مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

الرحلة التتويجية لعاصمة البلاد الإنجليزية 1902

تأليف : عبد الرحيم مودن
الولادة : 1948 هجرية
الوفاة : 2014 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1295)




() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
الحسن بن محمد الغَسَّال
حققها وقدَّم لها د. عبد الرحيم مودن

انتمت أسرة \"الغسال\" التي يتحدّر منها الحسن بن محمد الغسّال إلى السلطة المخزنية( ) ، أي إلى أعلى مراحل السلطة السياسية أثناء القرن 19 وبداية القرن 20. واستطاع \"الغسال\" في هذا القرن الأخير ممارسة نشاط ديبلوماسي واسع، منذ أيام السلطان \"مولاي عبد العزيز\" إلى عشرينيات القرن (الماضي) الأسبق، أي القرن العشرين.
وتميزت هذه الممارسة الغنية بتموقعها في خضم تصاعد مراحل التكالب الأروبي، على المغرب، من خلال مظاهر عديدة شملت التحرشات العسكرية والاقتطاعات المتواصلة لمناطق عديدة من شواطئه وأراضيه، مرورا باتفاقيات جائرة ومعاهدات ظالمة غلِّفت بأساليب متعددة تُوهِمُ بالإصلاح أحيانا، والحداثة أحيانا أخرى، في سياق التمهيد للاحتلال الاستعماري المباشر.
والمتأمل في هذه المرحلة، يلمس اللهاث المتواصل لأهم القوى الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، إسبانيا، بريطانيا.. ) من جهة، وحرص المغرب - من جهة ثانية - على خلق نوع من التوازن العادل في علاقته مع هذه الدول بعد أن عانى، وهو في وضعية لا يحسد عليها، من هزيمتين كبيرتين زلزلا كيانه وهما: هزيمة \"إيسْلي\" شرقا 1844، وهزيمة \"تِطوان\" شمالا 1860. وما بينهما انهيار متواصل لبناء الدولة سياسيا وعسكريا واجتماعيا وثقافياً.
ولعل هذا ما يبرر تأرجح الدولة المغربية بين ثنائيات عديدة: الانغلاق والانفتاح( ) ، التقدم والحداثة، البر والبحر، الحرب والسلم ...
في سياق هذه الأوضاع، مارس \"الغسال\" نشاطه السياسي، أو الديبلوماسي، مُوفَداً، من قبل السلطة المخزنية أحيانا، أو مرافقا لسفرائها أحيانا أخرى. ويكمن

إجمال أهم المحطات البارزة في حياة \"الغسال\"( )، ديبلوماسيا، على الشكل التالي:
أ- حضوره مؤتمر المندوبين بالدار البيضاء بُغية إيجاد حل للمطالب الأوروبية المتصاعدة.
ب- تمثيله للسلطة المخزنية- وهذا هو موضوع المخطوط- في احتفالات تنصيب أو تتويج\" إدوارد السابع\" ملك \"إنجلترا\" سنة 1320/1902م.
ج- سيرافق \"الغسال\" - من جديد - السفير \"الحاج عبد الرحمان بن عبد الصادق، بعد مرور عام على السفارة السابقة، متوجها نحو جبل طارق \"لملاقاة العاهل البريطاني إدوارد السابع أثناء زيارته لهذه المستعمرة البريطانية الإستراتيجية.
د- وسيعين ضمن وفد طنجي اختارهم السلطان \"مولاي عبد العزيز\" في مجلس الأعيان لمحاورة السفير الفرنسي وبرنامجه المقترح لإنجاز \"إصلاحات تحديثية معينة لأهداف واضحة\"( ).
هـ- وفي عهد \"مولاي عبد الحفيظ\" الذي بويع بعد \"مولاي عبد العزيز\" سيعين في لجنة التعويضات سنة 1907 كاتبا بعد انتفاضة الدار البيضاء الشهيرة( ) (1906).
و- ظلت الممارسة السياسية عند \"الغسال\" محور انشغالاته بالرغم من ممارسته للعديد من المناصب الإدارية. ومن ثم، ارتبط \"الغسال\" بأحداث مركزية أسهم فيها، بشكل أو بآخر، من خلال تمثيله للسلطة المخزنية عبر الوفود أو اللجان المختصة. ونذكر على سبيل المثال:
أ- لجنة دراسة قضايا الحدود المغربية الجزائرية.
ب- لجنة الاطلاع على ديون الأجانب \"دار النيابة\"( ).
ج- لجنة المنازعات بين السكان المغاربة والمعمرين الأجانب.
وبالإضافة إلى هذا وذاك، كان \"الغسال\" من المستقبلين لرئيس جمهورية \"فرنسا\" أثناء زيارته للدار البيضاء والرباط، فضلا عن رحلاته المتعددة في الداخل والخارج، خاصة رحلتيه الشهيرتين المجسدتين في نصيه: أولهما و هو موضوع المخطوط المتعلق بسفره إلى \"لندن\" وثانيهما هو الذي اتجه فيه إلى \"جبل طارق\".
كان ميلاد \"الغسال\" بـ(طنجة) – شمال المغرب – جسدا وفكرا وشهرة، وكان موته بـ (مراكش) جنوب المغرب، التي كان يحج إليها بين الفينة والأخرى. ولعل رحلته المعنونة بـ \"الرحلة المراكشية أو التعريف بالحضرة المراكشية ولمن وقفت عليه من الأولياء والعلماء الأجلة\" (1318/1900م) تعكس ارتباطه بهذه الحاضرة وأهلها الذين جمعتهم به صداقات روحية وفكرية عديدة.
وتعد المرحلة التي وجد فيها (الغسال) -القرن 19-( ) مرحلة حاسمة مما دفع بالسلطة السياسية إلى تحفيز سفرائها و\"كتاب بعثاتهم إلى أوربا بتسجيل ما يرونه مفيدا - أثناء رحلتهم - من نظم المجتمعات الأوروبية في زمن أصبحت فيه دول هذه المجتمعات تحاصر المغرب مهددة استقلاله وأمنه\"( ).
وصف المخطوط: يحمل النص عنوانا صريحا دالا على موضوعه المركزي المجسد في تقديم المستحدثات لمتلق مركزي، أيضا، مجسدا في السلطة المخزنية، ثم تأتي عينة أخرى من المتلقين مجسدة في النخبة المؤثرة في المسار العام للدولة من فقهاء وكتاب دواوين وعلماء وأدباء ورجال السلطة وما تبقى من مبعوثين سابقين إلى الدول الأوربية( ).
و روعي في صياغة عنوان المخطوط إخضاعه لمرجع لغوي وبلاغي سائد في نمط الكتابة آنذاك( ). ومن ثم فهو -تبعا للتقاليد السائدة- يجمع بين التقريظ الشائع للمتن بالصفات والنعوت الممَّيزة، وبين تقريظ المرتحل إليه عبر قناة المرسل الذي يكون عادة -كما هو الشأن في الرحلات الديبلوماسية- مجسدا في السلطة المركزية( ).
عنوان المخطوط، إذن، هو: (الرحلة التتويجية لعاصمة البلاد الإنجليزية)( ) والتتويج، في هذا سياق، لا يخص الحدث الفعلي الذي ارتحل من أجله الرحالة إلى \"إنجلترا\" فقط بل إن هذا التتويج تقريظ مسبق لهذا المتن من حيث كونه نصا من النصوص الأثيرة لديه أولا، وهو، ثانيا، رصد لما رآه الرحالة في هذه الديار فتوجه باللسان وخلده بالبيان كما سبقت الإشارة.
نشر النص مترجما، إلى اللغة الفرنسية، في بداية القرن العشرين تحت العنوان التالي:
ALRIHLA ILA BILAD ALINGLIZ:DE HASSAN LGHASSAL. REVUE DU MONDE MUSUL MAN.VOL .IV 1908.P1-20
2- ونشر باللغة العربية سنة 1979 من قبل الأستاذ عبد الهادي التازي بمجلة البحث العلمي\"( )
ولاشك أن الأستاذ \"عبد الهادي التازي\" قد بذل - مشكورا - جهدا ، وهذا ليس غريباً عن نشاطه العلمي والأكاديمي منذ عقود طويلة ، في إخراج - أطال الله عمره - هذه الرحلة التي نشرها بالمصدر المذكور أعلاه. وقد أحسن الأستاذ \'عبد الهادي التازي صنعاً عند إصداره لهذا العمل الهام مستخدماً (ولعل ذلك قد يكون من وضع المجلة) كلمة نشر دون تحقيق، منطلقا - وهذا من فضائل العالم أو الباحث الموضوعي - من كون الرحلة المنشورة هي إخراج من أضابير محددة بأسلوب يُيَسِّر قراءة النص بخط مطبعي أساسا، وإشارات عامة لا أتردد في القول بأنها، على أهميتها، كانت شحيحة أو محدودة، علما أن النص ظل في أمَسِّ الحاجة، إلى إشارات عديدة على اختلاف مستوياتها. ولعل ذلك هو الذي دفع بنا إلى الاستفادة من هذا النشر دون أن يمنع ذلك من إعادة قراءتنا لهذا المخطوط قراءات عديدة، فضلاً عن تكليفنا لأحد طلبتنا( ) في قسم الإجازة بإعادة القراءة و - التحقيق أيضا - لهذا المخطوط. هكذا قمنا بهذه القراءة الجديدة المحققة لمستويات عديدة من هذا النص، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أ - المستوى اللغوي، سواء تعلَّق الأمر باللغة العربية الفصيحة، وهي لغة وظيفية( ) على عادة الرحالة، أو باللغة العامية، علما أن هذه الأخيرة - بحكم انتساب الغسال إلى طنجة أو شمال المغرب( )- تأخذ ملامح مميزة صوتا وتركيبا ودلالة. وبالإضافة إلى هذا وذي أضفنا إلى الإشارات اللغوية الذكية، التي قدمها الأستاذ \"عبد الهادي التازي\" أثناء شرحه للمعجم الإنجليزي الذي حرص الرحالة \"الغسال\" على تقديمه رغبة في الاستفادة – وهذا من وظائف النص الرحلي – والإفادة أيضا.
ب- افتقد نشر الأستاذ \"عبد الهادي التازي\" للتأطير التاريخي - بالمعنى الواسع - من جهة، والأدبي من جهة ثانية، مكتفيا بديباجة عامة حول العلاقات المغربية البريطانية( ). و بالإضافة إلى هذا و ذاك، انتشرت بعض الأخطاء المطبعية أو السهوية عبر النص.
ولما كان (الغسال) كاتب هذه الرحلة التي كان سفيرها هو القائد عبد الرحمان بن عبد الصادق، فإننا التفتنا، في تعليقنا، إلى بعض الخصائص العامة للكتابة الرحلية، خاصة عند (الغسال) في سياق المتْن الرحلي الديبلوماسي بشكل عام.
التحليل والتعليق:
خضع نص الغسال( )، وهو في ذلك يشترك مع النصوص المغربية المتجهة نحو الآخر أو الأجنبي في القرن 19 ، لإكراه مركزي ساد هذه المرحلة مجسدا في حدَّي الانفتاح والانغلاق. ذلك أن السلطة المخزنية( ) المغربية، آنذاك، تأرجحت بين الرغبة في معرفة الخارج - وهناك مؤشرات عديدة دالة على ذلك - والرغبة، في الوقت ذاته، في الحفاظ على استقلال الداخل. وبالرغم من عدم خضوع المغرب للاحتلال العثماني، كما هو الشأن بالنسبة لكافة الدول العربية، فإن ذلك فرض عليه نوعا من العزلة، محافظة( ) على هذا الاستقلال ودعما لهذه العزلة، مما فرض عليه، في كثير من الأحيان، إغلاق الأبواب غرباً، مع ترك النوافذ مفتوحة بمقدار معلوم بسبب الإكراهات السياسية والاقتصادية المتعددة في تلك المرحلة.
ولا شك أن تتابع أحداث مركزية، في هذه المرحلة، كان وراء إحكام الرتج والإقفال والاكتفاء بالإطلالة من شقوق الأبواب.
من أهم هذه الأحداث نذكر احتلال الجزائر (1830) وتونس (1881)، أي احتلال الطريق البري الذي سلكه الرحالة المغاربة( )، وهم يتوجهون نحو الحج، منذ عقود طويلة. وجاءت قاصمة الظهر الأولى مجسدة في هزيمة \"إيسلي\" (1844) شرقا( )، ثم قاصمة الظهر الثانية ممثلة في هزيمة تطوان (1860) شمالا( )، وما تبع ذلك من معاهدات واتفاقيات جائرة( ) وضعت المغرب تحت رحمة الأجانب وتكالب القوى الغربية، مجسدة في الدول الأربع الكبيرة (إنجلترا، فرنسا، إسبانيا، ألمانيا)( ) المنظرة للغزو من جهة، والمنفذة للحلقات الاستعمارية المتكاملة منذ كشوفات النهضة الأوروبية في القرن 15 م من جهة ثانية. نضيف إلى ذلك مظاهر التمرد الداخلي( ) لأسباب عديدة دفعت بالغرب الاستعماري للترويج لأطروحة مشبوهة، بهدف تبريره للاحتلال، تدور حول أراضي \"السيبة\"( ) أي التسيب، وأراضي المخزن، أي الأراضي الخاضعة للسلطة المخزنية أو الدولة.
في هذا السياق تعاملت \"النخبة\"( ) مع الحداثة من خلال الغرب الغازي وانقسمت، نتيجة لذلك، إلى فئتين:
أ- فئة محافظة ترى في الحداثة مرادفا للكفر والفساد( ).
ب- فئة متفتحة ترى في الخارج، بشكل مباشر أو غير مباشر، مكانا للاستفادة. والقاسم المشترك بين هاتين الفئتين يتمثل في ترويج الصراع الدائر بين \"دار الكفر\" و\" دار الإسلام\"، وتبريرات كل من الطرفين لا تخرج عن دلالتي الكفر والإسلام. فالمحافظون يرون في الاستعمار \"عقابا لولاة المسلمين الذين ساموا شعوبهم الذل والهوان\"( ) والمنفتحون يؤكدون أن المجتمع الأوربي \"أصبح يحارب بجحافل الحكماء والمخترعين وليس بجحافل الجيوش\"( )
واستطاعت الرحلة الديبلوماسية أو السفارية( ) أن تتابع تحولات المجتمعات الأوربية باندهاش وإعجاب حينا، وبرغبة عميقة حينا آخر، لدى كتابها في الفهم والتفسير والتأويل، مستفيدة من \"صدمة الحداثة\" مجسدة في تأليفات وفتاوى ومذكرات( ) وتعليقات الذين زاروا الغرب لأسباب عديدة.
هكذا قدمت لنا الرحلة السفارية خاصة، والرحلات التي مرت بالغرب عامة، مظاهر الحداثة بأسلوبين:
أ- أسلوب مباشر تجلى في إبراز فوائد التحديث وانعكاساته الإيجابية على المجتمع والإنسان ما دام ذلك لا يتعارض مع الشرع والعقل.
وتميز هذا الرصد المباشر بنوع من الانتقائية بالتركيز على موضوعات محددة وأساليب معينة.
ب- أسلوب غير مباشر جسدته رحلات لم تندرج تحت الإطار الديبلوماسي أو (السفاري) بل اندرجت تحت إطار أنماط رحلية أخرى. فرحلة \"الغيغائي\"( ) الحجازية (الحجية) قدمت مظاهر الحداثة من خلال تجلياتها غير المباشرة مجسدة في تطبيقاتها العربية المجسدة في تجربة \"محمد علي بمصر\" التي توقف بها الرحالة المتجه نحو الحج أو الحجاز.
من هنا كان إعجاب الرحالة بمصر في القرن 19، التي استعملت القطار (بابور البر) والباخرة (بابور البحر) والتلغراف أو كما سماه الرحالة (أخبار السلك)، وقدم في السياق ذاته، رحالة آخر من الفترة ذاتها، دعوته للحداثة من خلال \"تجربة محمد علي\" الاقتصادية خاصة. يقول بن سعيد السلاوي في هذا المجال مبرزا مظاهر الحداثة وتجلياتها أيام \"محمد علي\": .. وإنما حصل فيها الترقي بعد أن دخلها الفرانسيس وقت ولاية بنبارطي( ) وبعد خروجه منها وتوليه الباشا \"محمد علي\" أخذ في تمدينها وجلب أرباب الصنائع والعلوم من بلاد الإفرنج وبعث أناسا من رعيته نجباء الحواضر لباريز وللوندريز( ). ومن الضروري الإشارة إلى أن هذين الأسلوبين لا علاقة لهما بتيار المحافظة الذي – بالرغم من ذهابه إلى الغرب – رفض الحداثة جملة وتفصيلا. يقول أحد الرحالة عن البخار \".. واستنبط هذا – البابور – المعروف بعقله الظلماني، لأن العقل على قسمين ظلماني ونوراني، فالظلماني به يدركون هذه الأشياء الظلمانية، ويزيدهم ذلك توغلا في كفرهم. والنوراني به يدرك المؤمن المسائل المعنوية، كالإيمان بالله وبملائكته ورسله وكل ما يقرب من رضي الله، ومن هذا الباب وصفهم الله في غير ما آية بعدم العقل وبعدم التفكير، وبعدم الفقه\"( ).
والخلاصة المركزية، من خلال هذين الأسلوبين، حضور أسئلة التحديث لدى الرحالة المغربي، سواء رغب في ذلك أو لم يرغب، بل إن التيار المحافظ أو الرافض لهذه الحداثة أحس بوطأتها أو زحفها المتواصل على العالم فرصد التجربة من موقع سلبي لم يلغ الحداثة التي انتشرت بالرغم عن الجميع.
هكذا رادفت الحداثة إشكالية النهضة التي لم تكن في الجوهر إلا إشكالية \"الأنا\" و\"الآخر\". ولاشك أن مصطلح نهضةRenaissance ، أوروبيا، يرادف (الولادة الجديدة)، أي القطيعة مع الماضي، في حين يرادف مصطلح نهضة في العالم العربي والإسلامي، النهوض من الكبوة، أو الانفلات من عثرات الماضي دون رفضه. ومن ثم كانت النهضة، عربيا وإسلاميا، »تواصلا مع الماضي ... لذلك ففي اللحظة التي ارتبطت فيه أوربا بفلسفات مستقبلية، ارتبط الفكر العربي النهضوي بفلسفات ماضوية( ).
ولعل هذا ما يفسر تحرك الرحالة، في بلاد الغرب بنوع من الحذر، وكأنه يتحرك داخل حقل من الألغام مليء بالمفاجآت الحسنة وغير الحسنة، زاخر بالمفيد وغير النافع؛ ولكن في الوقت ذاته تمر بـ\"الشيطاني\" أو بالإبليسي، مبهرا بسرعته ونجاعته مقلقا بمفارقته اللاأخلاقية، مشدودا إلى دنياه غافلا عن آخرته ...يقول \"الجعايدي\" في هذا السياق مبررا هذه السطوة المادية البراقة:
أباريس إن كانت على الأرض جنة
فأنت هي المأوى على رغم حاسد
فما تشتهيه النفس من كل رائق
كثير بها لكنه غير خالد( )

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين التيارين لم تكن في حالة قطيعة مطلقة، بل كانت المسافة بين المحافظة والتجديد تضيق أحيانا وتتسع أحيانا أخرى، ووجدنا في كثير من الأحيان الحداثة المحافظة والمحافظة التحديثية أيضا، \"فالكردودي\" يتابع إنجازات أوربا باندهاش إلى حدود معينة لا يمكن تجاوزها تلك هي حدود العلاقة بين الحداثة والدين. فكل ما يتعارض مع الدين والشريعة يرفضه الرحالة، \"وأبو الجمال الطاهر الفاسي \"(ينظر) لهذا التعارض مرجعا ذلك إلى شطط العقل، أو \"الظلماني\" كما أطلق عليه في رحلته، في حين تظل الإنجازات الأخرى التي لم تتعارض مع الشريعة مرتبطة \"بالعقل النوراني\"( ) وبين هذا وذاك كانت بوادر سلفية خجولة1 آخذة في التبلور من خلال نصوص رحلية أخرى رأى فيها الرحالة، عبر مشاهداتهم ، وسيلة للتوفيق بين مستحدثات العصر وتراث السلف. ويظل نص \"الغسال\" الذي اتجه فيه إلى \"إنجلترا\" من أهم النصوص الداعية إلى الحداثة والتحديث بأسلوب يتقاطع فيه مع نصوص \"الحداثة\" في القرن 19 ويوازيها في آن واحد، بأسلوب محايد شع بين الحين والآخر بتثمين للكثير من المنجزات.
1 ـ على مستوى التوازي نلمس:
أ- الموضوعات المشتركة من تمدين وصناعة حربية وفضاءات للفرجة وحركة تجارية (اقتصادية) نشيطة ونظام متكامل في التسيير والتدبير، وقوة عسكرية ملموسة( ).
ب- الهاجس التعليمي - وهو قاسم مشترك بين كل الرحلات - الذي قصده الرحالة قصد تعريف المتلقي - سلطة أو جمهورا - بما يجري ما وراء البحار.
ج- لم يشكل الجانب الرسمي أو الديبلوماسي، إلا مجرد عنصر عام ذكر، عادة بعد الديباجة التقليدية، ليتم الانتقال، مباشرة نحو الرصيد المباشر للمرئيات والمشاهدات.
2 ـ وعلى مستوى التقاطع نجد الآتي:
أ- تحرر \"الغسال\" من الأحكام المسبقة التي تحكمت في غيره من رحالة القرن 19. لا وجود لذلك التعارض الشهير بين \"دار الكفر\" و\"دار الإسلام\" بالرغم من الأجواء المتوترة، والمهيْمِنة على علاقة المغرب بغيره من الدول الأوروبية آنذاك. فـ\"الغسال\" يصف - دون أن يخفي إعجابه بهذا العالم - من موقع ممثل رسمي لدولة لها كيان وتاريخ.
ب- التفات \"الغسال\" إلى بعض عناصر القوة في التجربة الأوروبية، والتي لم تحظ بالاهتمام عند باقي الرحالة. وعلى سبيل المثال نذكر:
- \"...مجمع نواب الأمة على مصالح الرعية يعني يحضر بها نائب عن كل إيالة أو عمالة وكيلا عنها في جميع مصالحها ودفع مضارها ...وكيفية المفاوضة عندهم في سائر القضايا أن يقوم خطيب من إحدى الفرقتين يخطب على رؤوسهم بورقة من يده متضمنة لما دار في المسألة ثم يقوم خطيب من الفرقة الأخرى...\"( ).
- الإشارة الذكية إلى قوة \"إنجلترا\" الاقتصادية المرتبطة بـ(مستعمراتها). ويظل \"الغسال\" الرحالة الوحيد في هذه الفترة، الذي استعمل مصطلح (استعمار) في سياق تحولات \"إنجلترا\" خاصة، وأوروبا عامة.
- الحرص على تقديم التاريخ الميلادي بجانب التاريخ الهجري الذي كان سائدا عند معظم الرحالة. ولا شك أن تقديم هذا التاريخ، في مواقع عديدة من الرحلة، مؤشر على تحول التاريخ لصالح الآخر( )، أي لصالح الغرب أو أوروبا. وبذلك خلت الرحلة من العبارات الذائعة لدى رحالات آخرين، لم يترددوا في التعامل مع \"إسبانيا\" كـ(فردوس مفقود)، بل إن الكثير منهم كان يلح على أمنية ضائعة جسدتها جمل اعتراضية مترددة في النص مشفوعة بالمفارقة الدائمة بين (دار الكفر) و(دار الإسلام)( ).

ينقسم مخطوط \"الغسال\" إلى الأقسام الآتية:
1- الغرض من الرحلة مع تعريف موجز بالوفد الرسمي للرحلة من سفير وكاتب وأمين.
2- ركوب البحر وملابساته البروتوكولية \"دون نسيان وصف السفينة ومكوناتها وخطها العام الذي سلكته قبل الوصول إلى \"إنجلترا\".
3- الوصول إلى بلاد الإنجليز وتفصيل القول في مختلف مظاهرها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والترفيهية والعسكرية.
4- العودة إلى المغرب والوصول إلى \"طنجة\" بعد المرور بـ\"جبل طارق\".
إن طبيعة هذه الأقسام الأربعة مرتبطة بالضرورة الوصفية، الأداة الفاعلة في كل نص رحلي. وفي كل هذه الأقسام كانت العين الذكية للرحالة تلتقط ما تراه ملائما للسرد والوصف، مسايرا للهاجس المعرفي لدى الرحالة( ).
وقد لا نبالغ في القول إذا اعتبرنا هذه الأقسام الأربعة خاضعة لقاسم مشترك وهو تقديم الحديث أو الجديد في هذه التجربة انطلاقا من العودة إلى لحظة الوصول. وهذا الحديث لم يكن نابعا من تصور - وهذا بديهي بالنسبة للمرحلة - نظري متكامل، بل كان نابعا من ضرورة أساسية، ضرورة المعرفة، قبل أن تكون الحداثة..إشكالا فكريا. فالمغرب، آنذاك لم يعد أمامه مجال للتردد أو المفاضلة بين ما يراه الرحالة أو المسافرون نحو الغرب، بل أصبح - تحت تأثير عوامل أو إكراهات عديدة - مضطرا لإدخال أساليب جديدة، ودم جديد بعد أن \"كان يحكم بواسطة أجهزة حكومية وإدارية عتيقة لا تستند لمتطلبات العصر\"( ).
ولا شك أن هذه الدعوات العديدة التي مارسها \"الغسال\" وغيره من الرحالة والمسافرين غربا، لم تكن بعيدة عن إكراهات أساسية يمكن إجمالها في التالي:
1- الدعوة للحداثة عن طريق الرحالة المغاربة، جاء من موقع ضعف الدولة وتفككها عوض أن يكون من موضع القوة والتماسك. وهذا ما لم يستوعبه الرحالة المغربي الذي انطلق في مقارنات عفوية بين تجربة \"الحسن الأول\" ومحمد علي... علما أن القياس مع الفارق غير مستساغ بحكم قوة تجربة \"محمد علي\" المسنودة بتشكل قوي لـ \"بورجوازية\" مصرية، وتطوير اقتصادي وصناعي، واستقلالية سياسية. وبالمقابل كانت التجربة المغربية تجربة معزولة تتصارع فيها أفكار الحداثة والعتاقة، دون وجود درع واق يحمي هذه التجربة، بل إن النخبة ذاتها كانت تعيش صراعا مستمرا حول الحداثة والتحديث.
2- ظل العديد من الرحالة المغاربة - ومن بينهم الغسال - خاضعين لمرجعيتهم التقليدية، ثقافيا، دون أن يمنع ذلك من وجود حالات التفاوت بين هذا الرحالة أو ذاك. ولكن، في كل الأحوال، لم يتسم الرحالة المغربي بالجرأة في دعوته الحداثية .. بل ظل دائما مشدودا إلى مرجعيته التقليدية من جهة، وعيون النخبة المحافظة التي لا تنام من جهة ثاني( ).
3- من أهم المفارقات في التجربة الحداثية المغربية وجود الداعين إلى الحداثة في صلب السلطة المخزنية، في حين انتشر المعارضون بين رحاب \"الشعب\"، علما أن المجال الحيوي للحداثة هو الفضاء الخارجي الذي لم يكن مستعدا لتقبل \"بدع\" الغرب وألاعيبه. هكذا برز المعارضون لهذه الحداثة من شرائح الفقهاء، وزعماء الزوايا، والمتمردين القادرين على تهييج العواطف خاصة في مرحلة \"المولى عبد العزيز\" الذي مثله الرحالة \"الغسال\" في رحلته إلى إنجلترا\".
4- ولا شك أن تبني السلطة المخزنية لهذه الحداثة لم تكن بدون قيد أو شرط، بل كان التبني لهذه المظاهر الحداثية في حدود الحداثة المحدودة في الجانب العسكري أكثر من غيره. وكأن الأمر يتعلق بنقل مظاهر محددة أو استنساخ تجارب معينة مع إغفال تام للأسباب الجوهرية المؤدية إلى هذا التقدم من تفتح سياسي ونشر قيم العقل، وإعادة النظر في النماء والتطور، أي إغفال ما قد يثير الجدل من مواقع متعددة.
5- ولا يقتصر الأمر على الإكراهات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي منعت من مسايرة خطاب الحداثة الصادر عن هؤلاء الرحالة، بل إن قصر المدة الزمنية لهذه الرحلات لم يسمح باستيعاب ذلك الشلال المتدافع من المخترعات والمستحدثات والإنجازات فالفرق - على سبيل المثال - شاسع بين رحلة \"الطهطاوي\" التي استمرت خمس سنوات وبين الرحلات المغربية التي لم تتعد أشهرا قلائل، فضلا عن اختلاف طبيعة رحلة الطهطاوي عن طبيعة الرحالة السفاريين المغاربة الذين ظلوا خاضعين للمهمة الرسمية قبل المهمة الثقافية، مما كان سببا في تقديم أكبر كمٍ ممكن من مظاهر الحداثة دون محاورتها كما فعل \"رفاعة الطهطاوي\"( ).
6- وفي السياق ذاته كان التوجه نحو الحداثة - كما سبقت الإشارة - اختيارا لا رجعة فيه، خاصة أن المغرب، في عهد \"مولى عبد العزيز\"، قد استنجد بـ\"أوروبا\" لدعمه في محاربة أشكال التمرد من جهة، وإدخال الإصلاحات \"الحداثية\" من جهة ثانية. كل ذلك مزج الحداثة بالاستعمار، ومزج التقنية بالجبروت العسكري. غير أن ذلك لم يمنع \"الغسال\" من تفصيل القول في ما رآه من مستحدثات مستشعرا الفارق الشاسع بين مجتمعه والمجتمعات الأوروبية. وأثناء عرضه لذلك، كان \"الغسال\".
7- يتميز عن معاصريه من الرحالة المغاربة بالآتي:
- التزام الحياد، في عرضه للمستحداث، دون إصدار حكم قيمة، لا أثر للهجاء أو النقد اللاذع لمظاهر الغرابة في المجتمع الأوروبي( ).
- الابتعاد عن الجانب الديني الذي شكل محط رفض وإدانة للعديد من الرحالة. ولعل مرجع ذلك يعود إلى تفضيله للجانب العملي أو النفعي في الحداثة.
- الإعجاب الرصين بالمظاهر العجيبة والغربية في هذا المجتمع مع الإصرار المتواصل من قبل الرحالة على الفهم والتفسير والتأويل.
الرحلة والكتابة: ينتمي النص الرحلي إلى بنية قولية مرنة تستوعب أنماطا من القول، وأشكالا من الأجناس الأدبية وغير الأدبية. غير أن هذا التعدد في أنماط القول يخضع لهيمنة بنية مركزية مجسدة في بنية السفر. وبسبب هذه الهيمنة انتشرت طرائق السرد والوصف في آن واحد، داخل المتن الرحلي (ق19) الذي سار في اتجاهين كبيرين: اتجاه ديني وآخر دنيوي، وتميزت الرحلة المغربية، خلال هذه الفترة، بخصائص محددة برزت في مخطوط \"الغسال\" وغيره من المخطوطات. ومن أهم هذه الخصائص نذكر:
1- بداية نمطية تشترك فيه الرحلة مع الرسالة والخطبة والنثر التأليفي والكتابة الديوانية. تلك هي بداية البسملة والحمدلة أولا، ومدح أولياء النعم ثانيا، وإبراز وجهة الرحلة أو أهدافها ثالثا( ).
2- وصف المكان (الفضاء) المرتحل إليه. وطبيعة الوصف عند \"الغسال\" موازيا أو متقاطعا مع غيره من الرحالة، تقوم على استعمال البصر والبصيرة. أي استعمال البصيرة (العقل) لفهم وتأويل هذه المرئيات.
3- وبالإضافة إلى ذلك ظل الوصف مدينا لخطابات سابقة وجدت في: أ- علم الأطوال والعروض بقياساته الهندسية الدقيقة( ).
ب- أدب المسالك والممالك عن طريق تقديم العجيب والغريب من جهة، والممتع والمفيد من جهة ثانية.
ج- أسلوب الخطط في الاحتفاء بطابع التمدين ومتابعة التوزيع الحضري - والحضاري أيضا - لمختلف الفضاءات الدالة في هذه الرحلة.
د- رواسب معجم البلدان في تقديم أسماء الأماكن والمنشآت ومعادلات الألفاظ الأجنبية وإعادة صياغة \"طوبونيميا\" (علم أسماء الأماكن) مؤولة حسب الجهاز المعرفي واللغوي للرحالة.
الرحلة، إذن، متعددة الأنظمة، ولكنها، في الوقت ذاته، خاضعة لنسق سردي - وصفي - يعيد صياغة هذه الأمكنة أو الفضاءات من موقع خاص. فإذا كان العديد من الرحالة المغاربة - في القرن 19 - قد انتقلوا إلى \"إنجلترا\" فإن تعاملهم مع الأمكنة المتشابهة لم تنتج الاحساسات النمطية واللغات المشتركة والتأويلات المنسجمة. فنحن \"لا نسبح في المكان مرتين\".
ولعل من أهم الجوانب الأدبية للمتن الرحلي إنتاجه لتراكم نصي واقعي قد ينتسب إلى واقعية القرن 18 التي رفعت شعار \"تفسير أشياء بأشياء\"( ). وهذا ما فعله الرحالة المغربي الذي كان يلح على الملموس أحيانا، ويقرب المتخيل - أحيانا أخرى - من متلق كان يعيش عزلة عميقة في هذه المرحلة. ومن أهم ملامح هذه الواقعية نذكر:
أ- الرصد المفصل، والجزئي، للمرئيات والمشاهدات.
ب- الإلحاح على التفسير والتأويل والتعليق لغة ودلالة.
ج- المعجم اليومي الذي يجمع بين الفصيح واللهجي، بين الفصيح المبسط واللهجي الخاص (لهجة الشمال مثلا)( )، بين اللغة الوظيفية. والمصطلح الأجنبي، بين التعريب والتعجيم( ).
د- الحس الجدالي المتعلق بالطبيعة النقدية التي يفرضها المكان المرتحل إليه عبر تعدد الأسئلة المفترضة المرتبطة بالموضوعات التقنية، والتحولات الاقتصادية المتسارعة. فالرحلة السفارية، عادة، تنطلق من الحس الحواري المفترض وجوده عند متلق متوجس من هذه \"البدع\" خاصة أن \"النخبة\" المغربية المتأرجحة بين المحافظة والتجديد لم تستطع الابتعاد عن التأثير الأوروبي، بل إن \"الفئة التي رفضت النموذج الأوروبي رفضا قاطعا، أو غير قاطع، واختارت الإنكفاء و الانغلاق والاكتفاء بسلطة النموذج السلفي التقليدي العربي الإسلامي، كانت تفكر تحت تأثير سلطة النموذج الأوروبي وجبروته وقهره من حيث أنه كشف لها عن فساد نظامها المجتمعي وتفككه وانحطاطه وحفزها إلى التفكير في إصلاحه\"( ).
هـ- استطاعت الرحلة أن تثير قضايا العصر بعد أن ظل الخطاب الثقافي، عامة، والأدبي خاصة، أسير الأجناس الأدبية المتوارثة، أو أسير الأغراض التقليدية. استفادة (الرحلة) من أسلوب التعبير المتحرر من قيود البلاغة الشائعة ساهم بدوره في الارتباط ب(اليومي) الذي شكل اهتمام الرحالة وأسئلته حول الماضي والحاضر. وتميزت -في هذا السياق – رحلة \"الغسال\" بأسلوب مميز من حيث بنية التعبير على الشكل التالي:
1- خضوعها لطابع المذكرات( )، فـ(الغسال) كان حريصا أشد الحرص على التأريخ الدقيق لمراحل انتقاله انطلاقا من يوم الخروج (السبت 17 ربيع الأول)( ) وصولا أو عودة إلى الوطن في الثاني من ربيع الثاني.
2- وهذا يؤكد على حرص الرحالة الدائم في جانب التوثيق مما منح الرحلة طابعا تسجيليا هاما لامس جوانب التاريخ الاجتماعي ولحظات التحول الاقتصادي وفترات النمو التجاري، فضلا عن جوانب عديدة في التمدين.
3- لامس (الغسال) قضية الاختلاف بين الإنجليز والمغاربة، بين الإنجليز ودول المستعمرات( ) التي أشار إلى مظاهر اختلافها عن أوروبا بملاحظات أثنوغرافية دالة. لامس الرحالة كل ذلك ليبرز ضرورة الانفتاح على (الآخر) ما دام هذا الأخير قد قطع أشواطا هامة في النماء والتطور، كل ذلك بفضل هذا الاختلاف الذي كان عنصر يَقَظَةٍ من خلال الآتي:
أ- احترام اختلاف الفرق السياسية داخل (مجمع الأمة) أو داخل البرلمان الإنجليزي بفرقتيه: فرقة المخزن (الحزب الحاكم) وفرقة الأحرار أو المعارضين آنذاك.
ب- اختلاف مصادر الثروة نهراً وبحراً وبراً ومصادر كهربائية وغازية وبخارية وحيوانية وأخيرا، وليس أخراً، بشرية.
ج- اختلاف ما رآه الرحالة، في الحياة اليومية الإنجليزية، بالقياس إلى بلده، ومن ثم فتقديمه لهذه المرئيات بكل جزيئاتها ودقائقها، هو نوع من المقارنة غير المباشرة بين الغرب و\"الآخر\" وبالرغم من أسلوب الحياد والاندهاش أحيانا أخرى، فإن ذلك لم يمنعه من ممارسة هذا \"الوصف المقارن\"( )، بطريقة غير مباشرة، مبطنة بتحفيز مؤدب للاستفادة والتوظيف الملائم.
ولعل هذا ما يفسر، وهذا من خصائص الرحلة عامة، سيادة الجانب التوثيقي في الرحلة، وأهمية الرحلة تكمن، أساسا، في هذا الجانب التوثيقي الذي سمح برصد تحولات أوروبا - من خلال إنجلترا - في القرن 19 وبداية القرن 20، ولعل أهم مظاهر هذا التحول - كما رصده \"الغسال\" تكمن في التطور الصناعي الشامل الذي أنتج:
أ- انتشار \"الفابريكات\" والعديد من أنواع الشركات \"الكمبانية\" ومظاهر الآلة المختلفة.
ب- ازدهار التجارة بيعا وشراء وتصديرا، ونقلا بريا وبحريا.
ج- الطاقة اليدوية والغازية والكهربائية التي كانت وراء تحويل مسار أوروبا نحو الميكنة والتصنيع من جهة. ووجهتها من ناحية أخرى نحو آفاق الكشف المؤدي إلى مستعمرات إمبراطورية كانت تحلم بشمس ساطعة لا تغيب، والاحتفال \"البروتوكولي\" المخصص لـ\"إدوارد السابع\" يعكس علاقات \"إنجلترا\" بدول المستعمرات( ) المختلفة. ولا شك أن هذا التحول المتسارع اقتضى وجود لغة مرنة - كما سبقت الإشارة - تقوم على معجم اتسم بالآتي:
أ- استخدام اللغة كوسيلة دون أن تكون غاية. فأمام تسارع المرئيات المفاجئة أمام بصر الرحالة، لم يعد يجد مفرا من ملاحقات هذه المشاهد المتدافعة دون مراعاة - وهو من الكتاب المخزنيين - أساليب البيان الشائعة في الكتابة الديوانية التي انتمى إليها فقهاء وكتاب السلطة آنذاك.
ب- برز ذلك جليا في اللفظ العربي البعيد عن المرجعية التراثية، أو المعرب عن الأجنبي( ) أو المحتفظ ببنيته الدارجية تركيبا ونطقا ورسما( ) أو المستعمل بمنطوقة الأجنبي دون مركب نقص ما دام الرحالة يعرف، مسبقا أهمية استيحاء أو نقل ما رآه، أو سمعه بهذه المناطق. ومن ثم كانت \"اللغة الوظيفية\" في الرحلة نافذة من نوافذ الحداثة الأسلوبية - بوعي أو بدون وعي - لنقل مظاهر الحداثة المجتمعية مستقبلا.
ج- ولم يكتف الرحالة باستخدام المعجم الوظيفي السابق ذكره، بل طعم الرحالة هذه المفردات بالشروح الملائمة والتفسيرات المفيدة دون الاكتفاء بالمفردات المختصرة. ف\"بنيوس وهي عبارة عن صهاريج رخامية على قدر جرم الإنسان\"( ) و\"أسطيشن\" أعني موقف بابور البر\"( )…..الخ
وقد لا نبالغ في القول إذا اعتبرنا اللغة في المتن الرحلي، من أهم مستويات (الواقعية) في نص متميز بطرحه لإشكال العلاقة مع الواقع بأداة لغوية استندت إلى تشكلات الواقع، قبل تشكلات الكتابة، وتشكلات الرؤية قبل تشكل النص( ). فالهاجس الأساسي للرحالة، آنذاك، هو قراءة الواقع قبل قراءة النص الذي كان محايثا للواقع، متابعا لكل تحولاته المختلفة مما فرض عليه استعمال أداة لغوية وظيفية لفهم ذاته أولا، ولفهم الآخر ثانيا.
استطاع \"الغسال\"، إذن، امتلاك رؤية معينة لـ (الآخر) بعيدة عن الانبهار الساذج أحيانا، أو الرفض المطلق أو القبول النهائي أحيانا أخرى. وهو في رحلته يقدم ما يراه بنوع من الرصد الموضوعي الذي لا يفرض التموقع لصالح جهة ما، علما أن زمن الرحلة كان يفرض الاعتراف بالقوانين الجديدة المتحكمة في العالم. ومن المؤكد أن الرحالة كان بإمكانه أن يصرح بذلك، غير أنه فضل الاكتفاء بالإشارة الذكية والتي توحي بضرورة التدبر والإلحاح على ما \"ينبغي أن يحفظ ويعتنى به، وتنبيها لمن يتهيأ في المستقبل بمثله ليكون على بصيرة مما في هذا التقييد كله وليقس ما لا يقل\". والإشارة الأخيرة، \"وليقس ما لا يقل\" مخاطبة للسامع لكي يستعمل المنهج الشائع، منهج قياس الأشباه بالنظائر، و\"قياس الحاضر بالغائب\"( ) وهو منهج كان المجتمع المغربي في أشد الحاجة إليه للتعامل مع الحداثة انطلاقا من مصلحة الجماعة. والرحالة مؤمن أن مسار التطور يسير بديناميكية متواصلة، مما دفع به إلى أن يكثف القول في هذه الخاتمة المركزة \"تنبيها لمن يتهيأ في المستقبل بمثله\". إنها دعوة للاستفادة من مرئيات الرحالة لـ (الآخر) ومشاهداته أثناء تلك المرحلة الحرجة من تاريخ المغرب.
جامعة ابن طفيل كلية الآداب
القنيطرة- المغرب
2003


\r\n\r\nالمؤلف / حسن من محمد الغسّال

 

  
كتب من نفس الموضوع 1295 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار