مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

عابرو الرُّبع الخالي مرافقو مبارك بن لندن يتكلمون

تأليف : هويدا عطا
الولادة : 1971 هجرية
الوفاة : 1 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لهويدا عطا (1)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
سلسلة سندباد الجديد / هويدا عطامنذ تركت جزيرة العرب. سافرت عبر شعاب كراكورام وهندوكوش في جبال كردستان ومستنقعات العراق، مدفوعا دائماً إلى الأمكنة البعيدة، حيث لا تستطيع السيارات الوصول، وحيث لا يزال يعيش شيء من العادات القديمة. ولقد رأيتُ قسماً من أروع المناظر في العالم، وعشت بين قبائل عجيبة وغير معروفة. ولكن واحداً من هذه الأمكنة لم يهزني كما فعلت صحراء الجزيرة العربية...
ويلفرد ثيسجر
\"الرمال العربية\"

أي سرٍّ كونيٍّ عجيب تنطوي عليه جزيرة العرب حتى تصيب زوارها وضيوفها الغرباء، فضلا عن أبنائها، بكل هذا العشق الذي يهز الفكر والوجدان ويترك في الأعماق آثارا حميمة لا تنسى من اللوعة والأسى والحنين؟! لكننا لن نطيل الوقوف أمام أسئلة العشق، سواء كان صوفيا أو حسيا، إنما ننتقل إلى موضوع رديف لعله يستكمل قصة العشق ويحيطها بمزيد من الأضواء والألوان والظلال. فعلى هامش ما أنجزه وما دونه ذلك الرحالة الشهير، ألا يمكن أن نقوم برحلة داخل رحلته التاريخية، وبخاصة أن بعض من قاموا بها من رفاقه العرب ما يزالون أحياء؟ ألا يمكن أن نستعيد معهم تفاصيل إنسانية لم يضمها كتاب من قبل؟ وفاة الرحالة والمستكشف الإنجليزي \"السير ويلفرد ثيسجر\" الملقب بـ \"مبارك بن لندن\" دفعتنا إلى هذه الرحلة في ذاكرة أشهر رفاقه الذين عبروا معه صحراء الربع الخالي على مدى خمس سنوات في حساب الرحالة وسبع سنوات في حساب مرافقيه الذين واجهوا فيها الموت قتلاً، وجوعاً، وتيها، وظمأً.
ابن كبينة وابن غبيشة وعمير بن عمر ومحمد صالح بن كلوت.. هؤلاء هم الرجال الذين صحبوا مبارك بن لندن وهو يقطع صحراء الربع الخالي حافياً فيصور ما يحلو له من مناظرها ويدوِّن في كراسته مشاهداته وانطباعاته، لينشرها بعد ذلك في كتاب \"الرمال العربية\".
عاد مبارك بن لندن إلى بلاده ثم تنقل في أقاليم أخرى، وأخيرا استقر في لندن حتى رحل عن الحياة، وبقيت كتبه ورحلاته نوافذ تاريخية على المنطقة وسكانها، لكننا هنا نفتش في قلوب رفاقه عن جوانب أخرى ربما تضيف شيئاً ولو صغيراً إلى لوحة تاريخية رسمتها خطواتهم وأحلامهم على الرمال العربية، ومن أهم الذين شاركوا في هذه المغامرة سالم بن كبينة الذي يحكي بحزن عن رحيل مبارك بن لندن، فيما يروي في اللحظة ذاتها بفخر عن أيام لا تغيب من ذاكرته.. لأنها أجمل أيام الشباب.
كان العنوان الذي حصلنا عليه غير دقيق، وصارت رغبتنا في العثور على \"رجال مبارك بن لندن\" أشبه بمغامرة من تلك المغامرات التي عاشها الرحالة الإنجليزي.. ورفاقه العرب.
بحثنا طويلا عن منزل سالم بن كبينة وسالم بن غبيشة، واجتزنا مواقع كثيرة من الطرقات والمنازل بمنطقتي \"الوثبة\" و\"بني ياس\"، وتوقفنا كثيراً أمام أبوابها البيضاء دون جدوى. كان لهيب القيظ يحيطنا من كل مكان بسبب ارتفاع حرارة الجو في ذلك اليوم، ولهيب آخر يحرق أعصابنا خوفاً من الفشل في العثور عليهما. لذا قلت في نفسي كما غاص مبارك بن لندن ومرافقوه من بدو الإمارات في بحار الرمال العربية ليستكشفوا مجاهلها، فإن علينا نحن أن نلتقي هؤلاء الرجال لنستكشف ذكرياتهم ومشاعرهم، وليس لنا أن ننسى أنهم كانوا سبباً حقيقياً في نجاح تلك الرحلة الشهيرة وعبور صحراء الربع الخالي.
