رحلات في فارس 1677 – 1673
تأليف : صلاح صلاح
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
السير جون شاردان ترجمة :صلاح صلاح المجلد الثاني الفصل I
فارس بشكل عام
يدور الجزء الأول من يومياتي حول مغامراتي وملاحظاتي من باريس إلى أصفهان. في هذا الجزء سأقدم لكم وصفاً عاماً لبلاد فارس، حيث أتعرض للطبيعة والأخلاق وسلوك الناس وصناعتهم للحصول على ضروريات الحياة. فارس أعظم إمبراطورية في العالم، إذا نظرت إليها وفق الوصف الجغرافي الذي يقدمه الفرس، حيث أنهم يقدمونها على أساس الامتداد الكامل لحدودها القديمة، الذي يشمل أربعة بحار: البحر الأسود، والبحر الأحمر وبحر قزوين والخليج الفارسي، علاوة على ستة أنهر لها شهرة البحار المذكورة إلى حد ما، أي : الفرات، دجلة، إندوس، أركس، أوكسس( )، Phase. يصعب على المرء تحديد تخوم هذه المملكة المترامية الأطراف بدقة، حيث إنها ليست مثل البلدان الصغيرة محددة الحدود بجدول أو نُهير أو مَعْلم صغير من الحجارة. فارس شاسعة المساحة في كل الجوانب، ويحتاج كل جانب إلى رحيل أربعة أو خمسة أيام لقطعه، من مناطق غير مأهولة، رغم أن تربتها في كثير من المناطق من أفضل ما في العالم، كما في الجانبين، الشرقي والغربي. يعتبر الفرس ترك بعض المناطق خالية مثل الصحراء الواسعة بين الإمبراطوريات العظيمة، من علامات العظمة، إذ يمنع، كما يقولون، التنافس الناجم عن الهيمنة على المناطق الحدودية وغير المأهولة، مما يجعلها جدراناً فاصلة بين الممالك. لا تشكل الأنهار والبحار التي ذكرتها هنا حدود فارس، فلقد تقلص امتدادها كثيراً وضعف في البحر الأحمر ولم يبق لها سوى بعض الأماكن على تلك السواحل. غير أن الجغرافيين الفرس ما فتئوا، رغم ذلك، يمدون إمبراطوريتهم، في آخر وصف لهم لهذه الحدود، التي يدعون من القدم أنها واقع وصحيحة، ولا ينبغي النظر إليها وقد تقلصت بسبب ثورات أو تغييرات صغيرة حدثت في هذا الجانب أو ذاك، لأنهم قد يسترجعون ما فقدوا، إذ كل ما هم بحاجة إليه حاكم مثل عباس العظيم، الذي عاش قبل ستين سنة، حتى يعيد لهم حدودهم القديمة ثانية كما كانت. كانت فارس عندما زرتها، تحسب من جورجيا، لتمتد من خط العرض 45، أقصى امتداد في الجهة الشمالية، وحتى الخط 24 على طول نهر إندوس في الجهة الجنوبية، ومن خط الطول 77 من جبال أرارات في الجهة الغربية حتى الخط 112 في الهند الشرقية وبلاد التتار شرقاً. أعظم طول فيها يمتد من نهر إندوس وحتى نهر Phasis( )، أي 550 فرسخا فارسيا، أو 750 فرنسيا. هذا طول بلاد فارس، أما عرضها فيقل بما يقارب ثلاث مئة فرسخ. استفاد الفرس، في تسميتهم بلادهم، من كلمة واحدة يلفظونها باعتدال ودون تفريط \"إيرون\" و \"إيران\"، كلمة قديمة استنبطها التتار، منها انطلق الفرس العصريون. يخبرك المؤرخون الفرس أنه في عهد ملك فارس التاسع، المدعو \"آفَرآسِياب\" شملت الإمبراطورية علاوة على ما تتضمنه الآن، كل البلاد الواقعة بين بحر قزوين والصين شمالاً وشرقاً، وإن ملكهم هذا قسم إمبراطوريته الفريدة بنهر Oxis، داعياً ما وقع في الغرب منه إيران وما شماله \"توران\" ويمكن للمرء أن يقول، على هذا الجانب من النهر أو ذاك. كثيراً ما نصادف في تاريخ فارس القديم أسماء مثل إيران وتوران، البلاد حتى في هذه الأيام وكذلك إيران الرئيسة وتوران الرئيسة، اللتان يعنيان ملك فارس وملك بلاد التتر، وإيران دُخْت، وتوران دُخْت، كما نقول ملكات تلك البلاد( ). حتى في هذه الأيام ما زال ملك فارس يدعى بادشاه إيران، ورئيس الوزراء \"إيران مَدار\" أي عماد فارس. هذه هي التسمية العصرية الشائع استخدامها في هذا البلد، وتليها في الاستخدام كلمة \"فارس\" التي هي اسم خاص بإقليم كان يدعى قديماً \"فارس بولس\" الذي دعيت كل الإمبراطورية على اسمه، لأنه كان إبان عهد السلالة الثانية من الملوك الولاية الرئيسة في المملكة ومكان إقامة ملوكها. فارس، كلمة قديمة ما زال الفرس يطلقونه على لغتهم المستخدمة منذ أيام دخولهم الإسلام، وتدعى \"زبان فارس \" أي لسان فارس. استنتج عديد من العلماء أن جذور الكلمة تعود إلى \"فيريز\" التي تعني في العبرية والكلدانية \"يقسم\" لأن سيروس، كما يقولون قسم إمبراطورية بابل بعد غزوها بين فارس وميديا، وبذلك تكون فارس قد قسمت وفصلت تقريباً. كما يضيفون إن هذه الكلمة تعني في الفارسية \"فيريستون\" أي يقسم، إلا أن الفرس لم يكترثوا كثيراً لهذا الاشتقاق الذي يفضل بابل عليهم في كل ما يتعلق بشؤون الإمبراطورية القديمة، وعلى النقيض يقولون إن فارس هي أقدم مقر للملكية. لكن ليكن ما يكون، فإن كلمة فرس تعني \"فارس\" في الفارسية القديمة، كما هي في العربية، التي ما زالوا إلى اليوم يشتقون منها كلمة \"فراسة\". ما يدعوني للأخذ بهذا الاشتقاق لأن المملكة بأسرها والمنطقة المدعوة فارس على وجه الخصوص تزخر بالجياد، التي يعتقد أنها من أفضل جياد العالم. يقول زينفون إن سيروس كان أول من جعل من الفرس فرساناً جيدين، مقدماً نفسه أنموذجاً للنبلاء بالتنقل دوماً على صهوة جواد، وأمر من بوسعه من الناس جميعاً فعل ذلك أيضاً، وعليه شاع الأمر في البلاد ولم يبق من يسير على قدميه سوى الفقراء المعوزين. ويضيف ليؤكد هذه العلاقة إن الأطفال في فارس يتعلمون ثلاثة أشياء: قول الحق، والرماية وركوب الخيل. في هذه الأيام يقومون بالأخيرة فعلاً، إذ يمتطى الجميع الجياد حتى أصحاب الحوانيت، والكل يحتفظ بجواد للتنقل، لذا هناك عدد كبير منها في البلاد، حتى إنه قبل العهد الحالي لم يكن هناك مشاة في الجيوش الفارسية، التي تتكون كل قواتها من الفرسان، وليس هناك مجال للشك، وبما أن من عادة الفرس دوماً امتطاء الجياد فقد ألف اليونانيون حكايات حول القنطورات والساجيتاري وبرسيوس( ). العرب والترك يدعون الفرس بالعجم، وبلاد فارس عجمستان، كلمة تحمل معنى \"الغريب\" مثل البربري. وهذا يوحي لك بأن الفرس، رغم أنهم مسلمون ورجال علم ويتحلون بالحماس، إلا أنهم لا ينحدرون من سلالات عربية، منبع الإسلام ونبع كل العلوم، تماماً مثلما يطلق اليونانيون على بقية أمم العالم لقب البرابرة. بناءً على ذلك يصف السيد العظيم نفسه \"سلطان الأعراق والعجم\" ويعني كل أمم الأرض. ويدعون حراسه الشخصيين \"عجم أولان\" أي \"أولاد البربر\" ليشيروا إلى أنهم ليسوا من المواطنين الأتراك الأصليين. لن أذكر هنا كل الأسماء الأخرى التي أوردتها الكتب القديمة، ومن بينها الكتاب المقدس لبلاد فارس، إذ أن بعضها أسماء أمراء أو شخصيات مشهورة ومعروفة مثل \"عيلام \" وأخرى أسماء أقاليم في مملكة كَزْ ومرة أخرى من بعض أسماء أقوى المدن في البلاد في البلاد من غابر الأزمان، مثل اسم أراك أو أرك الموجودة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين، كلمة تعني بلدة يقطنها سكان على ضفتي نهر. ما زال المستشرقون وبقية العرب والفرس إلى هذه الأيام يطلقون على كل فارس \"عَراقين\" أو \"عِراقين\" أي جمع كلمة عرق، التي يقسموها إلى فئتين \"عراق العرب\" و\"عراق العجم\" كما ينبغي أن نقول مدن العرب ومدن البرابرة. تستخدم هذه الاصطلاحات أحياناً للتمييز بين جنوب وشمال فارس، التي يمتد الجزء الشمالي منها حتى نهر أندوس. خلاصة القول، يطلقون الآن ثلاثة أسماء على الشعب الفارسي، أي من هم من الصين ومن هم من الرافضة( )، عندما يتحدثون عن ديانتهم ومن هم من \"كيزيلباش\" عندما يذكرون غزواتهم. لكني لن أسهب الآن في هذا لأن الفرصة ستسنح لي لذكره لاحقاً. يقسم الجغرافيون بلاد فارس إلى أربع وعشرين إقليما، بما في ذلك بلاد أخذها الأتراك منهم، وما زالت تحت سيطرتهم. ويذكرون خمس مئة وأربعة وأربعين مكاناً معتبراً من مدن محاطة بأسوار ومدن وقلاع ينظرون إليها على أنها من فارس، وستين ألف قرية وأربعين مليون نسمة من السكان. سأتكلم هنا عن جبال وأنهر البلاد، وسأكتفي بقول التالي الآن: ليست هناك بلاد في العالم فيها جبال أكثر وأنهر أقل من هذه البلاد. لا يوجد نهر واحد يمكنه نقل قارب إلى قلب المملكة أو يصلح كوسيلة لنقل البضائع من إقليم إلى آخر. تلك التي ذكرتها كحدود للإمبراطورية تجري ضيقة على طول الحدود دون أن تتفرع وتشكل جداول في قلب المناطق. بلاد فارس جافة جرداء جبلية وقليلة السكان. أتكلم بشكل عام، إذ أن اثنتي عشرة منطقة لا مأهولة ولا مزروعة، وبعد أن تجتاز أي بلدات كبيرة بفرسخين، لن تصادف بيتاً ضخماً ولا بشراً بعد عشرين فرسخا أخرى. الجانب الغربي، أكثر من أي منطقة أخرى، هو الأعظم عوزاً وحاجة وينبغي أن يسكن ويفلح أكثر من أي جزء آخر، إذ ليس في الإمكان العثور هناك سوى على مساحات شاسعة من الصحاري. لا يعود سبب هذا اليباب إلا إلى ندرة الماء، فثمة حاجة ماسة له في كل أرجاء المملكة، حيث يخزنون مياه الأمطار أو يبحثون عنها عميقاً في باطن الأرض. حيث يوجد مخزون وافر من المياه، تكون الأرض سخية وخصبة وملائمة للزراعة، مع ذلك وإلى حد ما، فارس بلاد جبلية، كما أسلفت. تزخر البلاد بالعديد من الجبال في معظم المناطق كما في المنطقة الشرقية، ولهذا دعيت كوهيستان، أي بلاد الجبال. توجد في فارس أعلى جبال العالم. يرتفع جبل تبريز، الذي يعبر المملكة من طرف إلى آخر، في ذروة مدببة شاهقة وبسبب علوه الشامخ، فإن قمته لا تشاهد بالعين المجردة. الأجزاء المرتفعة من هذه الجبال هي جبال آرارات في أقصى أرمينيا، والسلسلة الجبلية التي تفصل ميديا عن حائر( ). أشهر الجبال الواقعة بين هذه الأخيرة وبلاد فرهاد( )، خاصة جبل دماوند، الذي يفصل بلاد الكلدان عن الجزيرة العربية، الواقعة بين فارس والقرم، هو جبل جيرون. أحد أهم عيوب هذه الجبال أنها جافة وحارة، أعني بشكل عام، لأن ثمة مناطق فيها جبال مغطاة كلها بالغابات مثل كردستان، التي تدعى معظم أجزائها أيضاً \"جنكَل\" أي بلد الغابات. لكن مقابل كل جبل مغطى بالغابات، تجد ثلاثة جبال جرداء تماماً. أما وقد أعدت سبب يباب معظم مناطق فارس إلى قلة المياه، وحيث يمكن الملاحظة من سياق كلامي إن الفرس يستخدمون لري الأراضي القنوات الجوفية الكائنة في باطن الأرض، التي تجري عادة في بلادهم، وبذلك ليسوا بحاجة للمياه: إنني على أتم استعداد لتفسير قولي كي أتجنب أي مظهر تناقض، ولأن كل ما قلته في هذا الصدد، كما أسلفت سابقاً، صحيح تماماً. الماء سبب الخصب في فارس إن وجد، وهناك مناطق، بشكل عام، ترهق الناس في الحفر بحثاً عن الماء، لكن ليس هناك عديد من الناس لاستخراج كميات كافية من المياه. لذا، لا ينبع عوز الناس من يباب الأرض، بل اليباب من عوزهم، كما هو الحال في معظم أراضي الإمبراطورية العثمانية، التي هي في حد ذاتها وطبيعتها أفضل وأروع بلاد على وجه البسيطة فإنها مع ذلك جافة كأي أرض بور بسبب حاجتها إلى اليد العاملة. أما سبب العوز في هذه البلاد الشاسعة، فإن فهمه في غاية اليسر. يعود ذلك من جهة إلى امتداد هذه الممالك غير المحدود، ومن ناحية أخرى إلى الحكومة الاستبدادية الحاكمة هنا. ليس بوسع الذين يُغزون تقديم مساعدة لمن يحكمونهم بأهواء أجنبية، بينما حكموا سابقاً وفق قوانين مطابقة للعرف والنظام تنبثق بانتظام من دستورهم الخاص. وعليه، سيتخلصون من نير الغازي ما إن يبتعد مئتين أو ثلاثة مئة فرسخ عنهم. ولقد اعتقدوا أن من المستحسن للحفاظ على فتحهم، نفي القسم الأكبر منهم ونقل الآخرون إلى مناطق نائية ومناخ مختلف حيث يضمحلون تدريجياً مثل نبتة غريبة. هذا ما مارسه الفرس, وكذلك الأتراك في العهود المتأخرة. لقد لاحظوا التأثيرات المرعبة لهذا النوع من السياسة في الهند الشرقية، بلاد غنية مثمرة كثيفة السكان. وبالنظر نسبياً كيف مد المغولي العظيم إمبراطوريته بغزو مملكات الهند وولاياتها، فإن الناس وكثير من الثروات قد تضاءلت. يمكن للمرء أيضاً إضافة بعض العوامل الطبيعية إلى العامل السياسي لتفسير تناقص عدد سكان فارس، ومن بينها الثلاثة التالية: أولاً، الميل المزري لدى الفرس لاقتراف الخطيئة البغيضة ضد الطبيعة بالتواصل مع الجنسين. ثانياً، الترف المغالى به في البلاد حيث تنجب النساء الأطفال في عمر مبكر ويتوقفن عن الإنجاب ما إن يبلغن الثلاثين، حين ينظر إليهن على أنهن عجائز ومتقاعدات، ويبدأ الرجال في زيارة النساء الشابات والاستمتاع بأكثر من واحدة دون إنجاب. كما أن كثيراً من النساء يجهضن أنفسهن ويأخذن أدوية لمنع الحمل، لأن أزواجهن يتزوجون نساء أخريات ما إن يصلن الشهر الثالث أو الرابع من الحمل، إذ أن مضاجعة المرأة الحامل في عرفهم تعتبر فعلاً شائناً بذيئاً. السبب الثالث، أنه في غضون القرن الماضي، ذهب عدد كبير من الفرس وحتى عائلات بأكملها واستقروا في الهند الشرقية. ولما كانوا أكثر وسامة وحكمة وأرفع أدباً من الهنود المسلمين، الذين لا يقارنون بهم والمنحدرين من التتر وبلاد تيمورلنك، فلقد تفوقوا عليهم هناك. وامتلأ بلاط ملوك الهند المسلمين بهم خاصة في كلكته وفيجابور. وما إن يستقر أحدهم بشكل جيد حتى يرسلون لجلب عائلاتهم وأصدقائهم، الذين يذهبون طواعية حيث تنتظرهم الثروة، خاصة في بلاد هي الأوفر ثمراً في العالم، وتباع الملابس والطعام بسعر أدنى من أي مكان آخر. لم ينصحوا بالذهاب في الشرق، كي يوقفوا رحيلهم، لكن الجميع كانوا أحراراً للذهاب أينما أرادوا، ولم تكن هناك حاجة لجواز مرور، وتمتعوا بحرية الخروج من المملكة دون إذن مسبق. سنرى لاحقاً في هذا الكتاب كيف يأتي الفلاحون باكين في بعض المناطق إلى باب الحاكم بأعداد كبيرة، عندما يعتقدون أنهم مضطهدون، وحتى إلى باب قصر الملك قائلين إنهم سيغادرون البلاد إذا لم تيسر أمورهم.
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|