رحلة التمكَروتي النفحة المسكية في السفارة التركية علي بن محمد التمكَروتي 1589
تأليف : محمد الصالحي
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
تحقيق وتقديم: محمد الصالحيالمقدمة أي إحساس سَينتابُ فقيهاً ورعاً بدوياً من بادية درعَة في أقصى السّوس الأقصى على مَرمَى حجَر من فيافي الصحراء الكبرى، وهو يتلقى أمر السلطان السَّعدي أحمد المنصور الذهبي بالورُود عليه وهو في فاس من حيث سينطلق رأساً إلى استنبول مُحمَّلاً بهدية ورسالة إلى السلطان العثماني مُراد الثالث؟ أية رهبة ممزوجة بالفخار سَتعبُر مَسام علي بن محمد التمكَروتي وهو يتأهبُ للأمر العظيم وهو الذي لم يُغادر البتَّة مسقط رأسه ومَرعَى طفولته بلدة تمكَروت النائية النائمة في وهَادِ دَرعَة؟ أية أفكارٍ ستعبُر ذهنه البدوي وهو مقبل على ركوب البحر وأهواله لشهورٍ وشهورٍ، وهو الذي لم تقع عيناه يوماً على مَدٍّ أو جَزرٍ، ولا لمسَتْ يداه مياه البحر المالحة؟ أي شعور سَيُزَوبعُ مُخيلة الفقيه المأخوذ بسحر البلاغة المسكوكَة والقوالب اللغوية الجاهزة المأخوذة من ذاكرة حافظة؟ لسنا في حاجة إلى القول إن الأسرة السعدية الحاكمة يومئذٍ قدمَت من نفس بلاد التمكَروتي، أعني درعَة الكبرى. ولسنا في حاجة إلى القول إن علي بن محمد التمكَروتي سليل أسرة لها الباع الطّويل في الفقه والتدريس في المنطقة، فيكفي أن نشير إلى والده الشيخ محمد البكري، وإلى أخيه محمد بن محمد الذي أُرسل بدوره، في وقتٍ سابق، مبعوثاً إلى القسطنطينية كما يذكرُ نَصّ الرحلة نفسُه. كلّ ذلك مجرّد تحصيلِ حاصلٍ. فميثاق القراءة يقتضي، إن نحن توخينا مُلامسَة \"النفحة المسكيّة\" أن نتجرد ما أمكنَ من معلومات قبلية قد تُوجه قراءتَنا وفقَ مشيئتها، وقد تشغل البال بحيثياتٍ قد تجعل العينَ تنام عن مُرادِهَا الذي هو الارتحال مع الرحالة علي بن محمد التمكَروتي بصفتِه تلك، أي رحّالة لا غَيْر. لنصحَب التمكَروتي، إذن، في رحلته من تمكَروت التي غادرها يوم 18 مارس 1589 مارّاً بسجلماسة ففاس فتطوَان حيث سيركب البحر بعد طول انتظار سفينةٍ حَرُونٍ سَتحط الرحال في عددٍ كبير من موانئ ومراسِي الجزائر وتونس وليبيا قبل أن تُعَرِّجَ قاطِعَةً البحر الأبيض المتوسط عرضاً لتصل إلى ميناء القسطنطينية يوم 25 نونبر 1589. ثم نصحبه ثانية من هناك، بعد إقامة طويلة دامت ثمانية أشهر حاطين الرحال في ذات الموانئ والمراسي لنصِل إلى تِطْوَان، فمراكش، فتمكَروت. يفتتح التمكَروتي رحلته بما تُفتتح به كتب الرحلة العربية عادة: البسملة والحمدلة ثم ذكر أسباب الرحلة ومحاسن الاِغتراب والضرب في الأرض، مُعززاً ذلك بأبياتٍ سائِرة:
تَغرَّب عن الأوطانِ يا طالب العُلاَ وسافِر ففي الأسفار خمسُ فوائدِ
تَفَرجُ هَمٍّ واكتِساب مَعِيشَةٍ وعِلم وآدَاب وَصُحبَة مَاجِدِ
فإن قيل في الأسفار ذُلٌّ وغربَة وقطعُ الفيافي وارتكابُ الشدائدِ
فموتُ الفتَى خَير له مِن مَعيشَةٍ بأرض عَدوٍّ بين واشٍ وحَاسدِ
لنلاحظ أن التمكَروتي أسَاء الاِختيار. فالأبيات أعلاه تُخبر بعكس حالتِه، وهو خَدِيمُ الأعتَاب الشّريفة الذي يُلبِّي نِداء الواجِب، لا الرحالة الذي يركب الحماقَةَ ويضربُ في الأرض لاكتساب الفوائدِ الخمس: انفِراج الهمّ، واكتِساب المعيشَة، والنهلِ من العلم والأدب، واصطحاب الأماجِد. فهذه كلها قد تَأتت له وهو في تمكَروت. فهو من أسرة ذاتِ جاهٍ وَمجْد. وهو رأسُ التدريس والفقه والعلم في تلك الأصقَاع. وما صَحِبَ، يَوماً، بالضرورة، إلاّ الأمَاجِد. فماذا سيصنع التمكَروتي بهذه الهِبَة الملكية التي لا تتأتّى للمرء، إن تَأتَّتْ له، إلاّ مرة واحدةً في العُمر؟ هَل سَيؤخذ رحّالتُنا بِنداءِ الآفاق ويستجيب لِناقُوس السَّفر والمغامرة لرؤية ما لا يُرى، وللمْسِ وتذوّق ومُصاحبة ما كان يوماً مُجرَّد طيفٍ في الخيال؟ هل سَيسعَى التمكَروتي إلى الاغتراف من العجيب والصّاعِق الذي يُتيحُه الاِنتقال في الزمان والمكان؟ هل سيجهد نَفْسَهُ ليَجعلنا، نحن قراءَهُ، نصَدّق بسذاجة ما سيقترفُه من كَذب، جاعلاً عُيوننا تجحظ، وأفواهنَا تنفغِر من فرط الدّهشَة؟ أي باختصار: هل سيسعى التمكَروتي إلى جعل ما تُدركه الأعيان يتخذُ له صورة مُتوهمةً في الأذهان؟ أقُول: صُورَة مُتوهّمة، وهنا مربط الفَرس. فالرحلة جِنس أدبي له ألاعيبُه الأسلوبية والتخييلية، وله من المكر ما يجعلُه فَنّاً وأدباً. والمرئيات بمرورها من الكتابة تتخذ لها أشكالاً وصُوراً مَا كُنّا لِنصدّقَها لولا الكتابةُ نفسُها. فهل أعَدَّ التمكَروتي العُدَّةَ وهيَّأَ للرّحلة ما يلزم من مكر وألاعِيب ليصير ما تُدركُه الأعيان، صاعقاً ومُدهِشاً بعد أن يصير مُتوهّماً في الأذهان؟ مَرَّةً أخرى: لِنصحب التمكَروتي. يُغادر صاحبُنا تمكَروت ضحوة يوم السبت 18 مارس 1589 لتحمله السفينة من تِطوَان بعد أن يستقبله أحمد المنصُور في قَصرهِ بفاس. لا يذكرُ التمكَروتي شيئاً ولو يسيراً عن هذا المسَار سِوى أنه مَرَّ من سجلماسة في طريقه إلى فاس. كما أنه يسكت، تماماً عن المدة التي قَضَّاها في تِطوَان وهو ينتظر قدومَ السفينة من ميناء الجزائر، وهي مُدة ليست بالقليلة، إذ دَامت أشهراً ثلاثة. فهل كان التمكَروتي يستعجِل ركُوبَ البحر وهو البدوي الذي لم ير البحر قَطُّ، فكيف وهو الآن يتأهَّب لركُوبه؟ استعجال كهذا يجعل القارِئ يضرب الأخماسَ في الأسدَاس، ويذهَب به التَّخمِينُ بعيداً ليظُنَّ أن التمكَروتي وفّر كُلّ طاقتِه التخييلية للبحر وأهواله، ووفّر جُهداً لغوياً كان سيذهب هباءً وتذرُوهُ الرياح في البرّ المغربي؟ تصل السفينة بعد طول انتِظارٍ وتبدأ الرّحلةُ فتتوالى الموانئ والمراسِي، ثم شيئاً فشيئاً، نَتوغلُ في الشرق، والشرق، هُنا، ليس مجرّد اتجاه وَوِجهَة. فهو المعَشش في الذاكرة الفردية والجَمعية باعتباره مصدَر الحقائق وموطن الحيرة. فالشمس من هناك تُشرق. وَالدّين من هناكَ قَدِمَ. والأدبُ وما جاورَهُ من هناك هَلتْ بشائرهُ. والغريبُ والعَجيبُ والمذهِل ما كان لنا لِنَسمعَ به أو نتخيله لولاَ هذا الشرق الغامِض حَدَّ الوُضُوح. الوَاضِح حَدَّ الغمُوض. نَتوغل في الشرق، إذن، ونحن في لهفةٍ إلى المختلف. فقد انتقل بنا الرّحالة الآن من نَقيضٍ إلى نَقِيضٍ: من المغرب إلى المشرق. من البرّ إلى البحر. من مُخالطة الأهل إلى مُخالطةِ الأغيارْ. كلّ هذا مَدعَاة لجعل أُفقِ انتظار القارئ يَتسع وتأخذه اللهفَة. لكنّ هذا القارئ لن ينتظِرَهُ عند أوّلِ مُنعرَجٍ إلاّ الخيبَة. فالتمكَروتي كان من الأنانية حتّى إنه أضرَبَ تماماً عن تلبية أماني أفقِ الاِنتظار ذَاكَ. وما استعجاله ركُوبَ البحر إلاّ من فرطِ الشوق إلى هذا البحر ليس إلاَّ. شوق لاستدراك شيء فَات. ولهفَة إلى مُصافحَة زُرقةٍ طالما داعبتِ الخيال. هكذا تتشابه الأماكن. ننتقِل من مكان إلى آخر، فَنُخبرُ أنّنا انتقلنا إليه؟ وهكذا. من مكانٍ إلى مكانٍ. تَرغَا. بادس. فوركَـ. هُنَين. وهران، مستغانم، شرشال. الجزائر. دَلّسْ. بجاية. جيجل. مَرسَى القصَب. القل. بُونَة. بنزرت. تونس. بجاية، وعشرات الأمكنة الأخرى؟ يَدخل التمكَروتي مَدينةَ من المدن فيزور أولياءهَا، ويذكر مساجِدَها، ويدعو للنصارى إن كانت تحت إمْرتهِم بالدمار والهلاك. فسبتَة »أعادَها اللهُ للإسلاَم آمين«، ومليلية »مَدينَة فيها النّصارَى اليَوم، أعادَهَا الله للإسلاَم«، ثم يذكر مُؤلفات بعض أعلام تلك المدينة إن كان بها أعلام. لاَبدّ أن نُشير هنا إلى أن التمكَروتي يُنِيبُ عنه في كلّ ذلك ابن عبد ربه آناً، وخَالِداً البلوي آناً، والبكري آناً، وابن بطوطة آناً. تلك مسألة مُحيّرة في هذه الرّحلة، أعني كثرةَ المنقولات. وهذا ما جعل مُترجمها إلى الفرنسية هنري دُوكَاستري يضرب صفحاً عن كلّ الصَّفحات التي ليست من صُلب إبداعِ علي بن محمد التمكَروتي مُشيراً في المقدمة إلى كَون صَنيع التمكَروتي ذَاك سُبَّةً وضُعفاً ما كان له الإقدامُ عليه. والحق أن الأخذ ذاكَ ليس بالمُشِين لَوْلاَ أن الرَّحالةَ أخذ فأطال حتّى إننا أحياناً نجد أنفُسنا أمام صفحاتٍ وصفَحاتٍ لِخالِد البلوي. كان باستطاعة التمكَروتي اللجوء إلى ما يُسَمِّيه علماء السّرديات بالخطاب المسرُود، وأن يَرحَم رحلته من وطأة الخِطاب المنقُول. نعُود لنستأنف المسير مع رحالتنا فننتقل من مكانٍ إلى آخر، ولا ينبثق جَديد. كأنَّ الأمكنَة تُخفِي أعَاجِيبهَا، أو كأن ريحاً هَبَّت، فأحالت الأمكنة، في تَعدّدِهَا، مكاناً واحِداً. وما قلناه عن البرّ، نقوله عن البَحر. فالبحر من تطوَان حتّى القسطنطينية هُوَ هُوَ. وما يحدُثُ لِلسَّفينَة ولأهلها هو هو رغم طُول مُدّة الرحلة، واختلاف أحوال البحر بين الليل والنهار، وبين منطقة وأخرى. شيء واحِد يَحدُثُ: هيَجَان البحرِ واضطرابُه، ولهوُ الموج بالسفينَة ذات اليَمين وذاتَ الشِّمال، وفزع أهل السفينَة وصياحهُم. ثم سُرعَان ما تَهُبُّ الألطافُ الإلهية فتستَوي السَّفينةُ ويهدأ بال التمكَروتي. هنا نراه يأتي بآية قرآنية أو كلام مأثُور، أو أبياتٍ شِعرية. هكذا تُسِيء الذاكرة الحافِظة إلى جِنس الرحلة، حيث تَقِف حائِلاً بل حَاجِباً لِلغَريب والمدهش والصَّاعِق. فبدل أن نرحَل في الجغرافيا مستشعرين الاختلاَفَ والغرابَة، نَرحل في ذِهن علي بن محمد التمكَروتي كأنّ رحّالتَنا ما هَمّهُ من الأمر إلاَّ استعراض ذائقتِه الأدبية والإخبار عن قوة ذاكرتِه. رحلة التمكَروتي رحلة مرآوية، يتقابل فيها السَّفَر واللغَة. اللغة مرآةُ السَّفَر. والسَّفَر مرآةُ اللغة. لم يَسْعَ التمكَروتي إلى وضع ذاته في صُلب رحلته، ولا إلى جَعل هذه الذات المرآةَ التي تنعكس عليها الجغرافيا والتمظهُرات الثقافية العامَّة من عُمرانٍ وعادَاتٍ. ولا سعَى التمكَروتي، وهذا هو المدهِش، في هذه الرّحلة، إلى اكتساب بطولة أو إعلاء شأنِ الذَّاتِ المغامِرَة. بل عكسَ كل ذلك سعى إلى تثبيت صُورَة الفقيه الملفّع بعباءة الأدَب، والأديب الملفّع بعباءة الفقيه. وفي اعتقادنا أنه نَجح في ذلك. في مظنُون التمكَروتي أنه لا يمكن فَهمُ الآنِي والآتِي إلاّ بالاتكاءِ على الماضِي. الماضِي هُنا هو ذاكرة التمكَروتي المحشوَّة بالشِّعرِ والحكمة والبلاغة المنمطة المسكوكة التي لا يَبذُل صاحبُهَا أي جهدٍ في تطويعها. كلّ دَيْدنه ومبتغاه أن يكشف عن عُلوّ كَعْبِهِ في الاستِظهار. فلا هو سعَى إلى ذِكر الأرض وشكلها كما فَعل المسعُودي، ولا إلى ذكر أخلاق البشر كما فعل الدمشقي، ولا إلى ذكر الأشجار والأنهار والأقاليم كما فعل ابن خلدون. والأغربُ من كلّ هذا أنه لم ير من عجائب البحر إلاّ الميدُ واضطراب السَّفينة بعد أن تصفَعُها أمواج كالجِبال. لم ير التمكَروتي سمكةً لها وجْهٌ آدمِي بلحية بيضاء، ولا حيواناً كهيئَة الرَّجُلِ والمرأة، ولا رأى سمكةً كُتب على ظهرها بالعربية لاَ إله إلاّ الله ومكتُوبٌ بين أُذُنَيها مِن خَلفٍ مُحمد رسول الله كما رأى الشيخ شمس الدين أبو عبد الله محمد أبو طالب الأنصاري الصُّوفي الدمشقي المعروف بشيخ الرّبوَة صَاحِب الرحلة المذهلة \"نُخبة الدّهر في عجائب البرّ والبحْرِ\". ولا رأى التمكَروتي وقد أقام بالقسطنطينية ما أقام امرأةً ولا ذَاقَ طعاماً، أو تَجوَّل في سُوقْ أو عَاينَ من العَادَاتِ ما تقشعرُّ له الأبدان، أو تطرب له الأنفُس. فكيفَ، إذَن، ننتظِر منه اقترافَ الصّاعِق والعجيبِ والمذْهِل إلى درجة الإخبار عن امرأةٍ كشفت عَن فَرجهَا وحَكّتهُ والناسُ جُلوسْ كما في رحلة ابن فضلاَن. قد يَقول قائِلٌ إن الباعثَ على الجرأةِ عند ابن فضلاَن وغيره هو تَمادِيهِ في إبرَاز ما يُوجَدُ عليه قَوم لم يَدخلُوا الإسلاَم بَعد، وأن التمكَروتي كانَ مُكبَّلاً بتشابه الاعتِقاد ووَاحِديتهِ، بله تشابه العادَات بين المنطلق والموئِل. فإذا كان التمكَروتي قد ارتادَ المجهول الجغرافي فإنَّ هذا الأخير لا يخرج، في تمظهُراته العامّة، عن الدائرة الثقافية العَامَّة التي قَدِمَ منها الرحالة. قد يكُون لهذا الكلام بعضُ مِصداقية ولكنه غيرُ كافٍ لإيجادِ تَبريرٍ لغياب العَجيب والفاتِن في \"النفحَة المسكية\". لاَ تفاضُلَ بل لا تَمييزَ في هذه الرّحلة بين زمن القصّة وزمن الحِكَايَة. يَنْقُلُ التمكَروتي مشاهدَاتِه، على قلتها، من العَينِي إلى المكتُوب دُونَ أن تشعُر أنَّها مَرَّت من مُختبر السَّرد لِتَصيرَ حِكايةً. فهل كان القارئ الضِّمني حاضراً في ذهن التمكَروتي؟ هل استجاب لنداء الكِتابة أو لِقانُون التّعجيب كما يُحلو لمحمَّد لطفي اليُوسفِي أن يَقُولْ، ليرضخ لإكْراهَاتِ اللغة التي من شروطِها مُقاسَمَةُ الرحالة مُتعَةَ الضّرب في الأرض واختِراق الآفَاقْ. وجَد التمكَروتي نفسَه مُوَزّعاً بين إكْراهَين\": إكراه الحكي وإكراه اللغة، أي إكراه تقديم الدَّليل على عُلُو كَعبه في البلاغة والتّنمِيق. فَبدل أن يقودكَ الرحالةُ أفُقياً وعمُودياً يَزُجُّ بِكَ في ذاكرته لتغرقَ في الطباق والمقابلة والقرينَة والمجَاز العقلي والاستغراق والإطناب المطنبْ الذي يُكرّرُ نفسه ويتشابَهُ حَدَّ الملل، لتَجِد نفسك، في الأخير، تنتقِل من معلومٍ إلى معلومٍ. تَتقدَّمُ في \"النفحة المسكية\" فتشعرُ وكأنّ التمكَروتي قد طَوَّحَ بِعَصَا التسيار واستسلم لِلغَة تقوده وتلهُو به ذاتَ اليمين وذات الشمال وهو في غفلة عن الوصفِ والطَّريق. يقمعُ التمكَروتي رغبةَ الوصفِ والسَّرْدِ في الإعلان عن نفسيهما بالإرتماء في أحضان الشعر والكلام المأثور والحديث النّبوي كأنه يُسافر في فيافي ذاكرته الحافِظَة لا في الأرضِ الغريبَة التي تَطأهَا قدماه، فتكَبل البلاغَةُ رِجْل الحكي وتَحدُّ مِن جَريان المذهل والممتِع والصَّاعق. يستطيع قارئ هذه الرحلة أن يقول إن التمكَروتي إنّما تَوَهَّم هذه السَّفرة ثم عمد إلى ما بين يديه من كُتُبٍ فأخذَ منها واغترف لولاَ بعضُ اللقطات القليلة، كوصفه لمدينة القسطنطينية، أو لمراسِيم الاِستقبال في القَصرِ. وحتّى عند هذه اللقطات نرى قَلم التمكَروتي يَحرَنُ إذ يُشيحُ ببصره عن المكامِن التي يُمكنُ أن يقدحَ زنَادَها فينبعث منها المدهش والغريب. لِنفكر، تمثيلاً لاَ حَصْراً، في منظَر غِلمان القصر في القسطنطينية أو في واقعَةِ شِرَاءِ عِلجَة واستقدامِها لتقديمِهَا هَدية للسطان أحمد المنصُور. مُحيّرٌ هذا الاِنشداد إلى الذاكرة وإلى الماضي في \"النفحة المسكية في السفارة التركية\"، فالتمكَروتي طوَال السَّفر ظلّ فؤادُه مشدوداً إلى مسقِط رأسِه تمكَروت، بَدل الاِنغمار في خبايا ومفاجَآت الزمان والمكان. كلّ شيء يُذكرهُ ببلدتِه، فالسفينَة، وهي تَتقاذفها الأموَاج، أشبه ما تكون بِبَهِيمَةٍ تَتمرّغ في التّراب. أمّا الموج فَلاَ يُشبَّهُ إلاَّ بالجَبل. أمّا الريحُ القوية المتلاَعبَة بِالْموْج، فهي الريحُ ذاتُها التي تَهزُّ أغصَانَ الشَّجر. والأشدّ من كلّ هذا أنّ التمكَروتي طوَال رحلته ظَلَّ يتقاذفَه الحنينُ إلى وَالدتِه التي، ويا للمفارقَة، لن يَسعَد بِلقيَاهَا ثانيةً إذ سَيتلقَّى نبأ رَحِيلها وهو يَهُمُّ بمغادَرَة مراكش إلى تمكَروتْ. عمُوماً، يبقَى القِسم الثاني مِن \"النفحة المسكيّة\" أقوى وأمتَع لكَونه تَخَفَّفَ مِنَ البلاغَةِ والكلاَمِ المسكُوك الجاهِز وانتبَه أكثر إلى خبايا الأمْكِنة. وهذا مَا تَنبَّهَ إليه مترجم الكتاب هُنري دُوكاستْرِي. في آخر الرّحلة مُلحق طَويل يُقدّمُ له التمكَروتي كالتّالي: »وَنذكُر إن شاء الله تعالى عَقِبَ هَذا نبذة من حكاياتٍ وأبياتٍ أدَبية وغزلية ووعظية وغير ذلك مِمَّا تلقيناه وأخذناه من بعضِ مَن لقينَاه في هذه السَّفرة المباركة«. وهذه النبذة مِنَ الحكايات لا تخلُو من الغريب والمعْجِب الصَّاعِق. أفَيمكنُ التّخمِين، إذن، أنَّ التمكَروتي كَان قد أعَدَّ ذلك الملحَق الطَّويل والمملّ قَصْد تطعيم الرّحلة وتقريبهَا أكثر من الإدهاش. هذه مُلاَحظات أولية عَنَّت لنا ونحن نقرأ هذه الرّحلة الرّائعة، ونُعيدُ قِرَاءَتَها.
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|