لن أتحدث عن تجوالنا الطويل بحثا عن الرجل. فالشهرة أحيانا تضيع العنوان وتطمس معالم الطريق. المهم أني وجدت نفسي أقف أمام منزل سالم بن كبينة، ذلك الفتى الذي تحدث عنه كثيراً الرحالة الشهير مبارك بن لندن في كتبه التي امتلأت بصور ابن كبينة وابن غبيشة.
طرقت الباب، خرج لي أحد أحفاده الصغار وأكد لي أنه بيت ابن كبينة، تمالكت نفسي والتقطت أنفاسي المتهدجة بصعوبة وقلت له.. أحضر لي شخصاً كبيراً لأحدثه، خرجت على الفور إحدى بناته أو أصغرهن بالتحديد، قالت تفضلوا، دخلنا إلى البيت ووجدنا ابنه الكبير وأولاده يتناولون الغداء.. طلب منا الجلوس معه لمشاركته، فاعتذرنا شاكرين له كرمه وحسن استقباله...
وكان علينا أن نستريح بعض الوقت في صالون الضيوف في انتظار ابن كبينة الذي ذهب للقيلولة. من هنا بدأ الحوار وسط - حفاوة وكرم شديدين ولفيف كبير من الأبناء والأحفاد. بدأ الحديث معنا ابنه محمد (38 سنة) أكبر أبنائه، وهو يعمل موظفاً في القوات المسلحة.. راح يحكي لنا عن علاقة والده بمبارك بن لندن قائلاً: إن الفضل في نجاح رحلة مبارك بن لندن تعود إلى الله سبحانه وتعالى وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة، كما كان لوالدي دور مهم، فمن قبله بخمس عشرة سنة استطاع الرحالة برترام توماس عبور الربع الخالي من الجنوب إلى الشمال. وبعده بشهور قام جون فلبي فاجتازها من الشمال إلى الجنوب. إنها رحلة استثنائية شاقة لأن الجو كان صعباً وقاسياً وقتها. خوف وظمأ وسرقة وقتل من بعض القبائل المعتدية، وأنا أفتخر بها كثيراً لأنها شرف لنا بين القبائل لدرجة أنني أحلم بأن أكمل رحلة الوالد مع أحد أقرباء مبارك بن لندن.. الذي لم تنقطع علاقته أبداً مع أبي حتى بعد رحيله من الإمارات فقد كنا نطمئن عليه كل أسبوعين تليفونياً، وعندما سمع والدي خبر وفاته حزن عليه كثيراً (وكأنه فقد بصره) فقد كان مبارك بن لندن مرجعاً تاريخياً مهماً، كما أنه قام بالتقاط صور نادرة لصاحب السمو الشيخ زايد وأيضاً للقبائل العربية المختلفة في الإمارات.
يتدخل هنا أحد أحفاده سعيد سيف الراشدي موظف في شركة أدكو قائلاً بافتخار: لقد كنت همزة الوصل بين ابن كبينة ومبارك بن لندن في السنوات الأخيرة لأن مبارك بن لندن نسي اللغة العربية نتيجة تقدمه في العمر.
ويضيف: كنت كل شهرين أقوم بمكالمته والاطمئنان على أخباره ولكنه لم يرد على مكالمتي الأخيرة، وقد علمت أنه انتقل من مكان إقامته إلى المستشفى للعلاج لكنه لم يخرج منه إلى الحياة ثانية فقد انكسرت ساقه ولم تفلح المحاولات في علاجها بسبب تقدم العمر، لقد استقبل ابن كبينة الخبر بالدموع وقام على الفور بمواساة شقيق ابن لندن في بريطانيا تليفونياً. وكان مبارك بن لندن يسعد كثيراً بسؤال ابن كبينة عنه، ويسأله عن بقية الرفاق وأحوالهم في كل مرة. إنه حقاً يستحق حزننا عليه فقد وثق الكثير من التواريخ والعادات والتقاليد للقبائل العربية في عُمان والإمارات خاصة، وهذا ما أكده الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، حيث قال: إنه كان مرجع الباحثين والدارسين وله فضل كبير على التاريخ حتى إننا نعتبره صديقاً، وقد استفدنا الكثير منه في الجامعات، حيث تدرس كتبه وأبحاثه. ويضيف سعيد الراشدي: أنا أيضاً قمت بتقديم بحث عن رحلته في المنطقة العربية إلى كلية التقنية، وعندما سألته عن إحساسه في كل مرة كان يجلس أو يتحدث مع مبارك بن لندن عندما يزورهم فيها، أكد سعيد: أنه كان يشعر بأنه يحدث التاريخ نفسه.. ثم رجاني سعيد بأن تتحرى الصحافة الصدق والبعد عن الزيادة أو النقصان في مادتها وأن تذكر الحقيقة الكاملة عن (ابن كبينة) الذي أكد مبارك بن لندن عنه في كتبه أنه أكثر الرفاق الذين أحبهم في رحلته رغم أن ابن كبينة لم يكن يعرف الكتابة أو القراءة، ومع ذلك كانت العلاقة بينهما قوية وحميمة.
