الأولمب الإفريقي الجزائر بعيون عربية 1900 – 2005 م
تأليف : نوري الجراح
الولادة : 1956 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
يوميات ومشاهدات اختارها وقدم لها نوري الجرّاح
يحتوي هذا الكتاب على نصوص سردية مشوقة، تزخر بمشاهد ومناظر ومعلومات ينقلها، لنا بلغة أدبية سلسة وراقية، شعراء وكتاب ومثقفون عرب جابوا الجزائر على مدار قرن من الزمان، هو القرن العشرون من أوله إلى آخره، 1900-2005، وهي نصوص رحلية حافلة بما يقحم القاريء المعاصر في قلب المكان الجزائري ويتنقل به بين زمن الاستعمار، وزمن الاستقلال. وهو ما يجعلنا نستعيد تجربة كفاحية كبرى ونتأمل في التاريخ الجزائري الذي شهد أكبر ظاهر استعمارية من نوعها في التاريخ الحديث. ولولا الظاهرة الصهيونية في فلسطين لظلت بلا مثيل. معروف أن كفاح الجزائريين بوأ بلدهم مكانة فريدة بين البلدان المكافحة لنيل الاستقلال. ومعالم هذا التاريخ الكفاحي تتجلى مع كل موقف وحادثة وموقع أو تعبير، يصدر في الجزائر عن جزائريين ينتمون إلى ذلك الزمن. بعض ما يحتوي عليه هذا الكتاب يكشف عن جذور الحركة الإصلاحية، ثم الحركة الثورية الجزائرية، وإرهاصات الثورة. ولعل بعض ما نقله الرحالة العرب من انطباعات تنبىء بالثورة، منذ اليوم الأول في القرن العشرين. وبعض الرحالة قال ذلك بصورة صريحة( )، وبالتالي فإن هذه الرحلات تلعب دوراً في التأريخ لإرهاصات الثورة، وذلك الكفاح المرير الذي خاضه الشعب الجزائري وصولاً إلى انتزاع استقلاله بقوة السلاح، وبفعل التضحيات الجسيمة التي قدمتها الجزائريات وقدمها الجزائريون. بدهي القول، بعد ذلك، أن هذه النصوص الرحلية تعكس بجلاء رؤية عربية للمكان الجزائري، لا نظن أنها ظهرت أو جرى التعبير عنها في مختارات شاملة كهذه. * * * قبل الطواف على نصوص هذا الكتاب وعددها 14 نصاً، تجدر الإشارة إلى أن هذه الطبعة من الكتاب أعدت خصيصاً للصدور خلال \"الملتقى الدولي الأول للكتاب العرب في المهجر\"( )، وفي عزمنا أن نستكمل مشروع المكان الجزائري بعيون عربية في طبعة ثانية مزيدة ومنقحة ستصدر بشكل منفصل عن أي مناسبة، بل يتجاوزها إلى ما هو أشمل تناولاً وأكثر ديمومة. * * * تنقسم اليوميات والمشاهدات التي يضمها هذا الكتاب إلى قسمين. يغطي القسم الأول الحقبة الاستعمارية، وتضم زيارات وجولات قام بها كتاب وصحافيون ومثقفون عرب مشارقة ومغاربة، من سوريا، ومصر وتونس وفلسطين، في الفترة الممتدة ما بين 1900- 1927، ويغطي القسم الثاني يوميات ومشاهدات كتبت بعد الاستقلال ما بين 1962- 2005. الرحالة الذين زاروا الجزائر خلال الفترة الأولى هم إدوار الياس( ) (سوريا) 1900، محمد فريد بك( ) (مصر) 1901، محمد الخضر بن حسين( ) 1904، الشيخ أحمد حسين المهيري( ) 1922 سعيد أبو بكر( ) 1927 و1928 والطيب بن عيسى( ) (تونس) 1927، نقولا زيادة (فلسطين) (الخمسينات- السبعينات)، أما رحالة الفترة الثانية فهم: ثريا أنطونيوس( ) (فلسطين) 1962، لؤي عبد الإله (العراق) (السبعينات)، علي بدر (العراق) ، وليد علاء الدين (مصر)، جمال ملحم، وعلي كنعان وأيمن حجازي (سوريا) والأخيرون جميعهم زاروا الجزائر سنة 2005 في إطار الندوة العلمية لـ\"المركز العربي للأدب الجغرافي\" المسماة \"ندوة الرحالة العرب والمسلمين: اكتشاف الذات والآخر\" التي استضافتها الجزائر في ذلك العام. وعليه، فإن أقدم يوميات يضمها هذا الكتاب، هي ما دوّنه الرحالة والكاتب السوري نزيل مصر إدوار الياس الذي وصل إلى مرفأ وهران على ظهر سفينة أبحرت من مرسيليا صيف 1900 وهدفه السياحة وكسب المعرفة وحسب، تليها مباشرة يوميات الزعيم الوطني محمد فريد بك الذي قدم إلى الجزائر من وهران أيضاً، ولكن عبر ميناء طنجة، ومرَّ بمدينة مليلية المحتلة قبل أن يصل إلى التراب الجزائري في منتصف ليل يوم السبت 3 آب/أغسطس سنة 1901. قدم الأول من فرنسا التي تحتل الجزائر، والثاني من إسبانيا التي تحتل مدناً مغربية بينها سبتة ومليلة وقسماً من الصحراء التي لم ينته احتلال الإسبان لها رسمياً إلا على إثر المسيرة الخضراء سنة 1975، في حين ترفض إسبانيا إلى اليوم الاعتراف بمغربية المدينتين المذكورتين. وقد زار محمد فريد بك الأندلس ومراكش قبل أن يحلّ في الجزائر وفي عزمه، كما عبر في مقدمة رحلته، زيارة بلاد عربية إسلامية محتلة، يمثل احتلاها بالنسبة إليه امتداداً لاحتلال الأندلس( ). وإذا كان الرحالة الأول قدم لنا في يومياته الجزائرية جردة واسعة من المعلومات والملاحظات والانطباعات والأخبار اللماحة عن المكان وأهله، وهو ما ميز مجمل يومياته التي كتبها عن البلدان والحواضر التي زارها ونشرها في كتابه \"مشاهد الممالك\"( ) فإن الرحالة الثاني ترك لنا في يومياته الجزائرية المستلة من كتابه \"من مصر إلى مصر\"( ) وثيقة هي الأكثر نفاذاً في قراءتها للواقع الاستعماري في ذلك الوقت المبكر، فضلاً عن ارتباط هذا الواقع عنده بمجمل ما حدث للعرب والمسلمين من تقهقر أمام الأوروبيين مثّل احتلالُ الفرنسيين للجزائر ذروة فيه، ناهيك عن تحليله الثاقب لمجمل الأحوال الجزائرية، ووعيه الرفيع لفساد الظاهرة الاستعمارية، وتنبئه بحتمية زوال الاحتلال، وهو ما لم يشغل بال إدوار الياس الذي بلغ به البرود حدَّ اعتبار قتلى الفرنسيين في المعارك مع الثوار الجزائريين أبطالاً مجاهدين( ) لكنه قدم لنا، في الوقت نفسه، لوحة بانورامية بديعة وفيها دقة عن المناظر الطبيعية والعمرانية والعادات والتقاليد والطقوس والأحوال السائدة في الجزائر بما في ذلك أحوال المستعمرين الفرنسيين والأوروبيين بطوائفهم الدينية وفئاتهم الاجتماعية المختلفة. * * * بالمقارنة بين الرحالتين المشرقيين هذين، يعتبر الأول ابن الدهشة بالغرب، والانجذاب نحو الحضارة الغربية بمكوناتها العصرية وحداثتها الساطعة، وهو ما جعله يغض الطرف عن السلوك الاستعماري للفرنسيين، فقد شفع لهم عنده، على الأرجح، انتماؤهم إلى الحضارة الحديثة التي اعتقد بإمكان نقلها عبر الاتصال بالغرب والسير في ركابه، وهو ما يعكس انسحاقاً حضارياً أمام الاستعلائية الغربية وممارساتها الامبراطورية. بينما نجد في محمد فريد بك، وهو من أصول تركية، شخصية أكثر توازناً وتماسكاً واعتدالاً في رؤيتها للحداثة والمدنية والتطور العلمي والأدبي الحاصل في الغرب، فلم تبهره انعكاسات ذلك، بصورة أو أخرى، على الحياة الجزائرية، ربما لكونه لم يغض الطرف عن إزدواجية الغرب، واستعلائيته على الشعوب الأخرى، ومنها شعوب الشرق التي لم يكف عسكره وإداراته المنتشرون في أصقاع العالم، وعلى رأسها الهند وإفريقيا، عن نهب كل ما وقع تحت أيديهم من ثروات آسيا وإفريقيا، وعن تكريس مناخ من الهيمنة المسلَّم بها على مقدرات شعوب هاتين القارتين بما يسمح، في النهاية، بتأبيد الاحتلال، وبالتالي استمرار تدفق الثروات المنهوب على خزائن الإمبراطورية. * * * وإذا ما جمعنا العين البانورامية لإدوار الياس، وهي عين سائح تقليدي بامتياز، لم يشغل باله، كما أسلفنا، بعلاقة الجزائريين بغريمهم الاستعماري، إلى ملاحظات محمد فريد بك وانتباهاته المرهفة حول مسلك الاحتلال نحو أهل الجزائر، لاسيما ما لاحظه من سياسة فرنسا المنهجية في سحق اللغة العربية وفرنسة التعليم، وتهشيم الهوية الوطنية، والتمييز بين الأجناس لمواصلة استتباع أهل البلاد، وإحباط أمانيهم وجهودهم ليس في الاستقلال عن فرنسا، ولكن حتى في الحصول على أبسط حقوق الاجتماع الأهلي، ناهيك عن إشاراته المتكررة إلى قمع سلطات الاحتلال بشدة للخارجين على أوامرها المستبدة، وبالتالي مجافاة مسلكها مع الجزائريين لأبسط ما نادت به الثورة الفرنسية من شعارات الحرية والإخاء والمساواة.. ذلك كله يجعل من نص رحلة محمد فريد بك شهادة عربية مهمة عن الجزائر تحت الاحتلال. * * * وإذا ما قيض لنا أن نرى الجزائر من خلال يوميات هذين الرحالين فقط فإننا نقع على صورة كبيرة ووافية لمعرفة ما الذي كان يحدث وأين يحدث في جزائر مطلع القرن العشرين، وهي البلاد الشاسعة في مساحتها( ) الغنية بمواردها الطبيعية، الخصبة بتربتها، المتنوعة بزراعتها، البديعة في مناظرها الساحرة الخلابة الجامعة بين جبل وبحر ونهر وصحراء، وقد أطلق عليها الرومان اسم عروس المتوسط، وكانت مستعمرتهم المدللة. الرحلة المشرقية الثالثة تمت بعد نصف قرن من رحلتي إدوار بك الياس ومحمد فريد بك، وهي تلك التي قام بها المؤرخ الشامي نقولا زيادة( )، الذي عرف عنه اهتمامه بالشمال الإفريقي حضارياً، وتحدث في يومياته الجزائرية عن شخصيات إصلاحية من أمثال أحمد توفيقي المدني، والبشير الإبراهيمي. على أن ما دونه زيادة عن الجزائر لا يتجاوز التأريخ شبه الموضوعي للمكان، والحديث عن مميزاته الجغرافية وموقعه الاستراتيجي ليس إلا، فليس من ميل لدى زيادة إلى ذلك التصوير الأدبي أو حتى الرغبة في ذلك. فهو عمل المؤرخ.. أكثر منه عمل الرحالة. * * * ما سلف إشارات ليس إلا إلى ثلاثة نصوص لكتاب من المشرق، وهي نصوص تحفل بما يعكس طبيعة الانتباهات والاهتمامات التي ميزت النظرة المشرقية نحو بلد من المغرب العربي، جمعتهم به رابطتان: العروبة والإسلام. ولابد من الإشارة هنا إلى أن رحلتي كل من إدواربك الياس، ومحمد فريد بك سوف تتميز عن غيرها من الرحلات المنشورة في هذا الكتاب بطول خط سيرها رغم قصر الوقت الذي صرفه الرحالتان قياساً على بعض النصوص الأخرى، التونسية على وجه التحديد، فقد عَبَرَ الرحالتان الغرب الجزائري نحو الوسط وطافا في الجزائر وجوارها ثم اتجه أحدهما إلى قسنطينة وعنابة في أقصى الشرق، وهو خط سير لم ينجزه غيره من رحالة هذا الكتاب. * * * في مقابل الرحلات المشرقية تكمل الرحلات التونسية وتستوفي عرض الصورة الجزائرية طبيعة، وبشراً وعمراناً واجتماعاً وتاريخا وسياسة واقتصاداً. ولابد من الإشارة هنا إلى أن النصوص التونسية سبق لها أن ظهرت في كتاب حمل عنوان \"رحلات جزائرية\"( ) وسوف نتفق مع د. محمد صالح الجابري في أن الرابط بين مجمل الرحلات التونسية هو تشابه الدوافع التي حملت أصحابها على زيارة الجزائر، فضلاً عن كونها غطت، أساساً، منطقة جغرافية مشتركة هي شرق وجنوب الجزائر، وفي مرات قليلة عمد أصحابها إلى وصف العاصمة، فقد كانت حصناً فرنسياً يمتنع على من هم من غير الأوروبيين، ويستراب في كل زائر عربي أو مسلمٍ، مغربياً كان أم مشرقياً. الرحلات التونسية تغطي فترات متعاقبة، لكنها تترك فجوات زمنية وجغرافية، على أن هذه الرحلات مجتمعة تعيد تركيب أجزاء الصورة الجزائرية التي فككها الاستعمار وأعاد تركيبها بطريقته، وترسم، بالتالي، صوراً حيَّة غير مسبوقة للوضع الاستعماري، ولأحوال الجزائريين في ظل أطول وأشرس احتلال عرفه بلد عربي أو إفريقي. * * * نشرت الرحلات التونسية الأربع حسب د. محمد صالح الجابري في مجلات وصحف تونسية صدرت خلال الثلث الأول من القرن العشرين. فنشرت الرحلة الأولى بمجلة \"السعادة العظمى\"( ) للعلامة الشيخ محمد الخضر حسين، الذي قام برحلته في أواخر سنة 1904م، إلا أنه لم ينشرها إلا عندما أصدر العدد الأول من مجلته في بداية السنة 1905. ونشرت الرحلة الثانية بجريدة \"العصر الجديد\"( ) في سنة 1922 وقد قام بها صاحب الجريدة نفسه الشيخ أحمد حسين المهيري، كما نشرت الرحلة الثالثة بجريدة \"لسان الشعب\"( ) خلال السنوات 1927، 1928، 1929. وقد قام بها الشاعر التونسي سعيد أبو بكر في مرحلتين مختلفتين من سنتي 1927 و1928. أما الرحلة الرابعة فقد نشرت بجريدة \"الوزير\"( )، وقام بها الصحفي المعروف الطيب بن عيسى صاحب الجريدة المذكورة في سنة 1927. * * * يمكن القول بأن لهذه الرحلات المنشورة في القسم الأول من الكتاب هدفاً موحداً يتمثل في الاطلاع على أحوال الجزائريين، وأوضاعهم الاجتماعية والسياسية والفكرية، والاتصال بالعلماء والمثقفين، وتبادل وجهات النظر معهم، وتجديد الصلة بهم، إلا أن دوافع الرحلة اختلفت من رحالة إلى آخر. فالذي حدا بالشيخ محمد الخضر حسين للقيام برحلته هو رغبته في زيارة مدينة الجزائر العاصمة، والاطلاع على حالتها العلمية، يقول: \"كنت أسعفت في ما سلف من الزمان بإجراء سياحة في أطراف المملكة الجزائرية، وبقيت النفس مستشرفة إلى إعادتها تارة أخرى إلى مدينة الجزائر نفسها، لنكون على بينة من مقدار ما تبلغ إليه حالتها العلمية، وجلية من أمر أخلاق أهلها الغالبة وعاداتها العامة، فإن لسان العيان أفصح من لسان البيان\". على أن الدافع لرحلة أحمد حسين المهيري اختلف عما قصده الخضر بن حسين من رحلته العلمية، وقد حدد غرضه في مستهل رحلته: \"منذ مدة ونحن في غاية التشوق إلى الاطلاع على أحوال القطر الجزائري المجاور لمملكتنا، إذ نرى من العار عدم الاطلاع على أقرب الممالك الإسلامية إلينا، فعزمنا بحول الله سبحانه وتعالى أن نجري رحلة استكشافية، وننشر خلاصتها إلى قرائنا الكرام\". * * * من ناحية أخرى، تكشف الرحلات مجتمعة عن خارطة من أسماء الشخصيات الوطنية الجزائرية، مقابل خارطة للشخصيات العاملة في الدوائر الاستعمارية، وتكشف النصوص عن أحوال الحذر من البوليس السري الفرنسي، المنتشر في كل مكان، وعيونه تراقب الداخل والخارج. ولعل حرص الرحالة وأصحاب الجولات، مشارقة ومغاربة، على حمل أوراق التوصية من وإلى شخصيات وطنية في هذه المدينة أو تلك، أو من شخصيات نافذة إلى الدوائر الفرنسية، هو بعض ما يشير إلى الفساد الاستعماري، ومناخ الخوف في البلاد.
خلاصات وجدنا من المناسب أن نسوق هنا ملاحظات استخلصها د. محمد صالح الجابري من المشترك في ما بين نصوص الرحلات التونسية وساقها في مقدمته لرحلاتهم، وبدورنا نرى أن قسماً من هذه الملاحظات إنما ينطبق بالضرورة على بعض الرحلات المشرقية إلى الجزائر. وهي تتمثل فيما يأتي: 1- تنديد أصحاب هذه الرحلات بالاستعمار وأعوانه من الأجانب، وعملائه من الجزائريين، والتركيز على ما يعاني الجزائري من اضطهاد وتمييز وتفقير وانتزاع لأرضه وإهدار لحقوقه، باستثناء رحلة الشيخ الخضر حسين التي لم تتناول هذا الجانب، لأن رحلته كانت أساساً من أجل الالتقاء بالعلماء ومحاورتهم حول المسائل الدينية. وقد اختار لها شهر رمضان من سنة 1932هـ لهذا الغرض. 2- نقمة أصحاب الرحلات على الطرقية والزوايا، ونعت أصحابها بالسذج والمحتالين، والتنويه بالمصلحين الجزائريين الذين كانوا يقومون بدور بارز في مقاومة الطرقية والانحرافات الدينية، وذلك أيضاً باستثناء رحلة الشيخ الخضر حسين التي لا يرد فيها شيء من ذلك بسبب أن تيار الطرقية لم يكن في مطلع القرن يشكل الخطر الذي أصبح يشكله بداية من العشرينيات. 3- عناية هذه الرحلات بوصف الحياة العامة في الجزائر من أسواق يومية وأسبوعية، وذكر لأسعار المواد الأساسية كالزيت واللحم وغيرهما، واختلاف تداول العملات ونوعيتها من ولاية إلى أخرى، واكتظاظ المقاهي بالعاطلين الذين لا يجدون لهم سلواناً إلا لعب \"الدّاما\" و\"الورق\" و\"النردشير\" وغير ذلك. كما اعتنت كذلك بوصف حياة المرأة الجزائرية في هذه الحقبة، عندما كانت تتصنع الحجاب في المدن حفاظاً على شخصيتها، واعتزازاً بتقاليدها بينما نراها في الريف والقرى تناضل إلى جانب زوجها، وأحياناً بمفردها لانتزاع قوتها اليومي. وقد شاهد الرحالة التونسيون نماذج من النساء الجزائريات، ووصفوهن وصفاً يفي بحقهن، وينوه بكفاحهن وصلابتهن وحفاظهن على تقاليدهن وأصالتهن العربية الإسلامية. 4- تجمع هذه الرحلات على إبراز عناية الجزائريين بالمساجد، بما يليق بهذه المعالم من مكانة دينية وعلمية. وقد وصفها بعضهم بدقة وتفصيل، وأشاد بما يتحلى به الجزائري من توقير للإمام والقاضي وحارس المسجد. وأطنب جلهم في التنويه بالمكانة العلمية للقائمين بإلقاء الدروس التعليمية والوعظية والدينية بهذه المساجد. وقد حضر معظمهم حلقات علمية، وخاصة الشيخ الخضر حسين الذي كان حرصه منصبّاً على حضور الدروس التي تلقى بهذه المساجد، ومساجلة أصحابها في المسائل الفقهية العويصة. وقد أثنى ثناء عظيماً على علماء الجزائر، وأبدى إعجابه بطرق طرحهم للمسائل الاجتهادية وتمكنهم من الموضوعات الدينية. 5- تبرز هذه الرحلات تمازج الشعبين التونسي والجزائري، وعمق التبادل العلمي والتجاري بينهما. فقد ورد في هذه الرحلات ذكر للعديد من أسماء التجار التونسيين الذين كانوا يتعاطون التجارة في مختلف المدن التي زاروها، وذكر للعلماء الذين كانوا يقيمون بهذه المدن لنشر التعليم، وقد أسس بعضهم مدارس من حرّ ماله لهذا الغرض، كما تبرز الرحلات العلاقة الوطيدة، والمشاعر العميقة التي ظل يكنها خريجو الزيتونة لدور تونس ودور جامعة الزيتونة في النهضة الإصلاحية بالجزائر، وفي إثراء الحياة العلمية والثقافية. 6- تتفق جميع هذه الرحلات على الإشادة بخصال الجزائريين، وما يتحلون به من أخلاق فاضلة، وشيم عالية، وكرم وفادة، وبذل سخي في سبيل نهضة وطنهم، وتفاؤل بمستقبل بلادهم، وإصرار على النضال ضد المستعمر وأعوانه. 7- ونظراً إلى أن هذه الرحلات كانت موجهة إلى القارئ العادي، فقد غلب عليها الأسلوب الصحفي المبسط الذي لم يخل أحياناً من استعمال لعامية، والدخيل من اللغات الأجنبية خاصة اللغة الفرنسية، وذلك إمعاناً في التوضيح، والاقتراب من نفوس الناس، والالتزام بالواقع المحض، ونقله نقلاً مباشراً دونما تدخل أو افتعال. ولم تشذ عن هذا الأسلوب غير رحلة الشيخ الخضر حسين التي كتبت بأسلوب العلماء. وكانت مرصعة بالشواهد من القرآن، والحديث النبوي والمسائل الفقهية، مفصحة عن أسلوب صاحبها وشخصيته كعالم ديني.
الرحلات المعاصرة نصوص الرحلات المعاصرة، كتبت في غالبيتها سنة 2005، باستثناء ثلاث رحلات ترقى إلى الستينات والسبعينات، هي على التوالي، رحلة ثريا انطونيوس، وهي كاتبة وصحافية فلسطينية زارت الجزائر على إثر انتصار الثورة، وكانت أسماء الشوارع ما تزال بالفرنسية وقد شطب عليها بالأحمر، وتصف الجزائريين بأنهم شعب الخيلاء. أما النص الثاني فيرقى إلى السبعينات، ويتمثل بيوميات القاص العراقي لؤي عبد الإله الذي عاش في الجزائر سنوات السبعينات، وعمل فيها مدرساً للعلوم. وهناك نص للمؤرخ نقولا زيادة الدمشقي المولد الفلسطيني الهوية، اللبناني الإقامة يمزج بين رحلتين القسم الأول منها ينتمي إلى الخمسينات والقسم الثاني إلى السبعينات، فهو نص مخضرم بين مرحلتي الاستعمار والاستقلال، وقد أشرنا إلى أن زيادة التقى خلال رحلته الأولى بعض رجالات الحركة الوطنية. * * * مع هذا الشق منه، يغتني الكتاب بنصوص ويوميات معاصرة وضعها شعراء وروائيون وباحثون عرب من العراق وسوريا ومصر، زاروا الجزائر خلال \"ندوة الرحالة العرب والمسلمين-اكتشاف الذات والآخر\" المنعقدة في ربيع سنة 2005، وكانت تلك الندوة قد انعقدت في رهان على خصوبة المكان الجزائري وناسه، وأهميته القصوى كمكان صنع التاريخ بصورة دراماتيكية، وكانت له سيرة استثنائية مع الاستعمار الفرنسي الذي أسس لتقاليد غير مسبوقة في وحشيتها، ستظل منجماً للمفكرين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس والباحثين في شتى النواحي التي يتألف منها الاجتماع البشري في علاقته بالجوائح والكوارث والملمات. ولن نعدم في هذا القسم إشارات إلى غنى التجربة الجزائرية، وكونها تشكل مدرسة كفاحية عالمية متكاملة. (أحيل هنا على ما كتبه فرانز فانون وأرنستو تشي غيفارا، وريجيس دوبريه، وغيرهم من المثقفين والثوار العالميين) وقد سلطت تلك الندوة التي عقدناها في الجزائر الضوء على المكان الجغرافي والسيرة الحضارية للمكان، وكانت الحصيلة ظهور مجلد من البحوث والمداخلات التي عملت على استعادة الجزائر إلى فضائها العربي والإفريقي، من خلال الضوء الذي سلطته الدراسات على علاقة المكان بأدب الرحلة وبالفضاءات المجاورة له إفريقية كانت أو عربية، أو أوروبية متوسطية. * * * أخيراً، فإن ما سلف لا يعدو أن يكون إشارات سريعة إلى بعض النصوص والأسماء والموضوعات، لم أشا أن أطيل فأصادر على النصوص بعرضها، وآثرت أوجز لاترك للقاريء متعة خوض الرحلة بمفرده مستكشفاً النصوص ومستكشفاً المكان الذي غامرت فيه هذه النصوص ورحالتها العرب، لنفوز بفضلهم بهذا الكتاب الذي لن يكون هناك غنى عنه، إن لمحبي أدب الرحلة، أو لدارسي التاريخ الجزائري وتاريخ الشمال الإفريقي. هذا الكتاب يفتح للقاريء العربي بوابة الجزائر على أوسعها، ليلج عالماً متصلاً مؤلفاً من زمنين، زمن الاحتلال وأشكال الكفاح السلمي اليومي الذي سبق ومهد للكفاح الدامي لدحره، وزمن الاستقلال، وصولاً إلى اللحظة الجزائرية الحاضرة.
نوري الجراح لندن 16- 6 - 2007
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|