجاب بالحضارة الغربية الذي طبع لقاء الورتتاني بأوربا فإن خطابه لم يخل من تلك النفحة الدينية الصوفية المألوفة لدى أغلب الرحالة المسلمين إلى أوروبا الحديثة، تلكم النفحة التي تعتبر كل المعالم الحضارية المدهشة للمُطَّلِع عليها مجرد قشور \"لا تساوي جناح بعوضة أو قيمة خردلة من نعيم الآخرة\"( ). فمع كل الإعجاب الذي كاله لمضيفيه نجده ينبه في مقطع صغير متفرد إلى افتقارهم إلى الاطمئنان الروحي فيقول: \"ولو تتبعت أحوال هؤلاء واطلعت على باطن أعمالهم لوجدتهم في عناء وأفئدتهم تردد لاراحة في الدنيا\"( ). ـ وصفه الدقيق لحركات وسكنات الراقصين بأحد العروض التي حضرها( ) وصفاً موضوعياً خالياً من الانتقاد. ـ إعجابه بمشاركة المرأة في الحياة العملية( )، وقد لخص مكانتها قائلا: \"والمرأة في فرانسا هي كل شيء ولها كل شيء، فالجوهر والحرير والزينة، وإن شئت قلت المال للمرأة، والتقدم للمرأة والفؤاد للمرأة، والمنزل للمرأة ونفوذ الكلمة للمرأة، والحرية للمرأة\"( ). ورغم ملاحظة الورتتاني جمال النساء وحسن ذواتهن، على حد تعبيره، ونعومة أجسامهن وبياض بشرتهن وغير ذلك من الأوصاف( )، فإنه مع ذلك ظل متمسكا بعفته حريصا على إعلانها فهو يحمد الله لأنه لم يجر\" طلقاً مع الهوى\"( )، بل إنه كاد ينساق لإغراءات باريز لولا أنه استرجع، يقول: \"ثم راجعت نفسي وقرأت ]ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا [، وكففت نفسي عن الإغراق في إدامة النظر إلى فتنة الحياة الدنيا\"( ). وقد دخل الورتتاني في حوار مع بعض النساء الفرنسيات في مواضيع تعدد الزوجات وعدم رؤية المرأة قبل الزواج وتعليم المرأة ورفع الحجاب عنها في المجتمعات الشرقية( ). بيد أن نساء مدينة تولوز خلفن في نفسه انطباعا سلبيا، فقد سجل قيامهن بالأعمال المبتذلة ومعاناتهن من التعاسة( )، ووقف على أحوال منهن غريبة يلخصها قوله: \"وشأن المرأة غريب في طولوز، إن نساء طولوز ممتلئات الأجسام لحما وثيابا... ويظهر العرج فيهن كثيرا فتراهن ظالعات ضليعات، ولهن شوارب كالرجال ولحي يختلفن فيها كثرة وقلة.\" ولذلك شبههن بالسعالي( ). ومما تميز به الورتتاني وصفه رياضة مصارعة الثيران بدقة وإسهاب ذاكرا الأسماء التي تطلق على المشاركين فيها، إلا أنه اتخذ منها موقفا سلبيا منتقدا تعذيب الحيوان، مُعَرِّضاً بجمعية الرفق بالحيوان التي لا تعمل على مناهضة هذه الرياضة مشبها إياها، بسخرية، بمحكمة العدل الدولية( ) التي لا تمنع الحروب ولا تعتبر ملجأ للهروب( ). ورغم ثقافة الورتتاني الفرنسية فإنه وقف عاجزا عن فهم عمل البورصة وكيفية كسب الناس الأموال من خلالها فشبهها بالكيمياء التي \"لها أسرار... لكن لا يعرفها إلا أربابها\" ، ولم ير فيها سوى اختلاط للناس \"وغوغاء بدون انتظام ولا فهم كلام( ). كما حضر جلسة مجلس النواب بباريز يوم 23 جوان 1913 مدعوا من وزارة الخارجية وبعض النواب، وقد وصف المجلس ومكوناته وهيئة الجلوس ومدة انتخاب النواب. وكان موضوع الجلسة مناقشة تمديد الخدمة العسكرية من سنتين إلى ثلاث في ظروف مواجهة التهديد الألماني الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى( ). وكان جان جوريس الزعيم اليساري المشهور خطيب الحزب الاشتراكي( )، وجدير بالذكر أن جوريس من أبرز السياسيين الفرنسسين الذين كانوا يواجهون سياسة فرنسا الاستعمارية في المغرب( ). ومن المؤكد أن تقديم هذه الرحلة الزاخرة بالمعلومات والمواقف لا يغني عن الاطلاع عليها، ولعل مسك الختام أن يكون تعليق محمد الفاضل ابن عاشور على هذا الكتاب النفيس إذ اعتبره \"مظهراً جليلاً لسمو فن التحرير في تسجيل الرحلات الفردية الخاصة في أوربا\"( ) و \"أكمل صورة قلمية لنظر العربي الناهض إلى أوربا لوصف المسالك والمشاهد والتأثرات النفسية والمناظر الطبيعية والحياة الاجتماعية، مع إثارة المقارنات التفصيلية بين الماضي الإسلامي والحاضر الأوربي في كل ناحية من نواحي الحضارة... ولولا ما شحنت به من الاستطرادات البعيدة لذكر أمور شؤون الحياة العادية بتونس لكان مثالاً كاملاً لفن الرحلة، على أن هذا لم ينزل بهذا الكتاب عن كونه أرقى مثال وأمثل صورة في كل ما كتب من الرحلات التونسية\"( ). في القرن العشرين( ). وجدير بالذكر أن هذه الرحلة تتضمن معلومات ومواقف تستحق التصحيح والتعليق، غير أن خطتنا القاضية بإخراج الكتاب بأمانة كما ارتضاه صاحبه جعلنا لا نتوقف عند ذلك مما قد يزيد هذا المطبوع تضخماً، والكتاب أصلاً ضخم، معتمدين في الانتباه لكل ذلك على حصافة القارئ.
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|