رحلة فتاة سودانية إلى الصين
تأليف : خديجة صفوت
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
خديجة صفوت
I خديجة صفوت الكاتبة والباحثة السودانية، المقيمة منذ زمن طويل في أكسفورد، واحدة من أبرز الباحثات في حقل الاقتصاد السياسي والتنمية والقضايا النسوية. وهي أستاذة أكاديمية عتيدة، عنيت لسنوات طويلة بمبادئ نظريات التنمية، ولها في هذا المضمار العديد من إصدارات بالإنجليزية والعربية والبرتغالية والفرنسية. ومن أعمالها اللافتة للاهتمام بالعربية كتابها \"الإسلام السياسي ورأس المال الهارب\" المنشور سنة 1995. المثير للاهتمام أن الكاتبة، ومنذ أواسط الستينات، عنيت بكتابة أدب الرحلة، في وقت كانت كتابة اليوميات عن الأسفار وخلال الأسفار حكراً على الرجال، فوضعت ونشرت كتابين الأول عن رحلة لها إلى الصين، هو هذا الكتاب الذي بين أيدينا، وقد نشرت طبعته الأولى أواسط الستينات تحت عنوان \"أفراح آسيا\"، وكان ثمرة جولة لها في الصين، والكتاب الثاني تحت عنوان \"ستار الصمت\"، حول أفريقيا البرتغالية وظهر في 1971 على إثر رحلة طويلة في افريقيا البرتغالية، غينيا بيساو وموزانبيق وصولاً إلى زيمبابوي. وكتاب \"رسالة إلى بولينا لومومبا\" وضعته على إثر إحباط ثورة باتريس إميري لومومبا. ومن دراساتها بالإنجليزية بحث تحت عنوان \"تنويعات الاستبداد الغربي/الشرقي: المفهوم والممارسات\"، وشاركت في وضع \"الموسوعة العالمية للمرأة\"، وهو عمل موسوعي كبير صدر عن \"دار راتليدج Rutledge\" في كل من نيويورك ولندن وسيدني. ويصدر لها خلال هذا العام 2006 باللغتين البرتغالية والعربية طبعتان من كتاب جديد وضعته بالاشتراك مع المفكرة النسوية البرتغالية ذات الأصول الموريسكية، مريام جوزف أومارا، تحت عنوان \"النسوقراط\"، وله عنوان فرعي شارح هو \"تأنيث التاريخ، وإفقار سوق العمل: الاقتصاد السياسي لوأد البنات\"، وقد وضعت الترجمة العربية للكتاب بنفسها. ويصدر لها في بيروت في أواسط هذا العام أيضاً كتاب تحت عنوان \"الطرق الصوفية والأحزاب الحديثة في السودان\".
II هذه المقدمة لن تكون مكرسة، أساساً، للتعريف بالرحلة إلى الصين، أو التعليق على النص، فقد فعلت الكاتبة في مقدمتها لهذه الطبعة بأفضل مما كنت سأفعل، والواقع أنني أميل إلى تقديم الكاتبة نفسها إلى قراء العربية الذين أجزم أنهم ما عرفوا إلا القليل عنها من خلال نتاجها الذي وضع بالعربية، مما صدر منه أربعة كتب نشرت فى فترات متباعدة، فجل أعمالها بقيت بالإنكليزية ولغات أوروبية أخرى وما يزال أغلبها لم يترجم إلى العربية. ولئن هي شرفتني بكتابة هذه المقدمة فلابد أن أشير، هنا، إلى تلك الصداقة الفكرية القوية التي ربطتني بها في لندن منذ مطلع التسعينات خلال عملنا المشترك في حقل الكتابة النسوية، وسعينا الفكري إلى بلورة خطاب نظري جديد يتعلق بالمرأة في المجتمع، والمؤنث في الثقافة والاجتماع، إنْ من خلال منبر مجلة \"الكاتبة\" إبان سنوات صدورها ما بين 1993-1995، أو من خلال السجال الفكري الذي طالما خضناه خلال عقد التسعينات مع ناشطات ونشطاء فكريين ينتمون إلى حركة الفيمينزم الغربية، وبعض النسويات والنسويين العرب المتأثرين بهم و بهن، إلى جانب النشاط الشعري والفكري لي في تلك السنوات المشرقة والعصيبة معاً. فقد وقع اللقاء الفكري العميق بين د. خديجة صفوت وبيني في اتفاقنا على اقتراحين لفكريين أساسيين جرت توأمتهما بطريقة أو أخرى: الأول ما أسميته بـ\"الفضاء الثالث\" أو Third Space، وهو الحقل الفكري الذي اقترحته على منظومتَيْ الرجال والنساء مع صدور مجلة \"الكاتبة\" وجعلته شعاراً للجدل والسجال والتنظير حول قضايا الأنوثة والمؤنث في الثقافة العربية بعيداً عن استقطابَيْ الذكورة والأنوثة الكلاسيين داخل حركة الثقافة العربية، وقد أثمر التفافاً جريئاً من حول المشروع الفكري لمجلة \"الكاتبة\" في ظل استقطابات عالمية كانت النسوية الغربية خلالها تسعى إلى الهيمنة على مجمل خطابات النساء في العالم. كان ذلك قبل عام على الأقل من موعد انعقاد قمة المرأة في بكين، وإن كان اهتمامي مركزاً في تلك الآونة على الجوانب الجمالية والفكرية في نصوص النساء وأفكار الرجال، وليس على النشاط السياسي للجماعات النسوية، وهو ما جرى التعبير عنه في الاهتمامات الأدبية لمجلة \"الكاتبة\". بالمقابل، فإن د. خديجة صفوت كانت، آنذاك، تعمل على بلورة اهتمام مركز و واسع من حول فكرة \"العالم ثالثية\" كنزعة فكرية أصيلة حكمت مجمل النشاط الفكري للمفكرة التي نشطت على قوس جغرافي - فكري – اقتصادى سياسي واسع أراد أن يبلور مشروعاً مضاداً لعنصرية مركزية النسوية الغربية لصالح نسوية عالمية جديدة تنطلق من مواقع التهميش الذي فرض على النسويات العالم ثالثيات بفعل تفرّد واستئثار النسويات الغربيات بزعامة حركة المرأة في العالم. هنا عند منطقة رفض التهميش، تبرز أمثلة عظيمة الأهمية كثمرات للقائنا الفكري، ليس أبرزها ذلك التكريس للمنحى الذي اقترحته صفوت هي ورفيقاتها المفكرات العالم ثالثيات وتبنيت طرحه في بيان وغلاف العدد السادس من مجلة \"الكاتبة\" مايو/أيار 1994 تحت عنوان \"نساء عند نهاية القرن- تحالف ثلثي نساء العالم- مشروع مانيفستو عالمي للنساء\"، وهو ما أثار حفيظة مساجلينا على الطرف الآخر من الجدل والصرع داخل ومن حول قضية المرأة\" والتي احتدمت في الحقل الأدبي بصورة خاصة خلال نقاش دار في \"مركز الفنون البريطاني\" ICA وهو أعلى هيئة ثقافية بريطانية، عندما قاطعت محاضرتي نسوية أميركية متوحشة بالسؤال التالي: من تظن نفسك حتى تحدد ما هو السؤال، مصادراً حقي في تحديد هذا السؤال وتعيين زمان طرحه؟ لم يصدمني سؤالها بمقدار ما صدمتني فظاظتها.. وقد بدت لي نموذجاً لليأس من أي لقاء فكري بين النساء والرجال. كانت تريدني باستمرار في الخندق الآخر، وأن أكون جاهزاً لأرمى بالرصاص كرجل أو كنموذج ذكوري. وخلال الرشق المتلاحق من خندقها الأكيد إلى خندقي المتوهم.. كان عليَّ أن أراقب ما طاف من سحر غربي في عيون صديقاتي الكاتبات الشرقيات الناعسات الحاضرات عربيات وإيرانيات وتركيات وحتى إندونيسيات في اللقاء وبعضهن مشاركات فيه. وكان على مخيلتي أن تستعين مراراً بصور صديقات متمرسات وذوات رحابة فكرية حقيقية كخديجة صفوت وفاطمة المرنيسي ولطيفة الزيات وأهداف سويف التي كانت مشاركة في تلك الجلسة، لأهدئ من غضبي.. أعني لئلا أنساق إلى معركة بلا طائل.. ولأفوت الفرصة أيضاً على هذه السيدة المتطرفة وصويحباتها البريطانيات وبعض الأديبات العربيات اللواتي بدون في تلك الجلسة جاهزات للانقضاض علي بالسؤال التالي: صحيح كيف تكون أنت من يحدد شكل ووقت وكيفية عرض الخطاب وتقديمه.. من خلال مفارقة.. رجل نسوي بين نساء كثيرات؟... ولكن، هل كان ينبغي أن يكنَّ مسترجلات ومعهن رجل نسوي مخنث.. لتستوي المعادلة؟ أم نذهب إلى منطقة المؤنث في الرجل؟ أم نحتكم إلى فكرة الفضاء الثالث؟ ما المطلوب فكرياً؟ تحرير المرأة من أنوثتها، أم إخصاء الرجل من ذكوريته؟ تحرير المرأة من قيودها، أم تحرير الرجل من أوهامه عنها، ومن عاداته الذهنية المضادة لكيانها.. والبحث عن فضاء جديد من خلال علاقة خلاقة بين المرأة والرجل؟ وهذه لن تكون إلا على أرض جديدة وفي فضاء فكري وجمالي مختلف، وهو ما كان في صلب الإطار الفكري لـ\"الكاتبة\". والآن أنا متأكد أكثر من أي وقت مضى أن ما جعلني أشعر بعدالة وجمال وأرضية الفكرة هو اتهام تلك النسوية المتطرفة لي بصدد ما طرحته تحت شعار \"الفضاء الثالث\" بأنه فكرة شعرية. قلت هنا اتفقنا أنت وأنا للمرة الأولى. من ثم قالت بعصبية: \"لكنني أرفضها.. أرفض شعرنة الحقيقة\". والواقع أنني لم أكن أشعر بحقيقية الشعر والتصورات الشعرية للأشياء كما شعرت بها عندما \"اتُّهِمَتْ\" فكرة \"الفضاء الثالث\" بأنها شعرية، فلطالما اعتبرتُ الشعر الأكثر حقيقية بين الظواهر الثورية والخلاقة لكونه يقع في قلب فكرة الحلم، أي في قلب مسعى الإنسانية المعذبة في بحثها الحالم وسعيها الجارف للتغير. لطالما كنت أرى أن الشعري أكثر حقيقية وقوة ونفاذا من التنظير الإيديولوجي الذي يستعمل كسلاح مماحك. هذا النموذج من النسويات الغربيات خلال ذلك النموذج من اللقاءات عالمية الطابع في تلك السنوات، حاول أن يختطف اهتمام النسويات العربيات الشابات.. خصوصاً العاملات في حقل الكتابة، وكان على \"الكاتبة\" كمنبر عربي حرّ أن يتيح سجالاً مفتوحاً يتعلق بحرية الاختيار. لكنني أعترف هنا، وقد عرضت هذا المثال، أنني لم أكن لأفوت فرصةً دون أن أضيء على خطل التفكير النسوي الغربي المتطرف. ومن هنا ينبع تقديري للتجريبية الأصيلة التي يتمتع بها فكر خديجة صفوت والذي أعتبره بديلاً متطوراً عن التفكير النسوي الشرقي المنسحق أمام النسوية الغربية، لاسيما أن صفوت هي من بين النساء العربيات القليلات اللواتي اشتغلن على ابتكار مصطلحات جديدة في إطار التفكير المضاد لما أسميه بالنسوية المتطرفة وموضاتها التي لا تنتهي، على سبيل تركيز فكر عالم ثالثي مخالف للنسوية الغربية الخاضعة لبرامج الهيمنة العالمية المندرجة في بعض أخطر مشروعات العولمة. وهي تفضل أن تطلق على العولمة تعبير \"الكوننة\". ومن بين المصطلحات التي نحتتها صفوت، وتبنته معها المفكرة البرتغالية مريام جوزف أومارا مصطلح \"النسوقراط\". وهو ما يهمني هنا، في الحديث عن خديجة صفوت كنموذج لطراز من النساء اللواتي لا يكتفين بالتعبير عن أنفسهن في أوراق ويوميات نساء من الشرق، فقد صرفت سنوات عديدة من حياتها تتجول في العالم، وهي مقيمة منذ اكثر من ثلاثين سنة في الغرب، ودأبها تقديم فكر يعيد النظر في تاريخ الأفكار، وتعمل في الوقت نفسه على ابتكار المصطلحات المناسبة، الأكثر تعبيراً عن الأفكار التي تقترحها.
III وقبل أن نتوقف عند نموذج من المصطلحات التي ابتكرتها صفوت، أشير هنا إلى أنها شغلت على مدار سنوات طويلة العديد من المراكز الأكاديمية، فهي محاضر وأستاذة زائرة في العديد من الجامعات العالمية، وخبيرة لدى الأمم المتحدة، وعضو في مجالس أمناء مراكز بحوث المجتمعات التي أقامت فيها وعملت به من السودان، الى موزابيق، وزيمبابوي، والجزائر، واليمن، وفلسطين، والسنغال، وكندا، والاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا الفيدرالية حالياً، وويلز في إنجلترا، وفي أيرلندا الشمالية وفرنسا، وغيرها. وفضلاً عن ذلك، فهي الرئيسة الفخرية لـ \"لتنظيم السودانيين التقدميين\" في المملكة المتحدة وأيرلندا، وحائزة على الزمالة الفخرية من جامعة ويلز، وعضوية اتحاد الطلاب البريطاني مدى الحياة، وعضوية اتحاد أساتذة الجامعات البريطانية، والمديرة التنفيذية لمركز أبحاث الشرق الأوسط وإفريقيا (ميرايك)، الذي أسسته في جامعة ويلز عام 1986، وعضو مجلس البحوث ومستشارة أكاديمية العلوم السوفياتية، ثم روسيا الفيدرالية، وعضو مؤسس وتنفيذي ومستشارة لدى جمعيات مهنية وأكاديمية غربية، عربية وأفريقية، ومنظمات الأمم المتحدة، مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وبرنامج البيئة، وبرنامج السكان، ومنظمة العمل الدولية، وخبيرة متبرعة لدى برنامج غزة للصحة النفسية –الجامعة الإسلامية غزة، التابع لوزارة التربية الفلسطينية، وتنشط من خلاله في وضع مبادرات تأسيسية وتخطيطية حيث أسهمت صفوت في تأسيس بنك المرأة العربية، تحت رعاية منظمة العمل الدولية \"تورينو – إيطاليا\"، والجمعية العالمية للمرأة المسلمة (اتحاد البرلمانيات المسلمات – كوالا لامبور – ماليزيا)، واتحاد ثلثي نساء العالم، الذي انبثق من قمة المرأة الثالثة (تايبيه – تايوان). وقد مكنتها خبراتها عبر هذه المجالات من بناء تصوُّر بالغ النضج عن التداخل والتشابك المخيفين بين قضايا المرأة في العالم، ومجمل قضايا الكوكب.
IV أعود إلى \"النسوقراط\" المصطلح، و\"النسوقراط- تأنيث التاريخ وإفقار سوق العمل\" الكتاب. لدى اطلاعي، منذ مطلع التسعينات، على مسوّدات الترجمة العربية لبعض أعمالها الفكرية خلال لقاءاتنا في لندن، كان أبرز ما لاحظته تلك الغزارة في اشتقاق وبناء المصطلحات، إلى جانب صياغات لغوية مركبة إلى درجة التعقيد. وهناك سببان معقولان لذلك، أولهما أن أعمالها كُتبت بلغات أخرى، وثانيهما أن نصوصها الأصلية كانت على درجة من التركيب، ليس فقط بسبب تشابك القضايا الفكرية التي تتعامل معها الكاتبة، وإنما أيضاً تعبيراً عن قلقها المستمر من المصطلحات المستقرة، وموقفها منها في آن. فهي مصطلحات ترى خديجة صفوت، أنها أُنتجت ضمن سياقات فكرية وتاريخية ولغوية غير محايدة ان لم تكن متحذبة. ولما كان عمل خديجة صفوت هو إعادة النظر في الحاضر على ضوء التاريخ، وفي الاقتصاد على ضوء الفكر والأيديولوجيا والدين، فإن استكشاف الحقائق لا يقوم بالنسبة إليها، إلا على تفكيك الأفكار السائدة ومصطلحاتها التي أنتجتها، وهذا لا يمكن أن يتم إلا عن طريق توليد مصطلحات جديدة. وهو ما تفعله صفوت بامتياز. ومن هنا جاء مصطلح \"النسوقراط\"، الذي اشتقته لتعبر عن الجناح المتطرف، والمتوحش من الحركة النسوية الغربية، الذي يحاول أن يفرض مفاهيمه وبرامجه على النساء العربيات.
V \"النسوقراط\"، إذن، هو النحت الاصطلاحي الذي ابتكرته المفكرة صفوت، لتدل به على نوع من النسوية الغربية المغالية، وقد سبق لها أن نحتت خلال عقد السبعينات مصطلح \"الإسلام السياسي\"، وراج هذا المصطلح بعد ذلك إلى درجة أن أحداً لم يعد يذكر متى دخل على لغة الخطاب السياسي العربي. وما يؤسف له أن هذا الحق غير منسوب لصاحبته، من جانب مؤرخي الأفكار والمصطلحات في ثقافتنا العربية. وتعرف صفوت \"النسوقراط\" بأقلية نسوية غربية تهيمن على حركة المرأة في العالم، انطلاقاً من المركز الأميركي. والبارع في كتاب صفوت، المسمى \"النسوقراط\"، أنه يشخص عن قرب، وانطلاقاً من بحث معمق، صور وتجليات النسوية الغربية المغالية، ويكشف عن الأدوار الخطرة التي تلعبها فئة \"النسوقراط\" هذه، التي تؤثر في حياة مئات ملايين النساء في العالم بصورة تجعلهن خاضعات لأسس الهيمنة، بما في ذلك إخضاع الحركات العقلانية، التي أسستها نساء العالم، لتخدم أهداف فئة قليلة مسيطرة من النساء الغربيات، اللواتي ارتبطت مشروعاتهن بمشروعات العولمة بصورة لا فكاك منها. تعقد صفوت مقارنات مبتكرة وغير متوقعة بين \"النسوقراط\" وفئة المحظيات الملكيات والأمازونيات في التاريخ، وترى أن النسوية المذكورة خلقت نوعاً من المصادرة الساحقة لخطابات تحرر المرأة في العالم، وصادرت برامج المساواة بين الجنسين ومفاهيم التحرر والمساواة، فضلاً عن أن تلك المساواة لم تتحدد في المحصلة النهائية، إلا في الحقوق السياسية والاجتماعية والقانونية أحياناً، لأقليات النساء والرجال، وذلك في ظل غياب وتغييب للحقوق الاقتصادية للأغلبيات المنتجة، رجالاً ونساء في كل مكان، وهو ما جعل مشروع النسوية المغالية هذه، يتفوق في بناء خطاب مموَّه يتوارى وراءه قاموس الاستحواذ المادي والمعنوي، لتنويعه شرسة وفاجرة، على نحو غير مسبوق، من الرأسمالية المتوحشة. كتاب خديجة صفوت، الذي ألفته مع مفكرة برتغالية، هي مريام جوزف أومارا، يفكك المفاهيم المختلفة التي تسند ظاهرة \"النسوقراط\"، بصفتها نموذجاً للهيمنة يندرج في لعبة العولمة، عبر أمثلة قديمة وحديثة من اقتصاد العبودية الأثينية، إلى ما تسميه صفوت \"التنويعة الأميركية الرأسمالية ما بعد الصناعية لعلاقات العمل العبودي\". فهي ترى أن النسوية الأنجلو أميركية المتطرفة، مشروع سياسي اقتصادي، يصدر عما تسميه \"نمط اللاإنتاج الأميركي الشمالي، وقد تأسس على الاقتصاد العبودي لتجارة الرقيق، واسترخاص العمل الصناعي الأميركي الأبيض في الشمال، فالجنوب تباعاً\". وهو في نظرها اقتصاد يملك ميزات خاصة، لكونه لم يمر بمرحلة الإقطاع الأوروبي، ولا بمرحلة الثورة الصناعية على الطريقة البريطانية مثلا مع مطلع القرن التاسع عشر. من هنا، فإن \"علاقات العبودية التي دمغت الاقتصاد الأميركي، قبل حركة تحرير العبيد، لم تسمح بما هو أكثر من فكرة شفقة الأغنياء على المستعبدين، نساء ورجالاً، في ترك فضلات طعام المناسبات خارج البيوت ليلتهموها\".