كانت أعداد الأبناء والأحفاد تتزايد مع الوقت وكان الشغف لرؤية ابن كبينة يتزايد في قلبي لكن يبدو أن عقارب الساعة كانت بطيئة عن عهدها في ذاك اليوم. عاد مرة أخرى ابنه محمد ليكمل ما بدأه قائلاً: لقد ذهبت عائلة ابن كبينة للاحتفال بمبارك بن لندن في موطن رأسه في يوم عيد ميلاده التسعين في نادي الضباط الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية منذ ثلاث سنوات، حيث أهداه والدي بندقية أثرية عمرها 150 سنة تسمى (أبو فتيلة) من تراث الإمارات، وفرح مبارك بها كثيراً وأخذ يجربها يميناً وشمالاً وأغدق الشكر لوالدي. وقد جاءت هذه الرحلة بناء على توجيهات صاحب السمو رئيس الدولة وعلى نفقة الديوان، ومن قبلها زارنا مبارك بن لندن بالهليكوبتر عند (العزبة) الخاصة بنا في الربع الخالي في عام 1978، حيث قام والدي بذبح بعير ضيافة له وأقام له حفلة كبيرة وسط أبناء القبيلة. وبعد تناول الغداء، أخذ مبارك يضحك ويقول لوالدي أنت أكلت من ذبيحتي، فرد عليه الوالد: \"كلامك صحيح.. فعلاً ثمن الناقة من النقود التي أعطيتني إياها\".
أما في الزيارة الثانية في سنة 1987 فقد فوجئ مبارك بن لندن بحقول البترول هنا وهناك في مناطق ليوا فوقف بجوار والدي وقال له: حقاً أهنئكم بهذه القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ زايد، فبعد أن كانت الحياة خالية من كل شيء أصبحت مليئة بالحدائق والنخيل والبنايات الجميلة والطرق المعبدة والسيارات الحديثة ومناجم البترول، فرد عليه والدي قائلاً: نحمد الله كثيراً على ذلك ونشكره، فهل كنت تتخيل أنك تخرج من بيتك لتجد النخيل والرطب أمامك وعلى طول الطريق من أبوظبي إلى العين.. بعد أن كنا لا نصدق عندما ننام أننا سنستيقظ أحياء مرة أخرى أثناء عبورنا الربع الخالي ومطاردة قطاع الطرق واللصوص لنا في كل مكان تطؤه أقدامنا. لقد قاومنا الموت أكثر من مرة ونجونا منه بأعجوبة شديدة.
هنا يدخل فتى شعره كثيف أسود لامع، أثار انتباهنا، وأعادنا إلى تلك الصور القديمة لابن كبينة في كتب ابن لندن، فهو يشبهه كثيراً وعندما سألته عن ذلك شعر بخجل شديد ثم أجاب: أنا سعيد بن محمد (9 سنوات) حفيده، وأنا فخور بجدي وسعيد بهذه الصور التي تجمع والدي مع هذا المؤرخ العظيم وأردد ما قاله والدي في السابق.. أتمنى أنا أيضاً أن أكمل ولو نصف رحلة جدي.
وفي لوحة إنسانية أخرى تحمل الكثير من المعاني جاءت أصغر بنات ابن كبينة تحمل طفلها الرضيع مبارك بن سعيد وعمره أربعة أشهر، وقد رفضت الإفصاح عن اسمها عملاً بالتقاليد، لكنها أفضت إليّ بالكثير من مشاعر الاعتزاز بوالدها وصداقته لمبارك بن لندن، ثم باحت لي بهذا الخبر المفاجئ: من اليوم سأسمي ابني مبارك بن لندن اعتزازاً وتأثراً بفقدنا لهذا الرجل القريب من قلوب أفراد الأسرة. وفي الزيارة الأخيرة له.. كان جالساً هنا في مكانك نفسه في هذا الصالون، سلم على الأسرة فرداً فرداً وسأل عن أسماء الأطفال وأعطاهم الحلوى، لقد كان متواضعاً وكأنه فرد من أفراد العائلة.
الكل يريد أن يتحدث عن مبارك بن لندن، وفي ذاك الوقت فتح الباب ليدخل علينا رجل طويل القامة تبدو سنواته السبعون على وجهه لكنها لم تترك أثراً كبيراً، فالهمة ما تزال عالية.. والبشاشة تكسو قسمات محياه.
هنا، ومع حضور ابن كبينة كان لا بد للحديث أن يأخذ وجهة أخرى ويمضي طليقا متدفقا في اتجاه الأعماق.

هويدا عطا
أبو ظبي في إبريل/نيسان 2006

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لهويدا عطا1 كتاباً
رحلة إلى الربع الخالي

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار