الرحلة اليابانية 1909
تأليف : علي كنعان
الولادة : 1936 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
الأمير مُحَمَّد علي باشا
حرَّرها وقدَّم لها علي كنعان المقدِّمة
أمير عاشق للترحال والمغامرة والاستكشاف يقطع في مدة شهرين ونصف الشهر مسافات هائلة لا تقل عن خمسة وعشرين ألف كيلو متر، أي أكثر من نصف محيط الأرض. إنها رحلة متعبة بقدر ما هي ممتعة وزاخرة بثمار المعرفة وروائع الطبيعة ومعالم العمران وألوان من البشر والاحتفالات والمعلومات، لكن محمد علي باشا الذي أمضى سنين طويلة في أوربا طلبا للعلم واكتساب الخبرة والمعرفة لا يتردد في خوض هذه التجربة الاستكشافية والإنسانية الرائعة. هذه، إذاً، ليست رحلته الأولى ولن تكون الأخيرة. لكن الشطر الأكبر من النص الذي دونه الرحالة خلال جولته هذه يركز فيها على أرض اليابان وشعبها والمدن التي زارها وأمعن النظر والفكر في طبيعتها وصروحها وأسواقها وأحوال أبنائها وصنائعهم. ومن الخطوة الأولى التي سارها الرحالة في هذه البلاد، يخطر للقارئ العربي أن يتابع ويقارن بين صورة النهضة في مصر وحالها في اليابان، ولا سيما أن محمد علي سبق الإمبراطور ميجي في التوجه إلى فرنسا وبريطانيا للاستفادة من علومهما وصناعتهما بما لا يقل عن ربع قرن. وإذا كان همُّ الغرب الشاغل في ذلك العهد منصبا على تحطيم الدولة العثمانية، طمعا في احتلال أطرافها واقتسام الغنائم، فقد كانت حال اليابان أحسن وأسلم. وفضلا عن ذلك، فمن المؤكد أن تلك الجزر الواقعة في أقصى شرق آسيا كانت جديرة بالمعاينة والتأمل والاهتمام، وبخاصة في ذلك الوقت من بدايات القرن العشرين، وقد جعلت نشوة النصر العسكري على روسيا أبناء ذلك الأرخبيل يتطلعون بزهو، لا يخلو من غرور واستعلاء، إلى التوسع واحتلال البلدان المجاورة في الصين وكوريا وإخضاع شعوبها. الانطلاق بحراً تبدأ الرحلة من القاهرة إلى الإسكندرية بالقطار، ومن ثم يركب الأمير البحر متجها شمالا... لتنتهي مرحلة الذهاب في كوريا، مرورا بإيطاليا وفيينا وموسكو، لينطلق منها مخترقا سيبريا بالقطار إلى ميناء فلاديفوستوك في أقصى شرق روسيا، ومن ثم يسافر بحرا إلى اليابان فكوريا، ومنها يبدأ رحلة العودة عبر شمال الصين حتى يصل خاربين – عاصمة منشوريا. ومن خاربين يستقل القطار عائدا، عبر سيبريا، إلى موسكو بالقطار ذاته الذي حمله من قبل إلى شاطئ بحر اليابان. طول الخط الحديدي الذي يعبر سيبريا في الأراضي الروسية يزيد عن تسعة آلاف كيلو متر( ). وإذا أضفنا إلى هذه المسافة طول الخط الواصل بين العاصمة النمساوية والعاصمة الروسية، فضلا عن المسافة التي قطعها بحرا من الإسكندرية إلى ميناء تريستا في شمال شرق إيطاليا، وسفره بالقطار من هناك إلى فيينا، لزادت المسافة التي قطعها ذهابا وإيابا عن خمسة وعشرين ألف كيلو متر. إضافة إلى ذلك كله، لا ننسى أنه تنقل قاطعا في تجواله مئات الكيلومترات عبر المدن والأرياف في اليابان وكوريا. منذ البداية نرى أن الأحداث العاصفة التي أدت إلى خلع السلطان عبد الحميد في أبريل 1909 قد أخرت موعد الرحلة شهرا وزادت من طول الطريق، إذ اضطر الأمير محمد علي أن يبتعد عن اسطنبول وما تعاني من أخطار واضطرابات. عبور سيبريا بالقطار باشر الرحالة بتدوين وقائع رحلته من موسكو، بعد أن مر مرورا عابرا بذكر المحطات الأولى بدءا من الإسكندرية حتى العاصمة الروسية. إن عبور سيبريا بالقطار من موسكو إلى فلاديفوستوك ليس حدثا عاديا، إنما هي رحلة فريدة لا تخلو من مجازفة خطرة وشجاعة جديرة بالتقدير في وقت مبكر من القرن الماضي، ولا سيما أن هناك عصابات (الكونكوز) التي تحترف الابتزاز والسطو والنهب، ورجالها يستغلون طول الطريق والصعوبة البالغة في توفير الحماية الدائمة للمسافرين، فيصعدون القطار وكأنهم ركَّاب عاديون ثم ينتظرون المكان المناسب والفرصة المواتية لارتكاب جناياتهم والفرار بأسلابهم تحت جنح الظلام. يذكر الأمير محمد علي أنه لم يشأ أن يتحدث عن السكة الممتدة بين فيينا وموسكو لأنها معروفة. وقد اقتصر حديثه على مشاهداته خلال الأيام الثمانية التي أمضاها عابرا سيبريا بالقطار. وهو يوجز بالحديث أحيانا، وغالبا ما يكتفي بالتلميح العابر بدل الوصف الأدبي الذي يحتفي بإيراد تفاصيل المشهد، فيقول: \".. وقد مررنا على كثير من المحطات الصغيرة، ورأينا جملة قطارات تحمل كثيراً من المهاجرين...\" وحتى مناظر الطبيعة التي تأسر لب الزائر المتأمل وتملأ نفسه بالمتعة والابتهاج، كان يطيب له بين حين وآخر أن يقارنها بسويسرا حيث أمضى فترة من شبابه واحتفظ منها بأغلى الذكريات، وهو يمر بهذه البقاع الآسيوية مستعجلا، وكأن جملة واحدة تفي بالغرض وتزيد، فيقول: \".. وصار القطار يمر بنا مر السحاب، وكم مررنا على مناظر جميلة تدهش بحسنها الألباب...\" من المحتمل أن الرحالة واجه، في بعض مراحل الطريق، مواقف صعبة لا تخلو من مضايقة وعناء خلال الأيام التي أمضاها في اجتياز تلك البقاع المترامية من الأرض الروسية. والحديث عن ذلك الخط الحديدي بشيء من التفصيل يبدو ضروريا ومفيدا، نظرا لطوله الفريد من نوعه في العالم، وتأكيدا على فرادة الجسور والأنفاق العديدة التي أنشئت من أجله، ناهيك بألوان شتى من مشاهد الطبيعة وملامحها المختلفة، فضلا عن أهمية الخط الاستراتيجية، وبخاصة أن التأخر في إنجازه كان أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة الروس أمام اليابانيين، نظرا لبعد جبهة القتال وصعوبة الإمدادات وتأخر وصولها. وربما آثر الأمير ذلك الإيجاز بدافع الخشية من المساس باسمه ومكانته، ولا سيما أنه كان يسافر متنكرا، وكان حريصا جدا على ألا يكشف عن نفسه إلا إذا اقتضى المقام ذلك، كما في زيارة السفارة البريطانية أو لقاء نائب الرئيس الأميركي المسافر في القطار ذاته. وإلى جانب هذا الاحتراس الأمني، ظل الرحالة وفيا لقلمه، عاكفا على تسجيل ما يراه جديرا باهتمامه واجتذاب قرائه، وإن آثر التكثيف والإيجاز في عديد من المحطات. ولم يتخلَّ عن هذا الإيجاز حتى في زيارته العابرة لكوريا ومنشوريا، وكأن هذين البلدين لا يستحقان أن يشغل باله بهما أو يتعب قلمه بوصفهما، لأن المشهد الياباني طغى على كل ما عداه. ولعلنا نستثني من ذلك وصفه للمزارع والجمال والخيول التي شاهدها في طريقه. ومن شدة اهتمامه بالخيل الأصيلة، وهو المعروف بالفروسية، نراه يصف الجياد التي رآها ويصف سروجها وطريقة ركوب الفرسان لها، ويقارن بين ما يراه منها في شرق آسيا وبين ما يعرفه عنها بخبرته الواسعة سواء في مصر أو في الغرب بوجه عام.
في اليابان عندما بلغ الرحالة اليابان، سرعان ما انطلق على سجيته وراح يدون أدق الملاحظات، مما يوحي أنه ظل أسير العنوان الذي خص به كتابه هذا \"الرحلة اليابانية\". فهل كان ينوي أن يقوم برحلات قادمة في البلاد الأخرى ليفرد لها كتابا مستقلا؟ أم أن المدة القصيرة التي قضاها فيهما مسافرا لم تسعفه بالكتابة التي تحتاج إلى مزيد من الوقت والتأمل والاطلاع على بعض المراجع التي لم تتيسر له؟ أم أن حالة الفقر والخضوع والاستسلام للقوة اليابانية في تلك البلدان هي التي جعلته يعرض عن الاهتمام بها؟ إن نص الرحلة لا يمدنا بإيضاح واف، لكن الأمير يبدي نفورا من الكوريين وهو يلحظ تدنيا في مستوى النظافة عندما يقارنهم باليابانيين. ويبدو أن العاصمة الكورية لم تسلم من تلك الحالة البائسة التي كانت تعاني منها البلاد تحت الاحتلال الياباني، فيقول: \" .. ورائحة الشوارع كريهة من رائحة المنازل المجاورة لها\". ويمكن أن نضيف إلى ذلك حالة القلق والتوجس من أخطار الطريق، بعدما نصحهم صاحب الفندق الكوري في العاصمة بأن يأخذوا حذرهم وأن يتزودوا بما يحتاجون من طعام وشراب خلال اليومين اللذين يستغرقهما السفر في الطريق الجبلية عبر الحدود الكورية الصينية، إما بسبب الفقر المنتشر في تلك المناطق أو لأسباب أمنية، وحرصا على سلامتهم من اللصوص والوحوش الضارية. لكن الرحلة مرت بسلام. طبيعة اليابان الساحرة بحدائقها وجبالها وأنهارها أخذت نصيبها الوافي من اهتمام الرحالة، كما أن المعالم العمرانية والأثرية من معابد وقلاع ومتاحف أفرد لها جل وقته، وكان واضحا أن غنائم الانتصار العسكري على روسيا كانت من أهم معروضات المتاحف الحربية وقد اجتذبت نظر السائح الكبير واسترعت اهتمامه. قام الأمير بزيارة سبع مدن يابانية، هي على التوالي: طوكيو، يوكوهاما، نكو، ناغويا، أوساكا، كوبيه، كيوتو؛ هذا فضلا عن تسوروغا على الساحل الغربي وهي الميناء الذي دخل منه تلك البلاد، وشيمونوسيكي على الساحل الجنوبي وهي الميناء الذي غادر منه اليابان إلى كوريا. ولعل زيارة جزيرة مياجيما، أثناء حركة المد والجزر، كانت من أجمل المواقع التي زارها في اليابان، وهي ما تزال من أهم المعالم السياحية حتى يومنا هذا. رحلة الأمير هذه جاءت بعد ثلاث سنوات من الرحلة الرائدة التي قام بها الشيخ علي أحمد الجرجاوي، صاحب مجلة الإرشاد ورئيس تحريرها، لحضور مؤتمر ديني \"تنحصر أعماله في البحث في أصول كل دين\" – كما يقول. ويبدو أن نظرة الأمير لا تختلف عن نظرة الجرجاوي واهتمامه بدعوة اليابانيين لاعتناق الإسلام ، فهو يقول: \".. فلو وجدت بعثة إسلامية وذهبت إلى تلك البلاد لوجدت أذنا صاغية وقلوبا واعية وأمكنها أن تدخل كثيرا منهم في الديانة الإسلامية...\" ثم يضيف في فقرة تالية، موضحا وجهة نظره: \".. لو قام فريق من متعلمي المسلمين في الهند أو الصين لقربه منهم وسرعة التفاهم بينهم، لأمكن تعليمهم وصارت هذه الأمة العظيمة كلها أو جلها إسلامية...\" لكن هذه المسألة لم تشغل بال الأمير طويلا، وهي المهمة الأساسية لسلفه. تركز اهتمامه على ما بلغته اليابان من مظاهر التقدم الحضاري في الإدارة والصناعة والتنظيم، ولم يقف عند هذه الحدود بل تخطاها إلى الاهتمام بشتى ما رآه وخبره بنفسه أو سمعه من آخرين، ولم يتردد في تسجيل آرائه سلبا وإيجابا. ونلاحظ أن إعجاب الرجل بأوربا، حيث درس وتنقل وعاش طويلا بين ربوعها المختلفة، لم يظهر بجلاء في هذه الرحلة إلا من خلال المقارنة بين جمال النساء وجودة ألوان الطعام وبعض الصناعات التي يمتاز بها الغرب الأوربي، بينما لم يكن الأمر كذلك في أقصى الشرق الآسيوي. المظاهر الملكية من الأمور التي نرى أن الرحالة مشغول بها أكثر من غيرها بشكل واضح، نرى أن الاحتفالات الرسمية والمظاهر الملكية والتنظيمات الإدارية تحظى بمكانة خاصة. فهو لا ينسى لحظة أنه رجل دولة، وإن لم يذكر ذلك صراحة. من هذا المنطلق، نراه حريصا على مراقبة نفسه ودراسة كل خطوة في تصرفاته وعلاقاته وحتى في تدوين مشاهداته، بدءا من اهتمامه بمظاهر الاحتفال الشعبي عند استقبال ولي العهد القيصري على مقربة من حدود منشوريا في روسيا. والأمير ينظر بعين الرضا والتقدير إلى سلوك ذلك الدوق وتواضعه، إذ يقول عنه: \".. ولما جاء وقت الأكل حضر دولة الغراندوق إلى حجرة الأكل العمومية، وأكل معنا بكل سرور وابتهاج، ولم يظهر عليه ما يفيد أدنى تأفف ولا تكبر ولا أنفة ولا عظمة، فعلمنا من ذلك أنه رجل وديع الأخلاق كامل الصفات، يميل للتواضع والموادعة، ويحب المجاملة والمصانعة...\" والرحالة لا يخفي إعجابه بالتنظيم والانضباط الياباني وهو يورد، بتفصيل واضح، ما يشبه الوثيقة الرسمية عند وصفه موكب الاحتفال بعيد ميلاد الإمبراطورة. وربما شاركناه في مشاعر الحرج والضيق حين اعتذرت وزارة الخارجية عن السماح له بزيارة القصر الإمبراطوري، بذريعة أن الطلب ينبغي أن تقدمه جهة دبلوماسية. وفي كوريا لم يتردد في زيارة قبر أم الملك، عملا بنصيحة الترجمان، لكنه وجده \"في غاية البساطة\". ومن الأمور التي تلفت انتباه القارئ في هذه الرحلة أن صاحبها مهتم بالأنسجة الحريرية وأباريق الشاي والفناجين إلى جانب الصناعات اليدوية، لكنه لم يجد ما يغريه بشراء هدية لوالدته، لأن المصنوعات اليابانية لم تبلغ بجودتها المستوى الراقي الذي بلغته الصناعة الأوربية. ومع ذلك، فهو يتأمل بإعجاب المباني العريقة في المدن التي زارها ويتمنى لو حافظت اليابان على طرازها المعماري الجميل، فيقول: \".. ومما يؤسف عليه أن مباني الحكومة الآن كلها على الطراز الأوربي مع كون الطراز الياباني أحسن منه رونقاً وأجمل منظراً، فإننا رأينا سرايات وقصوراً تابعة للأمراء والأعيان بالشكل الياباني في غاية من البهجة وتمام الإتقان...\" في طريق العودة، وليكون الختام مسكا، لا ينسى الأمير أن يشيد بالاستقبال الرسمي الكريم الذي حظي به في روسيا، مشيرا إلى الدور البارز الذي قام به السفير الروسي في القاهرة. وهو ينهي رحلته بفقرة مفعمة بالبهجة والامتنان من صدق ذلك التكريم، جاء فيها ما يلي: \".. وعند مروري عليها وجدتهم قد فاقوا غيرهم في حسن المعاملة وجميل المجاملة، لأن ما حصل لنا منهم من الإكرام لا يمكن أن تعبر عنه ألسنة الأقلام لأنه لم يحصل مثله في أي دولة من الدول. والذي دعاهم إلى ذلك هو التوصية علينا من سفير روسيا، كما أوصى غيره من السفارات الأخرى الموجودة بمصر، ولكن الروسيين قد بالغوا في الترحيب والتكريم والإجلال والتعظيم إلى حد قد بلغ في الغاية ووصل إلى النهاية...\" الوجه الآخر ربما كانت \"الركشة\" من أغرب المشاهد التي تبدو في شوارع اليابان وبين معالمها السياحية في تلك الفترة من أوائل القرن العشرين، وهي عربة ذات عجلتين يجرها رجل وتستخدم لنقل شخص من مكان إلى آخر، كما تفعل سيارات الأجرة في يومنا هذا. الأثر الجارح الذي تتركه هذه العربة في نفس الزائر أنها من مظاهر العبودية وآثارها المهينة الباقية في ذلك المجتمع. ومما يلفت النظر أن ذكر \"الركشة\" لم يرد في رحلة الجرجاوي سنة 1906، وإن كانت موجودة، كما أنها لم ترد في رحلة محمد ثابت سنة 1932. كانت هذه العربة وسيلة الانتقال الوحيدة التي استخدمها محمد علي داخل مدن اليابان، ويكفي هنا أن أذكر الحادثة الآتية: كان هناك نوع آخر من وسائل النقل تشبه المحفة الرومانية يحملها أربعة من الرجال، وقد قام الأمير محمولا في تلك المحفة بزيارة معبد يقع على قمة جبل في جزيرة مياجيما صاعدا 20 ألف درجة على أكتاف الرجال! كيف احتمل السائح الكبير ذلك دون أن يبدي أي تعاطف أو شفقة على أولئك الرجال البائسين؟! من مرارة السخرية أننا نراه يشكو من سوء تصرف هؤلاء الرجال، وكأنهم آلات أو مطايا وليسوا من البشر! والمسألة السلبية الأخرى التي يلحظها القارئ وقد تثير استغرابه أن الرحالة لم يصادف عربيا واحدا طوال الرحلة، وربما كان غير معني بذلك، بينما نراه يبدي اهتماما بالغا بزيارة السفير البريطاني وزوجته في طوكيو. ولعل مسؤولية هذا الشأن لا تقع على عاتق الأمير، لكنها تلقي الضوء، ولو بصورة غير مباشرة، على أحوال البلاد العربية الخاضعة للدولة العثمانية في ذلك العهد؛ ومن أبرز سمات تلك الأحوال غياب العلاقات الدبلوماسية بينها وبين اليابان، رغم الإعجاب الشديد الذي عبر عنه شاعر النيل حافظ إبراهيم في قصيدته \"غادة اليابان\" التي تغنت بها أجيال عدة من أمة العرب. مشكلات اللغة المشكلة الأساسية التي واجهتني في تحرير هذه الرحلة برزت في تدقيق أسماء الأمكنة وإزالة الالتباس في لفظها وكتابتها، بدءا من المحطات الروسية التي يمر بها الخط الحديدي العابر سيبريا وحتى منشوريا، مرورا باليابان وكوريا. فالرحالة يعمل على تعريب الأسماء نقلا عن الفرنسية أو الألمانية في الغالب، وأحيانا يعتمد على السمع الملتبس. وعلى سبيل المثال، (كاوا) Kawa معناها (نهر) في اليابانية، وهي ترد في النص وفق اللفظ الفرنسي (كافا) مما يؤدي إلى مزيد من الالتباس. ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الرحلة جاءت في فترة مبكرة، وقد تعرضت بعض الأسماء أو كثير منها للتغيير، إما بسبب الثورة البلشفية في روسيا ورديفتها الماوية في الصين، أو بسبب حربين عالميتين كان لهما تأثيرهما البالغ في الجغرافيا السياسية لتلك البلدان، فضلا عن كوارثهما في الطبيعة والبشر. وإذا كان من اليسير تصحيح الأسماء المتعلقة باليابان بسبب إلمامي باللغة اليابانية ومعرفتي بجغرافية تلك البلاد، فقد بدت المشكلة عسيرة في ما يتعلق بالأسماء الروسية والكورية والصينية. من أبرز المراجع التي اعتمدت عليها في تحرير الأسماء وتدقيقها معجم (وبستر) والموسوعة الجغرافية (إنكارتا)، لكنهما لم يفيا بالغرض المطلوب، وبخاصة أثناء متابعة عشرات المحطات الواقعة على الخط السيبري. وكان موقع google على الشبكة العالمية مرجعا متميزا زودني بالكثير من الروابط الفرعية المشتملة على خزائن من المعلومات عن الأسماء، موضوع البحث، ومقارنتها بنظائرها في المراجع الأخرى. وتجنبا لما يثيره حرف G من التباس بين لفظ الجيم في مصر، ولفظه في البلاد العربية الأخرى، فقد أثبتُّ الجيم مقابل J ، والغين مقابل G. وهناك التباس آخر متعلق بحرف (السين) الذي يتحول أحيانا إلى (زاي) على ألسنة البريطانيين والأميركان. إن اليابانيين، على سبيل المثال، يلفظون مدن (أوساكا) ، (ناغاساكي) ، (شيمونوسيكي) هكذا بالسين؛ لكنها ترد في النص (أوزاكا) ، (نكزاكي) ، (شيمونوزيكي) وكأن اللسان العربي عاجز عن لفظ السين. لذلك آثرت أن أكتب أسماء المدن والمواقع اليابانية كما يلفظها أبناء تلك البلاد. وحسبي هنا أن أشير إلى أني قمت بوضع جميع الحواشي والشروح، وكان الدافع إلى استعمال الحرف اللاتيني إلى جانب العربي في تدوين الأسماء انطلاقا من الرغبة بتوخي الدقة في اللفظ وتجنب حركات التشكيل التي لا تظهر واضحة في الحاشية، نظرا لصغر الحرف. ثمة ملحوظة أخرى متعلقة بفن الكتابة. يبدو أن أسلوب الرحالة في هذا النص مختلف عن أسلوبه في تدوين الرحلات الأخرى كالشامية والأميركية، وهذا يوضح ما أورده عنه خير الدين الزركلي في (الأعلام) إذ يقول: \".. وكان يكتب \"مذكرات\" موجزة عن مشاهداته في رحلاته، ثم يعهد بها إلى بعض الكتاب فيصوغونها ويضيفون إليها ما يتصل بها من مقتبسات ومترجمات...\" وربما بدا حرف (قد) الذي يكثر الكاتب من استعماله في هذا النص، بعيدا عن أي مسوغ فني أو دلالي، مثالا على الحشو الزائد عن الحاجة في أغلب الأحيان، كما في المقتبس العشوائي التالي: \".. ومن هناك قد توجهنا إلى رؤية السراي الملوكية، ولما قربنا منها قد رأينا في طريقنا عدة نقط عسكرية في محال قد خصصت بهم...\" ولا أنكر أن الرغبة راودتني لحذف هذا الحرف المحشور في غير محله، حرصا على سلامة التعبير وسلاسته، لكن الأمانة العلمية فرضت علي الالتزام الشديد بترك النص على حاله كما ورد في الأصل. ومما يؤكد الاعتماد على الترجمة إيراد فقرات الاحتفال الديني في مدينة نكُّو بالتفصيل، إضافة إلى ما جاء في ختام الرحلة من بنود المعاهدة التي أبرمت بين روسيا واليابان، إذ وردت بكامل موادها. ولعل الدافع الوطني هو الذي أملى عليه ذلك، وهو يتطلع بأمل مكتوم إلى اليوم الذي تتحرر فيه مصر من السيطرة البريطانية باتفاقية مشابهة، وإن لم يشر إلى ذلك بأي تلميح. لم يكن لهذه المتاعب والمعوقات التي واجهت المحرر أن تؤثر على أهمية الرحلة، ولن تخفف من متعة قراءتها ومتابعة فصولها والتنقل مع الرحالة من مكان إلى آخر، وبخاصة أنها حدثت في أيام مختلفة عن يومنا هذا. إن قلة الكتب والمعلومات المنشورة في البلاد العربية عن بلدان الشرق الأقصى، ولا سيما اليابان، تضفي مزيدا من المعرفة التاريخية والقيمة العلمية على رحلة الأمير هذه. والطريق الطويل المحفوف بالمتاعب والأخطار، الذي سلكه في عبور سيبريا، جعله يرى قوافل المنفيين إلى صحارى الجليد قبيل الثورة والقضاء على النظام القيصري، لكنه يسميهم \"مهاجرين\". فهل كان يحسبهم فعلا مهاجرين يبحثون عن عمل، رغم علمه واطلاعه الواسع على أحوال عصره، أم أنه كان متعاطفا مع القياصرة، انطلاقا من حرصه على توافر الأمن والانضباط، ووقوفه ضد كل إخلال بالنظام، مهما كان سادة ذلك النظام طغاة ظالمين؟ هذا التساؤل نتركه للتاريخ. يكفي هنا أن نرافق الرحالة في تجواله ونتابع بتأمل ممتع ومفيد ملامح تاريخية وجغرافية وحضارية من تلك البلاد الواقعة على حافة آسيا الشرقية ونستعرض معه أحوال شعوبها، وبذلك نعيش تلك التجربة من جديد ونعطيها شيئا من حياتنا وأفكارنا ومشاعرنا مثلما أعطتنا الكثير من وقت الكاتب واهتماماته ومشاهداته. وإذا كان كل عمل لا يخلو من عثرات وأخطاء، فإن تبعة كل تقصير تقع على كاهل المحرر وحده. ويظل القارئ الجاد هو المعلِّم والحكَم والمآل. علي كنعان أبو ظبي في 24 /10/2003
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|