VI تستعمل خديجة صفوت هذه الأمثولة عن اقتصاد الاستعباد، الذي يعيد إنتاج ذاته، عبر علاقات السيد والمسود، للتنبيه إلى أن \"النسوقراط\" هو تلك الأقلية النسوية التي نالت \"صدقة\" السيد، فجرى ترفيعها وتكريسها كناطق باسم جميع نساء العالم، لتتسيد حركة المرأة وتفرض البرنامج المعولم للاقتصاد، وذلك عن طريق تمرير أفكارها إلى برامج المرأة ومؤتمراتها وقممها، من مؤتمرات السكان ومشروعات تحديد النسل، وغيرها من الأطر العالمية التي تحاول حركة العولمة فرض تصور للعالم وسلوك للبشرية، على شاكلة ما يريد اقتصاد أباطرة الشركات الكبرى، وتسميه صفوت اقتصاد الأسياد الذي يعيد إلى الذاكرة اقتصاد روما، القائم على نمط الإنتاج العبودي. والواقع أن من الظلم لأفكار خديجة صفوت اختصارها، وابتسارها في مقال موجز، فهي تملك نظرية اقتصادية اجتماعية متكاملة، ورؤى متماسكة حول ما يجري في الكوكب اليوم من تحولات اجتماعية واقتصادية، وحتى حضارية، أخذت شكل الاقتصاد المفتوح ومصطلح العولمة. أخيراً، تؤكد صفوت في كتابها، الذي نتحدث من خلاله عن بعض أفكارها، أن أقليات النسوية الغربية المغالية الأنجلوساكسونية والأنجلوامريكية على وجه الخصوص، ألحقت نفسها بالشرائح العليا للمتنفذين في الإدارات الأميركية المتعاقبة و في مراكز القرار البريطاني، وقد حصلت على ما نسبته 15% من مواقع صناعة القرار، في وقت تدعي فيه تمثيل كافة النساء، ليس طبقياً، بل تشريحياً وبيولوجياً، ومن ثم أعطيت حق التكلم باسمهن. بالتالي، فإن \"النسوقراط\" هي فئات تحاول أحياناً تحقيق مساواة قانونية واجتماعية، مفرغة من الأساس المادي للمساواة الاقتصادية. وعليه، فهي لا تمس الوضع الراهن للبشر، أينما كانوا، بينما هي تكرس إعادة إنتاج الوضع الراهن في كل مكان. ولا ينادي \"النسوقراط\" بأي تغيير حقيقي في المجتمعات، في وقت تعمل زعيماته بطريقة تؤدي إلى تشويه علاقات النساء والرجال والأطفال، في مجتمعات، طالما صدرت فيها هذه العلاقات عن نوع من الود والرحمة بين الجنسين، وبين الرجل المرأة والأطفال، وبسمات الكرامة، والإنصاف الإنساني في حده الأدنى. ختاماً، لابد من الإشارة إلى أن صفوت تنبّه إلى أن الجنسين تواجها في ظل سيطرة \"النسوقراط\" على الخطاب العالمي للمرأة، في حرب ضروس لا تُبقي ولا تذر، وتنبه بقولها: \"حذار، إذن، من هذا الخطاب\". إنها بحق رحالة ومفكرة من طراز مختلف، لكنها في كل الأحوال، تعيد إلى الأذهان ذلك الطراز الرسالي من النساء المثقفات اللواتي اهتدت سيرهن، وإن بخصوصية شرقية، بسيرة كل من روزا لوكسمبورغ، ولاباشوناري الزعيمة الإسبانية الجمهورية.
نوري الجراح لندن في أواسط يناير 2005
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|