مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة 921 م

تأليف : شاكر لعيبي
الولادة : 1955 هجرية
الوفاة : 1 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لشاكر لعيبي (4)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّادحرَّرها وقَدَّم لها شاكر لعيبي المقدمة

إذا ما استحقَّت رحلةُ ابنِ فضلانَ التي قام بها سنة 921م عنايةً استثنائيةً من طرفِ الباحثين والمحققين، فلأنَّها من أوائلِ الرحلاتِ العربيةِ التي وصلتْ إلينا. ومقارنةً برحلةِ أبي دُلَف سنة 942، ورحلةِ المقدسي سنة 985-990م، فإن رحلة ابن فضلان تظلُّ مشغولةً بهَمٍّ توثيقيٍّ صرفٍ أكثرَ من اهتمامِها بالشأنِ الجغرافيِّ. إنَّها وصفٌ أنثروبولوجيٌّ يتمحور حول موضوعٍ واحدٍ محدَّدٍ لا يحيد عنه رغم قصر النُّسخةِ الواصلةِ إلينا.

لقد انطلق ابنُ فضلانَ يوم الخميس 11 صفر سنة 309هـ ، الموافق 21 حزيران سنة 921م، برحلةٍ شائقةٍ بتكليفٍ من الخليفةِ المُقْتَدِرِ العباسيِّ الذي طلب الصقالبةُ العونَ منه. واستغرقت الرحلةُ أحد عشر شهراً في الذَّهابِ، وكانت مليئةً بالمغامراتِ والمشاقِّ والمصاعبِ السياسيَّةِ والانفتاحاتِ على الآخرِ المختلفِ ثقافياً.
والصقالبةُ هم سكَّانُ شمالِ القارَّةِ الأوربيَّةِ، وكانوا يسكنون على أطرافِ نهرِ الفولغا، وتقع عاصمتُهم بالقربِ من (قازان) اليومَ في خطٍّ يوازي مدينةَ موسكو.
وكان وفدُ الخليفةِ المقتدرِ إلى ملكِ الصقالبةِ يتكوَّن من أربعةِ رجالٍ أساسيين وبضعةِ مرافقين من الفقهاء والمعلمين والغلمان.

النسخة الوحيدة لمخطوطة رسالة ابن فضلان:

صدرت الطبعةُ الأولى من \"رسالة ابن فضلان\" بدمشق سنة 1959 عن مجمعِ اللُّغةِ العربيةِ في دمشقَ بتحقيقِ الدكتور سامي الدهان، مع تقديمٍ واسعٍ وشروحاتٍ ضافية. ثُمَّ صدرتْ طبعتُها الثانيةُ عن مديريةِ إحياءِ التراثِ العربيِّ في وزارةِ الثقافةِ والإرشادِ القوميِّ السوريةِ عام 1977. ثم صدرتْ لها طبعةٌ ثالثةٌ (كُتب عليها أنَّها الطبعةُ الثانيةُ!) سنة 1987 عن مكتبةِ الثقافةِ العالميةِ في بيروت، وعليها نعتمد نحن في طبعتنا هذه.
يتخذ الدكتور الدهان من (صورةٍ شمسيةٍ) لرسالةِ ابنِ فضلانَ أصلاً للتحقيقِ الذي قام به. وإليكم تفصيل الأمرِ: في سنة 1924 نشر ماركوارت Markwart دراسةً عن الرَّحالةِ في ليبتسك، وفي نفسِ السَّنةِ تسلَّم المعهدُ الآسيويُّ للاستشراقِ في بطرسبورغ ورقتين مصورتين من النُّسخةِ الخطيَّةِ التي اكتُشفت في مدينةِ مشهد (طوس) الإيرانية، ووصلتْ بقيَّةُ الأوراقِ مصورةً بعد عشرِ سنواتٍ إلى المعهدِ. ومنذ ذلك العامِ نفسِه نُشر مقالٌ بالروسيَّةِ في التَّعريفِ بالنُّسخةِ الخطيَّةِ المُكْتَشَفَةِ في خزانةِ المخطوطاتِ بمشهد. في سنة 1926 صدر فهرسُ هذه الخزانةِ، وفيه وصفٌ هذه النُّسخةِ، تحت رقم 2 \"أخبار البلدان\"عربي. وقد كُتبت المخطوطةُ بخطِّ النَّسخِ، وفي كلِّ صفحةٍ منها 19 سطراً، وأوراقها 212 ورقةً آخرُها مبتورٌ مخرومٌ.
وأوَّلُ من حقَّق مخطوطةَ مشهد وعلَّق عليها وترجمها هو الباحثُ التركيُّ وليد زكي طوغان الذي قابلها على ما جاء عند ياقوت الحموي, ونشرها بالحروفِ العربيةِ والترجمةِ الألمانيةِ وطبعها سنة 1939. وفي السَّنةِ نفسِها ترجمها المستشرقُ الكبيرُ كراتشوفسكي وكتب لها مقدمة ضافية، وفي آخر دراسته نشر صورةً فوتغرافيةً للرِّسالةِ كاملةً عن مخطوطةِ مشهد وبحجمٍ كبيرٍ .

وإلى أساسِ هذه الصورِ الشَّمْسِيَّةِ التي نشرها كرتشوفسكي يستند التحقيقُ كلُّه الذي قام به د. الدَّهان، وبالاستعانةِ، كما أحسبُ، بطبعةِ وليد زكي طوغان العربيةِ-الألمانيةِ.

ياقوت الحموي يقود إلى ابن فضلان

قبل التوصُّلِ إلى اكتشافِ مخطوطةِ مشهد التي نشرها د. الدَّهانُ فإنَّ النقولاتِ التي قام بها ياقوتُ الحمويُّ في (معجم البلدان) عن رحلةِ ابنِ فضلانَ هي التي قادت المستشرقين والباحثين للاهتمامِ بابن فضلانَ محاولين العثورَ على نسخةٍ من عملِه، وهو ما توصلوا إليه أخيراً.
يثبتُ د. الدَّهانُ أنَّ الإصطخريَّ وابنَ رسته والمسعوديَّ قد قرأوا رسالةَ ابنِ فضلانَ ونقلوا عنه دون أن يُثبتوا أنَّهم قد نقلوا عنه. لكنَّ الرُّجوعَ إلى هؤلاءِ يُبرهن أنَّ ما يذكرونه, عن الروسِ والخزرِ والبلغارِ, لا يبدو كثيرَ التطابقِ مع رسالةِ ابنِ فضلانَ إلا عرضاً وبنقاطٍ معلوماتيةٍ مُشاعةٍ، يمكن أن تتهيأ لأيِّ جغرافيٍّ جاد دون أن ينقل بالضرورة عن غيرِه.

يذكر الدَّهانُ أنَّ ياقوت، في القرنِ السابعِ، كان (أول) من أشار إلى ابنِ فضلانَ، مختاراً فصولاً من رسالتِه ومُدْرِجاً إيَّاها في معجمِه، مُصَرِّحاً أي ياقوت، بأوضحِ عبارةٍ، بأنَّه ينقل عنه، خاصةً تحت المواد: خوارزم، باشغرد، بلغار، إتل، روس، خزر. وقد أثبتَ ياقوتُ قرابةَ عشرين صفحةً من الرِّسالةِ، وترك خمسَ عشرةَ صفحةً منها، فكأنَّه، كما يقول د. الدَّهانُ، نقل ثلثيها وبقي ثلثٌ واحدٌ- على الأقلِّ- مجهولاً.
هل كان ياقوتُ الأوَّلَ والوحيدَ الذي يصرِّح جهاراُ بنقلِه عن ابنِ فضلانَ كما يقول د. الدهان ويتابعه الجميعُ بعد ذلك؟ كلا. وهنا واحدةٌ من نتائجِ بحثِنا في رسالةِ ابنِ فضلانَ ومن فضائلِ طبعتِنا الحاليَّةِ هذه كما سنرى.
لنَعُدْ إلى المستشرقين المهتمِّين بتاريخِ الروسِ والبلغارِ، ولْنَرَ إلى أنَّ اهتمامَهم سنة 1800 قد قادهم إلى نشرِ ما قاله العربُ عن الروسِ وفيهم الإدريسيُّ والمسعوديُّ وابنُ فضلانَ (عبر ما ينقله ياقوتُ فحسب لأنَّ نسخةَ مشهدَ كانتْ مجهولةً). سنة 1841 جمع المستشرقُ راسموسن Rasmussen مقاطعَ من فصولِ ياقوتَ المنقولةِ عن ابنِ فضلانَ وترجمها إلى الروسيَّةِ، ونقلها عنه إلى الإنكليزيةِ نيكلسون بعد أربعِ سنواتٍ. سنة 1819 جمع المستشرقُ الألمانيُّ فرني Fraehn مخطوطاتِ ياقوتَ ليستخرج منها ما نقله الأخيرُ عن ابنِ فضلانَ ونشرها تباعاً منذ سنة 1822. سنة 1863 نشر وستنفلد دراسةً بالألمانيةِ عن الرحلاتِ عند ياقوتَ وفيها رحلةُ ابنِ فضلانَ، وكان يجمع مخطوطاتِ ياقوتَ من أجلِ نشرِ معجمِ البلدان. وفي سنةِ 1899 نشر فستبرغ Festberg دراسةً كذلك عن ابنِ فضلانَ. وفي سنةِ 1902 نشر المستشرقُ فون روزن Rosen مقالاً بالروسيَّةِ عن ابنِ فضلانَ كذلك. سنة 1911 كتب المستشرقُ التشيكيُّ دفورجاك Dvorak دراسةً عن رحلةِ ابنِ فضلانَ نشرها في براغ، وبعد عامين نشر برتولد Barthold بالروسيَّةِ دراسةً عن موضوعِ الرحلاتِ إلى روسية عند العرب.

كان ابنُ فضلانَ )المنقولُ عبر ياقوتِ الحمويِّ( في صلبِ اهتماماتِ هؤلاءِ المستشرقين. وكان ياقوتُ إذن حلقةَ وصلٍ وتعريفٍ بالرجلِ قبل اكتشافِ مخطوطةِ مشهدَ آنفةِ الذِّكْرِ.
وياقوتُ الحمويُّ (وُلِدَ عام 1178م- تُوفي عام 1228م) هو أديبٌ ومؤلفُ موسوعاتٍ، وُلِدَ في مدينةِ حماة السوريَّةِ. اشتهر بكتابه \"إرشادُ الأريبِ إلى معرفةِ الأديبِ\"، الذي جمع فيه أخبارَ الأدباءِ إلى أيامِه، ورتَّبهم فيه حسب حروفِ المعجمِ، وأشار إلى من اشتغل منهم بالكتابةِ أو الوِرَاقَةِِ أو النَّسْخِ أو الشِّعْرِ. ويُعتبر الكتابُ موسوعةً ضخمةً للأدباءِ. ذكر ياقوتُ في مقدمتِه كتبَ التَّراجمِ الكثيرةِ التي استفاد منها، وتدلُّ القائمةُ الكبيرةُ التي ذكرها على أنَّه عَلَمٌ من أعلامِ مؤلفي الموسوعاتِ في التاريخِ. كما يدلُّ على ذلك أيضاً تأليفُه كتاب \"معجم البلدان\"، وهو موسوعةٌ جغرافيةٌ ضخمةٌ تستغرق عِدَّةَ مجلَّداتٍ، رُتِّبَتْ هي الأخرى على حروفِ المعجمِ، وتتضمَّن معلوماتٍ أدبيةً وتاريخيةً ولغويَّةً في غايةِ التنوُّع والثراءِ.

ياقوتُ الحمويُّ ليس الوحيدُ الذي يشير إلى ابنِ فضلانَ

من حينها حتى يومنا، جرى اعتبارُ ياقوت الحموي المصنِّف الوحيد الذي ينقل عن ابن فضلان ويشير بصراحة إلى ذلك بتعبيرات من قبيل: \"وقرأت رسالة عملها أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان رسول المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة ذكر فيها ما شاهده منذ انفصل من بغداد إلى أن عاد إليها\" أو \"قرأت في كتاب أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد رسول المقتدر إلى بلاد الصقالبة\" أو بتعبيرات نقدية بصدد ما وجده في الرسالة من الأفكار المنافية للمنطق والعقل.

على أننا اكتشفنا أن ياقوت ليس الوحيد الذي يعترف بنقله واستشهاده بابن فضلان. القزويني كان يفعل في كتابة (آثار البلاد وأخبار العباد)، وبثلاثة مواضع من كتابه:
1- \"قال ابن فضلان في رسالته: رأيت جيحون وقد جمد سبعة عشر شبراً. والله أعلم بصحته\".
2- \" حكى أحمد بن فضلان رسول المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة لمَّا أسلم فقال: عند ذكر باشغرت وقعنا في...\" إلخ.
3- \"حكى أحمد بن فضلان لما أرسله المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة وقد أسلم حمل إليه الخلع. وذكر من الصقالبة عادات عجيبة منها ما قال: دخلنا عليه...\".

والاستشهادات هذه مضمومة كاملة في هوامش طبعتنا الحالية.

والقزويني هو أبو عبد الله بن زكريا بن محمد القزويني، ينتهي نسبُه إلى أنس بن مالك عالم المدينة. ولد بقزوين في حدود سنة 605 للهجرة (1184م)، وتُوفي سنة 682 هـ،(سنة1261م). اشتغل بالقضاء مدة، ولكن عمله لم يلهه عن التأليف في الحقول العلمية. شغف بالفلك والطبيعة وعلوم الحياة، وكانت أعظم أعماله شأناً هي نظرياته في علم الرصد الجوي. مؤلفه الرئيسي هو كتابه المعروف (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) وفيه وصف للسماء وما تحوي من كواكب وأجرام وبروج، والأرض وجبالها وأوديتها وأنهارها..إلخ. وقد رتب ذلك ترتيباً أبجدياً دقيقًا. كما كتب مصنَّفه (آثار البلاد وأخبار العباد) وفيه ثلاث مقدمات عن الحاجة إلى إنشاء المدن والقرى، وخواص البلاد، وتأثير البيئة على السكان والنبات والحيوان، كما عرض لأقاليم الأرض المعروفة آنذاك وبلدانها ومدنها وشعوبها، وخصائص كل منها.

توفي ياقوت سنة 1228م بينما توفي القزويني سنة 1261م أي أن بينهما 33 سنة فقط. يسبق إذن ياقوت الحموي القزويني ببضع سنوات، هل يجوز أن يكون القزويني قد نقل عن ياقوت المقاطع المتعلقة بابن فضلان؟. أشك بذلك بعمق، لأن من غير المستبعد البتة (بل من المؤكد) أن تكون نسخة من كتاب ابن فضلان قد وقعت بين يديه هو نفسه وذلك لطبيعة إشاراته الصريحة المُشار إليها لرسالة ابن فضلان، إضافة إلى أن معاصرته لمؤلف آخر يشتغل مثله على المادة والمعلومات المتوفرة نفسها في عصريهما، لا تنفي وقوع نسخة من الرسالة بين يديه.

وعلى أية حال فنحن أمام واقعة جديدة، ربما فاتت على من عالج ابن فضلان ودرسه، وهي أن القزويني، وليس ياقوت، لوحده، من يستخدمه، بصراحة، مرجعاً من مراجعه ويسمِّيه باسمه ويعترف بنقله عنه.

هل زار ابنُ فضلانَ البلدانَ الإسكندنافيَّةِ؟

بعد عمل الدكتور سامي الدهان الرائد، توقفنا، بانتباهٍ أقل، أمام كتاب آخر يضم، إضافة للرحلة التي حققها الدهان، ما يحسبه مؤلفه القسم المفقود منها، الضائع أصله، بل إنه يسعى إلى تقديم كشف جديد بشأن مسارها، زاعماً أن الرجل قد وصل حتى البلدان الإسكندنافية. والكتاب موضوع الإشارة قد صدر تحت عنوان:

رسالة ابن فضلان: مبعوث الخليفة العباسي المقتدر إلى بلاد الصقالبة، عن رحلته إلى بلاد الترك والخزر والصقالبة والروس واسكندنافيا في القرن العاشر الميلادي، جمع وترجمة وتقديم الدكتور حيدر محمد غيبة، الشركة العالمية للكتاب ش م ل مع آخرين، سوريا 1991.

في المتن الطويل لعمل كريكتون، الذي يسمِّيه د. حيدر محمد غيبة (النص الإنكليزي) للرحلة يبدو ابن فضلان وقد دفع دفعاً لأن يكون فارساً ومغامراً قروسطياً على الطريقة الإسكندنافية. من أين حصل الدكتور غيبة على هذا المتن؟

سأتوقف قليلاً وبالتطويل اللازم إذا استدعى الأمر لمناقشة هذا العمل بسبب الارتباك والخفة المتناهية ذات المزاعم العلمية، التي أنجز بها الدكتور حيدر محمد غيبة عمله.

يذكر الدكتور حيدر محمد غيبة في مقدمته أن السيدة زوجته دفعت إليه عام 1984 كتاباً باللغة الإنكليزية للسيد ميكائيل كريكتون بعنوان:
(أكلة الأموات: مخطوط ابن فضلان عن خبرته بأهل الشمال في عام 922 ميلادية)

Michael Crichton: Eaters of The Dead, The Manuscript of Inb Fadlan Relating His Experiences With The North Men In A.D. 922
وهو كتاب منشور عن \"مؤسسة بنتام\" بالاتفاق مع شركة الفريد نوف المساهمة عام 1976 .
Published in 1976 by Alfred A. Knopf, Inc. 193 pages.
من المثير أننا نقرأ على الغلاف الخارجي الثاني من الكتاب، كما ينقل د. غيبة، التعريف التالي بالعمل:
(أكلة الأموات: الرواية الجديدة الرهيبة لمؤلف رواية \"السطو العظيم على القطار\")
وهذه أولى الإشارات التي لا تدفع البتة للاطمئنان إلى طبيعة عمل السيد كريكتون، لأنها تصفه (بالرواية). على أن االدكتور غيبة، كما المؤلف كريكتون نفسه، يودَّان إقناع القراء بأن العمل من طبيعة تاريخية موثوقة، لا يرقى إليها الشكُّ، وهو ما سنناقشه.
خلاصة الأمر أن الدكتور غيبة مقتنع من خلال قراءته وترجمته لكتاب كريكتون بالأمرين التاليين:
أولاً: أن مهمة الكاتب، كريكتون، اقتصرت على جمع أجزاء رسالة ابن فضلان وترجمة بعضها، والتقديم لها والتعقيب عليها، معتمداً في الفصول الثلاثة الأولى على مخطوط ابن فضلان كما هو مترجم من روبيرت ب. بليك Robert P. Blake وريشارد ن. فراي Richard N.Frye ومن ألبرت ستانبورو كوك Albert Burrough Cook.

ثانياً: أن المؤلف كريكتون يعتمد فيما تبقى من عمله على الترجمة النرويجية لرسالة ابن فضلان التي قام بها الأستاذ النرويجي بير فراوس-دولوس الذي جمع ما تناثر من أجزاء الرسالة بلغات مختلفة ونقلها للنرويجية بين السنوات 1951 وحتى وفاته 1959.

من هنا تبدأ الالتباسات كلها في عمل الدكتور غيبة. فهل الفصول الثلاثة الأولى في عمل كريكتون هي تلك المترجمة عن مخطوط مشهد؟ لا نحر جواباً، رغم أن ظاهر الكلام يوحي بذلك. وإذا كان الحال كذلك فلا بأس عليه وعلينا، فنحن ثانية في صلب عمل ابن فضلان الذي نعرف. أما إذا كان العمل التجميعي- وهو عصب الفصول الأخرى- الذي قام به الباحث النرويجي بير فراوس دولوس هو تلكم المغامراتُ العجيبةُ الغريبةُ التي لا تمتُّ إلى روح مخطوطة مشهد بصلة فإن شكاً كبيراً يحوم حول مصادره. ما هي مصادره؟.
يذكر د. غيبة أن كلاً من كريكتون مؤلف (أكلة الأموات) والباحث النرويجي قد اعتمدا على تراجم المقتطفات الواردة في معجم ياقوت وتراجم لرسالة ابن فضلان حتى عام 1951 باللغات العربية واللاتينية والفرنسية والدانماركية والسويدية والإنكليزية، دون أن تكون نسخة مشهد بينها . ويضيف الدكتور غيبة، في واحدةٍ من تناقضاته الكثيرة، أن من الغريب أن يحدث إهمالٌ لنسخةِ مشهد المنشورة في برلين بنصِّها العربي وترجمتها الألمانية سنة 1939. ها هنا التباس ثان. من الواضح أن تراجم المقتطفات تلك ما هي إلا الفصولُ التي نقلها ياقوت عن ابن فضلان ولا شيء سوى ذلك. لأننا لا نعرف شيئاً سوى ذلك في الحقيقية قبل مخطوطة مشهد إلا نتفاً متأخرةً لا قيمة لها باللغة الفارسية.

يتلقَّف د. غيبة ملاحظةً كتبها الدكتور سامي الدهان ويذكر فيها أن هناك ورقةً أو ورقتين ضائعتين من مخطوطة (مشهد) لكي يجعلنا نعتقد أن صفحات المغامرات الطوال من (رواية) كليكتون (أكلة الأموات مخطوط ابن فضلان عن خبرته بأهل الشمال في عام 922 ميلادية) هي التي تسد مسدّ تلكم الورقتين. وفي هذا إجحاف بعيد وضرب من عدم الدقة العلمية، فتلك الصفحات تغطِّي، في الحقيقة، العشرات بل المئات من الأوراق المخطوطة.
وبدلاً من مخطط الرحلة الذي نعرفه والذي يعاني، على أية حال، بعضاً من الخلل بسبب فقدان أجزاء من مخطوطة مشهد، يقترح الدكتور غيبة استناداً إلى النسختين العربية-النرويجية والإنكليزية المخطط التالي:
أ: في الذهاب
1- بلاد العجم والترك
2- الروسية
3- شمال أوربا وإسكندنافيا
ب: في الإياب (طريق العودة لبغداد)
1- بلاد الصقالبة
2- إقليم الخزر

واضعاً شمال أوربا وإسكندنافيا في عصب رحلة ابن فضلان، وهو ما يظهر بالفعل في كتابه (ترجمته لكتاب كريكتون أي النص الإنكليزي) الذي تشغل الرحلة الافتراضية هذه فيه الفصول الطوال من 5 إلى 16. وهذا الترتيب يريد، كما يقول هو نفسُه، التوفيقَ بين النصين العربي والإنكليزي.
ولكن ماذا لو كان نصُّ كريكتون الإنكليزي هو مجرَّد تخيلات جميلة سطرها قلم روائي بارع؟ هذا ما لا يجيب عليه د. غيبة على الرغم من أنه هو نفسه يثير الشكوك حول مصداقية النص الإنكليزي هنا وهناك متناسياً حماسه له.

لو تركنا جانباً مقدمة د. غيبة وانصرفنا إلى مقدمة كريكتون، فإن البحث العلمي والتاريخي فيها يختلط بخيال الروائي. ففي مقطع طويل عنوانه (مصدر المخطوطة) لا ندري فيما إذا كان يتحدث ثانيةً عن أعمال المستشرقين الذين يترجمون فصول رسالة ابن فضلان التي نقلها لنا ياقوت، أم عن مخطوط أصلي لابن فضلان. هذا الالتباس مدوِّخ بالفعل. ولولا ضيق المساحة والخشية من التطويل لناقشنا كل فقرة من فقرات هذا المقطع. سأتوقف عند البعض منها فحسب:
بعد حديث كريكتون عن مقاطع رسالة ابن فضلان في معجم ياقوت المترجمة مراراً، يقول لنا فجأة \"واكتشف جزء آخر من المخطوط في روسيا عام 1817، ونشر باللغة الألمانية في أكاديمية سانت بطرسبورغ في عام 1923. ويتضمن بعض المقاطع التي سبق نشرُها من قبل ج. ل. راسموسن عام 1914، وقد استقى راسموسن عمله من مخطوطٍ وجده في كوبنهاغن، ثم اختفى، ومن مصادر مشكوك بها. كما ظهرت في ذلك الوقت تراجم سويدية وفرنسية وإنكليزية، إنَّما عرفت بعدم دقتها وخلوِّها على ما يبدو من مادة جديدة\". إحدى الإشارات في هذا المقطع تشير إلى الورقتين المصورتين من النسخة الخطية التي اكتشفت في مدينة مشهد (طوس) الإيرانية التي تسلمهما المعهد الآسيوي للاستشراق في بطرسبورغ، في حين أن مخطوط كوبنهاغن، كما يقول كريكتون نفسه، مشكوك به، والترجمات التي يذكرها غير دقيقة ولا تضيف جديداً. بعد ذلك مباشرة يقول: \"واكتشف مخطوطان جديدان عام 1878 في مجموعة التحف الأثرية الخاصة بسفير بريطانيا السابق في القسطنطينية، سير جون أمرسون..وأحدهما لأحمد الطوسي ويعود تاريخه الموثوق لسنة 1047 الميلادي، وهذا يجعله أقرب لمخطوط ابن فضلان الأصلي.. مع ذلك يعتبر الباحثون مخطوط الطوسي أقل وثوقاً من جميع المصادر، ويتردد كثير من المؤلفين في قبول أعماله لكثرة ما فيه من الأخطاء الظاهرة والتناقضات بالرغم من أنه ينقل مقتطفات مطولة من ابن الفقيه الذي زار بلاد الشمال\". هذا المصدر، وعلى لسان كريكتون مشكوك به أيضاً، ولا يبدو البتة وهو ينقل نصاً لابن فضلان وإنما يجمع أحاديث عن بلاد الشمال من مؤلفين مختلفين (ابن الفقيه مثلاً كما يقول كريكتون نفسه).
هنا يبدو كريكتون وهو يخلّط أشد التخليط رغم نبرته الواثقة ظاهرياً. ثم يمضي للقول عن مصادر مخطوطاته: \"ويقع تاريخ المخطوط الثاني لأمين الرازي بين عامي 1585 و1595 الميلاديين. وقد كتب باللغة اللاتينية وترجم مباشرة من النص العربي لمخطوط ابن فضلان كما يقول مؤلفه. ويتضمن مخطوط الرازي بعض النصوص عن أتراك الغزية وعدة مقاطع عن معارك مع \"وحوش الضباب\" التي لم يرد ذكرُها في المصادر الأخرى\". وهنا يحتاج المرء لقليل من الذهن الصافي لكي يميز معاني الكلام في نصِّ الروائي كريكتون، وهو أن الرازي ينقل (مقاطع فحسب من نص ابن فضلان). هذا ما يقوله كذلك د. الدهان في هامش له أوردناه نحن في عملنا: \"وأما في كتاب (هفت إقليم) للرازي فالتفصيل يزيد النص أهميةً وقد نقل عن مخطوطة لابن فضلان ضاعت\". نص كريكتون نفسه يوحي بأن نص الرازي يتناول جملة من القضايا ولا يتعلق برسالة ابن فضلان لوحدها. ثمة إذن تخليط جديد.
ما تبقَّى من تحقيقات كريكتون من طينة المنطق نفسه: جميع الأصول التي يستند إليها مشكوك بها أو أنها تتكلم عن بلاد الشمال استناداً إلى مصادر متعددة، لاتينية خاصة، وليس من مصدر وحيد واحد هو ابن فضلان. ربما ذكرتْ مصادر كريكتون ابن فضلان عرضاً أو عبر مؤلف آخر يستشهد به, ولكنَّها ليس البتة مخطوطة أصلية أخرى لرسالة الرحالة العربي غير التي نعرف، رغم أن كريكتون يريد الايحاء، بأسلوب ملتوٍ، بأن عمله قائم على مخطوطة من مخطوطاتها. في هذا الإيحاء ثمة لعبة روائية بارعة، لا تمتُّ بصلة للبحث الرصين. وهو ما يفعله كريكتون بمهارةٍ فائقةٍ أربكتْ د. غيبة وآخرين من أساتذة الجامعات (كالدكتور عبد الله إبراهيم) حتى حسب كلامه دقيقاً وعلمياً وموثقاً.

لنقل في البدء كلمة عن الروائي: إنه الأمريكي (جون) ميكائيل كريكتون، روائي وسينمائي مولود سنة 1942. أنهى دراسته في جامعة هارفارد, ثم تنقل بين دراسة الأنثروبولوجي والبيولوجي، وكرَّس نفسه في نهاية المطاف للكتابة. أصدر العديد من الدراسات الأدبية وكتب العديد من الأفلام السينمائية التي أخرج أو أنتج قسماً منها بنفسه. كما كتب العديد من الروايات الخيالية أو المستمدَّة من مادةٍ تاريخيةٍ وكان بعضُها من الكتبِ الأكثرِ مبيعاً في أمريكا: The Andromeda Strain – 1969) و(The Terminal Man – 1972) و(The Great Train Robbery – 1975) و(Eaters of the Dead – 1976 وهي الروايةُ التي تعنينا هنا) و(Congo – 1980) و(Sphere – 1987) و(Jurassic Park – 1990) و(Rising Sun – 1992) و(Disclosure – 1993) و(The Lost World – 1995) و(Airframe – 1996) و(Timeline – 1999)، وغير ذلك .

يكتب كريكتون روايةً تاريخيةً لا أكثرَ ولا أقلَّ، ويشير إلى ذلك في الغلاف الثاني من كتابه. إنها روايةُ خيالٍ Fiction تاريخيةٌ على نمط روايات أمين معلوف (ليون الأفريقي، على سبيل المثال). لكن خلافاً لمعلوف الذي يهتم كثيراً بالتفاصيل التاريخية ويصيغها وفق مخطط روائي متخيل، فإن كريكتون يجمع القليل جداً من التفاصيل المستلهمة عرضاً عن بطله ابن فضلان، ويصوغ الباقي كلَّه وفق مخطط روائي مختلقٍ بالتمام.
على أنه يستخدم حيلةً روائيةً مدهشةً وهي أنه يكتب مقدمة تعريفية شبه جادة عن ابن فضلان, ويعدّد فيها مصادره بطريقة جد غامضة توحي بأنه في صميم عمل تاريخي، كما يضع في ثنايا نصه الكثير من الهوامش التي تشرح طقساً أو تقليداً إسلامياً، مما يمنح القراءة بعداً جديداً يسعى عامداً إلى طمس الحدود بين المتخيل والواقعي.
هذه الحيلةُ الجميلةُ، لكن الخطرةُ، تسعى إلى اندغامٍ لا فكاكَ منه بين الحقيقة والخيال، والإيحاء للقراء بأنَّهم في صلب واقعة تاريخية لم يفعل هو إلا نقلها إليهم (وهو ما لم يقل كريكتون بعكسه للأسف الشديد حتى اللحظة). حيلةُ روائيٍ هوليووديٍ من طراز رفيع. لكن هذه الحيلة لم تفت على نقاده الأمريكيين الأكثر جدية الذين وصفوا العمل في الصحافة بأنه: \"كتابة متخيلة لقصة مأخوذة من سفير عربي إلى بلاط الخليفة في بغداد\" .
A fictionalized account taken from the manuscript of an Arabic ambassador to the court of the Caliph of Baghdad.

إن أعمال الروائي هي على حد تعبير الناقد الأمريكي دافيد لانغران David Lonergan : \"الورقة تروي تعدد المعاني التي سعى الروائي ميكائيل كريكتون عبرها منح أعماله مظهراً غير متخيل. التقنيات الخاصة والناجحة المستخدمة في (أكلة الأموات) قد لوحظت.

The paper chronicles the variety of means with which the novelist Michael Crichton has attempted to give his works the appearance of nonfiction. The specific and successful techniques utilized in Eaters of the Dead are noted, and the resulting erroneous classifications by the Library of Congress and subsequent cataloguers discussed.

لكن الحيلة فاتت على البعض الآخر منهم، ممن يضربون عميقاً بالجهل بتاريخنا العربي الإسلامي .
لقد ترجم د. غيبة رواية كريكتون الخيالية ومنحنا الفرصة للاطلاع عليها، معتقدا أنه يترجم وثيقة تاريخية. وشتان بين الاثنين.
يظهر ابن فضلان في الرواية واحداً من الشخوص الرئيسيين، لكنه بطل يحمل جميع السمات السلبية التي ما فتئ بعض الفكر الغربي يلصقها بالعرب. ابن فضلان فيها هو رمز للعربي (لا يعرف كريكتون أن الرجل كان مولى! ومن أين له أن يعرف). فهو جبان إلى أبعد الحدود، ولا يمتلك روح النكتة، مزجور على الدوام بسبب تدخلاته الفظة بما لا يعنيه، مرتعد الفرائص\" ولا يريد أن يكون بطلاً\" ومتزمت في تدينه بادئ الأمر ثم متناقض مع معتقداته الدينية. غبي، لا يعرف السباحة، مندهش من خضرة الغابات التي لا تعرفها صحراؤه. بالمقابل يبدو رجال الشمال الفايكنغ، وعلى لسان الراوي ابن فضلان نفسه، أشداء، لا يخافون شيئاً، جسورين وشجعان إلى درجة يبدو معها ابن فضلان بينهم فأراً تافهاً مختبئاً في جحره وفي أحسن الحالات ديكوراً اكزوتيكياً ممتعاً. ثمة سخرية متناهية وحطٌّ من شأن العرب في عمل كريكتون وتفكُّه فظ من نزعتهم الدينية التوحيدية ، وهو أمر يدعو إلى دهشةٍ وعلامة استفهام عظيمة على طبيعة تفكير الدكتور غيبة الذي حسب العمل توثيقاً تاريخياً، والمزيد من الدهشة من عمل الناقد د. عبد الله إبراهيم الذي راح يحلل بحماس منهجي (آليات السرد!) في تجديفات كريكتون الشخصية وسخريته من العرب ويحسبها نصاً أصلياً لابن فضلان. أليس من العجب العجاب أن تفوت سخرية مرة، فاقعة بإشاراتها المتعالية على قلمين نحريرين مثل قلمي هذين الدكتورين الفاضلين.
هاكم هذه المقاطع:
\"قلوبكم (أيها العرب) عبارة عن كيس كبير يطفح بالأسباب\" في السخرية من النزعة العقلانية عند العرب.
\"أنتم العرب أغبياء أكثر ممَّا يمكن أن يُتصوَّر\" .
\"لا أريد أن أسمع أسئلة من أحمق\" أي من عربي.
\"إذا لم يكن مسحوراً فلربَّما أصبح عربياً إذ أنه يغسل ملابسه الداخلية وجسمه كل يوم\" بالسخرية من نزعة النظافة المستمرة والطهارة عند المسلمين.
وقال للجارية: لا يزال عربياً\" بسبب تأوه بطل كريكتون ابن فضلان بعد غسل جروحه بالماء المالح على يد فتاة شمالية.
في رواية كريكتون فإن ابن فضلان يتكلم باللاتينية، ويتفاهم بها، وهنا أمر كان يتوجب على د. غيبة التوقف أمامه ملياً، ولم يفعل. لكنه إزاء تنامي وتصاعد حدة التناقضات والإشارات التي تؤكد أن العمل مصنوع صنعاً كرواية كان مجبراً على التوقف والتساؤل مرات قليلة. ففي تعليقه على ما ورد في الرواية عن مرور ابن فضلان ومشاهدته لمدينة بلغار من على ظهر قاربه من بعيد، يقول د. غيبة: \"إذا كان ابن فضلان لا يعرف شيئاُ عن هذه المدينة حتى الآن، فهذا يتناقض مع الاعتقاد بقيامه بزيارة بلغار ملك الصقالبة قبل زيارته سائر بلاد الروس وشمال أوربا. وإذا كانت زيارته لبلاد الصقالبة بعد عودته من بلاد الشمال، فإنه يتعارض مع التقائه بأصحابه في بلاد الصقالبة بدون أي تمهيد أو إشارة إلى التئام شملهم، إلا أن يكون حديثُه عن ذلك هو من الأجزاء المبتورة التي لم يُعثر عليها حتى الآن، كما ألمحنا في المقدمة\" .
وفي هامش آخر للدكتور غيبة بصدد تعليق ابن فضلان المذهول من وجود حيوانات بحرية ضخمة يسميها الروائي على لسانه وحوش البحر، يقول د. غيبة: \"من الواضح أن وحوش البحر التي تحدث عنها ابن فضلان هي الحيتان. إنما من المستغرب أن يجهل وجودها في البحر\" . وعندما يجعله الروائي يمارس الجنس مع امرأة متابعاً شبق الشماليين اللامحدود، يعلِّق د. غيبة ببعض من السذاجة: \"من الصعب تفسير هذا الاعتراف لابن فضلان، وهو المسلمُ التقيُّ، إلا إذا كانت الجارية أَمَةً مملوكةً له باعتبار التمتُّع بمثلها كان مباحاً، أو أنه فقد بعض تقاه (....) أو أن الإنسان يضعف أحياناً أمام الإغراء\" .
لكن الدكتور الفاضل يعلن بعد صفحات قليلة علانية شكوكه العالية بنص كريكتون فيكتب في أسفل الصفحة:
\"هذه الأقوال وبعض العبارات التالية تزيد الشك في أصالة النص، ذلك الشك الذي يشتدُّ بصورة خاصة مع بعض عبارات الفصل التاسع التي تنمُّ عن حذلقة وثقافة حديثتين\" .

لماذا لم يشكّ الدكتور حيدر محمد غيبة منذ البدء بأصالة النص؟ ولماذا كتب تحليلاً مطولاً في مقدمته طرح عمل كريكتون فيه وكأنه تَتِمَّةٌ تاريخية حقيقية لرحلة ابن فضلان؟ ولماذا حسب الدكتور عبد الله ابراهيم النصَّ أصلاً لابن فضلان، رغم إشارة غامضة له بعدم أصالة بعض المقاطع فقط (انظر الهامش أدناه)؟ ثمة خلل مدمر في الثقافة العربية الراهنة يعبِّر عنه مثال هذين الدكتورين اللذين يتوجب عليهما تعليمنا، هم قبل غيرهم، الحذر المنهجي: أحد شروط البحث العلمي .
الأنكى من ذلك أن المؤلف نفسه كريكتون، كما لاحظ مراقب فرنسي، يريد اليوم استبعاد هذا العمل من مجموعة مؤلفاته (انظر كذلك ما كتبه الناقد الأمريكي داني يي Danny Yeeبهذا الاتجاه نفسه) . لماذا؟ لأن المقدمة التاريخية التي كتبها بثقة على أنها تستند إلى معطيات تاريخية موثوقة، لا تبدو مستندة إلى شيء موثوق، وأنه ربَّما يخشى الفضيحة الثقافية، خاصة وأنه لم يقرأ، كما هو واضح، متن مخطوطة مشهد المترجم مراراً إلى لغات عدة تقف الإنكليزية على رأسها. إنه يكتب فنتازيا خالصة جرى إنتاجها فعلاً فيما بعد، سنة 1999، بفيلم مغامرات سينمائي على الطريقة الأمريكية تحت عنوان (Thirteenth Warrior - 1999 ) كان هو شريكاً في إنتاجه.
إذا ما كنا نناقش ما صنعه د. غيبة بهذا التوسع، فلأن صنيعه مؤذ وضار بحق رحلة ابن فضلان، ولأن هذه الصنيعة قد تجري بين أوساط القراء، ناهيك عن دكاترة مثل الدكتور الفاضل عبد الله إبراهيم، مجرى الحقائق التاريخية الدامغة. إن جزءاً لا يستهان به من تحليلات الدكتور إبراهيم، الجادة والصارمة، تستند وياللعجب إلى هذا العمل الروائي المتخيَّل، لنقرأ: \"الكتابة تلعب دوراً مهماًً في تثبيت رؤاه (يقصد ابن فضلان) وتصوراته وأحكامه، ما دام يتحرك في مجاله الثقافي، داخل دار الإسلام. وما أن ينزلق إلى عالم الكفّار إلاّ وتتوقف الكتابة. يضيع من المخطوط ذلك الجزء الرئيس الخاص بالآخر. كأن ثمة قوة سحرية انتزعت كل ما يتصل بالآخر. لم يُعثر إلى الآن على الأصل العربي. كل ما يتصل بالآخر، تم ترميمُه وتجميعُه، وترجمتُه إلى اللغة العربية استناداً إلى شذراتٍ متناثرةٍ باللغاتِ اللاتينيةِ والألمانيةِ والفرنسيةِ والدنماركيةِ والسويديةِ والإنجليزيةِ وغيرها. لغاتُ الآخرِ هي التي أعادتْ إلينا وجهةَ نظرِ ابنِ فضلانَ بالآخرِ\".
وبالطبع فإنَّ إشارةَ د. إبراهيم إلى تلك اللغات هي إشارة إلى رواية كريكتون الهوليوودية. هل ثمَّة من يضحك على ذقوننا: هناك بكتابة ساخرة عن واحدٍ من رحالتنا، وهنا بكتابة لا تقل سخريةً ومرارةً ولكن بقناعٍ عارفٍ فحسب. سينتهي الأمر بالدكتور عبد الله إبراهيم بالشكِّ بياقوت نفسه الذي لم يستطع، حسب إبراهيم، تصديقَ نصِّ ابنِ فضلانَ عن البلدان الإسكندنافية فحذفه ؟؟ ‍ ‍. يستعيد د. إبراهيم النص المحذوف على يد كريكتون بالطبع. ويروح في تحليل لا عمق بعده عن (غياب المتن). سوى أن المتن ليس بضائع والله، فالصفحات الطوال التي تقدمها مخطوطة مشهد هي (متن أكيد)، يستحق التأمل والفحص رغم قصره وضياع بعض أوراقه. إننا لا نستغرب أن يقف القراء في موقف العجب من هذا النمط من التحذلق الثقافوي الباهر.

من هو ابنُ فضلان؟
أثبت ابن فضلان لحسن الحظ اسمه: أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّاد، ولم يقل لنا شيئاً آخر عن حياته، ما عدا أنه، كما تقول الرسالة، مولى لفاتح مصر محمد بن سليمان. ويقول ياقوت إنه كان مولى محمد بن سليمان ثم مولى أمير المؤمنين فهو من العجم الموالي. هل ولد في العراق أم بأرض العجم؟ وما هو منصبُه في الإدارة العباسية، وهل كتب أعمالاً أدبية غير هذه الرسالة؟ أم أن رحلته هذه لا تعدو أن تكون تقريراً من هذه التقارير التي يكتبها السفراء لدولهم؟.
يخيل إلينا أن سفيراً مبعوثاً إلى أقاصي الأرض كان يجب أن يمتلك الكثير من الحكمة والحنكة، لذلك نظنُّ أنَّه كان في الأربعينات من عمرِه عندما كُلِّف بمهمَّته. ويخيَّل إلينا أنَّ بعثةً مثلَ بعثتِه كانتْ تستلزم رجلاً ذا ثقافةٍ معقولةٍ، وهو ما نظنُّ حالَه، وهو ما يدلُّ عليه وصفُه المتأتِّي للبلدان والتقاليد التي شاهدها عياناً. ونعتقد أن هيئته وبزَّته كانتا في غايةِ الرصانةِ، وأنَّه اختير لمقابلة ملوكِ الصقالبةِ والخزرِ والروسِ لأنَّ شكلَه كان مقبولاً بالنسبة إليهم وقريباً من أشكال الشعوب التي زارها.
لم يَرِدْ توثيقٌ لحياةِ ابنِ فضلانَ في أيٍّ من المراجعِ التي بين أيدينا، بالضَّبْطِ مثلما لا توجد إلا أقلُّ التفصيلاتِ عن حياةِ المقدسيِّ صاحبِ (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم) الباهرِ ولا حياة الرحالة أبي دُلَف. وفي ذلك إشارة واضحة الآن إلى اللامبالاة التي كانت تميّز نظرة الثقافة العربية إلى أعمال الرحالة العرب، وعدم اعتبار الكتابة في أدب الرحلة فناً رفيع المستوى يستحقُّ إدراجَ مؤلفيه من بين مصنِّفي ضروبِ الأدبِ الأخرى المبجَّلين والمُؤَرَّخِ لهم بأكثرِ التفاصيل وأدقِّها (الفقهاء، الشعراء، الأطباء، النحويين..إلخ).

تقع أهميَّةُ رحلةِ ابنِ فضلانَ في أنَّها تُزَوِّدُ التاريخَ العالميَّ بشذراتٍ مهمَّةٍ عن أنماطِ معيشةِ شعوبٍ قلَّما سُجلت. إنَّها تسدُّ ثغرةً تاريخيةً في هذا المجالِ وتُعتبر رائداً في الإشارة لتاريخ الشعوب الصربيَّةِ، والروس منهم على وجهِ الخصوص.

لقد قيل الكثيرُ عن هذه الرحلةِ وتُرجمت أكثرَ من مرةٍ لجميعِ اللغاتِ الأساسيَّةِ اليومَ في العالم. ونودُّ هنا أن نشير إلى أمرين اثنين:

1 - علاقة العرب بالآخر:

لا تبدو علاقةُ العالمِ العربيِّ، أو أقلُّها ثقافةُ الناطقين باللغةِ العربيةِ من عربٍ وغيرِ عربٍ ممَّن كانوا يستخدمون العربية في حضارةٍ كانت هذه اللغة بها شيئاً سامياً وضرورياً، بمثل استلابها هذا اليوم مع الآخر، وهو ما تبرهنه رحلةُ ابنِ فضلانَ. لم يكنْ الاختلافُ البديهيُّ بين الأنا والآخر ليتصاعد إلى المستوى الموصوفِ في كتاباتِ البعضِ من الباحثين العربِ المعاصرين ممَّن يصفون العلاقةَ مع الحضاراتِ الأخرى بمنطقِ الحذرِ والرِّيبةِ، بل إنَّ ثنائيةً نهائيةً ومطلقةً بين (دارِ الإسلامِ) و(دارِ الكفرِ) لم تكنْ تشتغل في الواقعِ العمليِّ كما تشتغل على الصعيدِ النظريِّ البحتِ، مثلُها مثلُ الكثيرِ من المفهوماتِ السائدةِ الأخرى. هذا ما تبرهنه الهجرةُ واسعةُ النطاقِ من طرفِ جغرافيين وعلماءِ فلكٍ هنودٍ، وخزَّافين صينيين وغيرِهم، قادمين كلُّهم من دارِ الكفرِ (الهند) و(الصين) للإقامة في (دارِ الإسلامِ)، بغداد العباسية. بإمكاننا الآن تِعْدِادَ العشراتِ من أسمائِهم. المخطط الذي يبني عليه البعض تحليلاتهم المعاصرة,ِ بشأنِ هذه الثنائيةِ، يبقى من طبيعةٍ تلفيقيَّةٍ محضٍ.
على العكسِ من ذلك يبدو ابنُ فضلانَ وصحبُه، وهو في موقفِ الواثقِ، إلى درجةٍ كان يأمر بها وينهي ملكَ الصقالبةِ نفسَه: \" وبدأتُ فقرأتُ صدرَ الكتابِ فلمَّا بلغتُ منه \"سلامٌ عليكَ فإنِّي أحمدُ إليكَ الله الذي لا إله إلا هو\"، قلتُ: رُدَّ على أميرِ المؤمنين السلامَ، فردّ ورَدُّوا جميعاً بأسرِهم \". وثوقُ قادمٍ من ترسُّخِ وقوةِ الحضارةِ الإسلاميَّةِ في العالمِ القديمِ. ومثلما لا يشعر الأمريكيُّ اليومَ بالهيبةَ من حضورِ الآخر، فلم يكن العربيُّ والمسلمُ ليعانيان من هذا الشعور.

2- هجرة الأيدي العاملة تتابع مراكز الثروة:

تغدو العواصمُ الغنيَّةُ الكبرى، في لحظاتِ الازدهارِ الحضاريِّ ، محطاتٍ لقادمين من مختلفِ أصقاعِ العالمِ يبحثون عن لقمةِ العيشِ. إنَّ تجمّع الثرواتِ في بقعةٍ ما يعني من بين ما يعني، أنَّ تلك العواصمَ قد صارتْ موطناً لتجمُّعِ كمياتٍ كبيرةٍ من الذهبِ. وهو مانراه في عواصمِ الأرضِ اليوم: فرنسا، ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، سويسرا..إلخ التي تستقطب المزيدَ من المهاجرين من مختلفِ التخصُّصاتِ. إنَّ القاعدةَ العامةَ في التاريخِ الاقتصاديِّ هي أن هجرةَ الأيدي العاملةِ تتابع مراكزَ انتقالِ الذهب: رمز الثروة. هذا هو حالُ بغدادَ في العصورِ العباسيَّةِ المزدهرةِ التي كان وضعُها يشابه تماماً العواصمَ الثريَّةِ في وقتنا الحالي. يشابهه تماماً حتَّى بالتفصيلاتِ الأكثرَ دقَّةً. فإنَّ وجودَ تجمُّعاتٍ وأسواقٍ لجالياتٍ أجنبيةٍ مثلِ الهنودِ والصينيين والعربِ في فرنسا ونيويورك اليومَ كان له مثيلٌ في (سوق خضر) لباعةِ وصنَّاعِ الخزفِ والغضارِ الصينيِّ في بغدادَ العباسيَّةِ، وفي الأعدادِ المتزايدةِ من الهنودِ المشتغلين في حقولِ التنجيمِ والرياضياتِ، والبيزنطيين المشتغلين في حقولِ الصناعاتِ الدقيقةِ كالإسطرلابِ (مثل بسطلوس المذكور لدى ابن النديم)، ناهيك عن المزخرفين والخطاطين (مثل ياقوت المستعصمي الرومي، البيزنطي). كانت هناك كذلك, كما نعلمُ, حاجةٌ متزايدةٌ للمترجمين، ليس فحسب ممن ينقلون كتبَ الأممِ الأخرى إلى العربيةِ، ولكنْ ممَّن يقومون بدورِ السفراءِ الدبلوماسيين بين الإمبراطوريَّةِ الإسلاميةِ وما يجاورها من الدولِ. هكذا كانتْ تتقاطر على العاصمةِ مختلفُ اللغات والتقاليد والشعوب، وتقيم في بغدادَ بحثاً عن لقمة العيش.
وهذا هو ما يفسِّر لنا عنصراً أساسياً من رحلةِ ابنِ فضلانَ التي تعنينا هنا ألا وهو تشكُّلها من وفدٍ يتكوَّن من أربعةِ أشخاصٍ هم :
1- سوسن الرسي الذي يبدو من نسبته الرسي أنه من بلاد الروس.
2- بارس الصقلابي ويدلُّ اسمُه بوضوحٍ على أنَّه سُلافيٌّ.
3- تكين التركي: وهو تركيٌّ من دونِ شكٍّ يجيد لغاتِ الأتراكِ التي يمرُّ الوفدُ ببلادِها في طريقِه إلى الفولغا, وكان يعمل حداداً في خوارزم.
4- أحمد بن فضلان الذي كان رئيساً للوفدِ وكان يجهل اللغاتِ الأجنبيَّةِ كما يقول هو نفسُه, إلا أنَّه لم يكنْ عربياً البتَّةَ فهو أحدُ الموالي، وربَّما كان من أصل فارسيٍّ. وكان مولى لمحمد بن سليمان بن المنفق أبو علي الكاتب الذي فتح مصرَ وشتَّت آل طولون ودخلها سنة 292 هـ وقتل سنة 304 هـ. على أنَّ كونه مولى لا يعني، كما نرى، أنَّه كان يتقن العربيَّةَ لوحدِها، رغم تبحُّره بها، ولعلَّه كان يتقن لغةَ أجدادِه.

لا يبرز ابنُ فضلانَ كبطلٍ رئيسيٍّ في الرحلةِ إلا لأنَّه كتب الرحلةَ ببساطةٍ، وهو لم يُجْرِ طمسَ رفقتِه الآخرين لأيِّ سببٍ مُتَعَمَّدٍ أو محسوبٍ. العكسُ تماماً فلولا رحلتُه لما عرفنا عن أولئك أيَّةَ شَذْرَةٍ. إنَّ كتابتَه للرحلةِ، في الغالبِ، لم تتمَّ لكي يبني لنفسِه مجداً أدبياً، ولا لكي يعيد الاعتبارَ لنفسِه كما يقول البعضُ، خاصةً وأنَّنا لا نعرفُ له مؤلَّفاً آخر غيرَها. لقد كان سفيراً وحسب سجَّل لنا ملاحظاتٍ قيِّمةً عمَّا شاهد، البعضُ منها دقيقٌ تماماً والآخرُ أقلُّ دِقَّةً.
إنَّ قراءةَ ابنِ فضلانَ تمنحُ متعةً نادراً ما يلتقيها المرءُ في عملٍ من النوعِ الأدبيِّ نفسِه، لأسبابٍ سيكتشفها القارئ لوحدِه عندما يُشْرِعُ بقراءةِ العملِ.

شاكر لعيبي
أبو ظبي 12 أيلول 2002





 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لشاكر لعيبي4 كتاباً
رحلة ابن بُطْلان 1049م
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم المقدسي
حسرة الياقوت في حصار بيروت» لشاكر لعيبي
رحلة أبي دلف المسعري في القرن العاشر الميلادي.
المزيد...

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار