مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

الرحلة الأميركية 1912

تأليف : علي كنعان
الولادة : 1936 هجرية
الوفاة : 1 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1314)
كتب أخرى لعلي كنعان (8)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
المؤلف / الأمير محمد علي باشا\r\n\r\nالمقدمة
I
أول ما يلفت الانتباه في هذه الرحلة أنها جاءت أشبه ما تكون بالمغامرة في ظرف عصيب، إذ كان الأمير محمد علي في باريس يتهيأ للقيام بها يوم تلقت العاصمة الفرنسية نبأ الكارثة البحرية التي حلت بالباخرة العملاقة تيتانيك وأدت إلى غرقها في 14 أبريل/نيسان 1912، إثر اصطدامها بجبل ثلجي وهي في أقصى سرعتها. لكن أخبار الكارثة، بما رافقها من مخاوف وأهوال، لم تكن لتؤثر على عزم الأمير أو تضعف من إيمانه القوي بقوله تعالى: [إذا جاءَ أَجَلُهُم فَلا يَستأْخِرُون ساعةً وَلا يَستَقْدِمُون] فبدأ رحلته في موعدها المحدد وهو الأول من مايو/أيار من السنة ذاتها، أي بعد أسبوعين من وقوع الكارثة المروِّعة.
لم تكن هذه رحلة الأمير الأولى، بل كان قد عاش سنين طويلة في أوربا دارسا وسائحا، كما ساح في بلاد الشام والصين واليابان. لذلك نراه يقارن بين ما يشاهده في العالم الجديد وما شاهده من قبل في تلك البلدان. ويبدو أن إعجابه بأوربا ونمط الحياة الأوربية وتقاليد المدنية في ربوعها وقيمها الحضارية أعمق وأوسع مما رآه وخبره وصادفه في أميركا الشمالية.
بدأت الرحلة بالقطار من باريس إلى ميناء شربورغ على شاطئ بحر المانش. ومن هناك انطلقت الرحلة البحرية إلى العالم الجديد. وقد اضطرت الباخرة الألمانية التي سافر محمد علي على متنها أن تأخذ طريقها إلى الجنوب بعيدا عن الخط الذي سلكته \"تيتانيك\" قبل نحو عشرين يوما، لكنها حين تقترب من أحد جبال الثلج أو ينتشر الضباب ويلوح الخطر، تبرز هواجس المسافرين وتساؤلاتهم المتوجسة خيفة. ولم يكن الأمير في منأى من ذلك، فنراه يلوم نفسه قائلا: \"ما الدّاعي لتركي أوربا الجميلة والمخاطرة بالحياة في هذه الأسفار البعيدة؟\" لكن رحالتنا سرعان ما يتغلب على هذه الحالة العارضة بالصبر والإيمان وحب الاستطلاع والمغامرة وتلبية لنداء المجهول.
II
استمرت رحلة الأمير في أميركا الشمالية نحو شهرين ونصف الشهر، بدأت في نيويورك وانتهت فيها، بعد أن قطع آلاف الكيلومترات. ويمكن أن نضيف إلى ذلك مدة أسبوعين قضاهما عبر المحيط الأطلسي ذهابا وإيابا. ويبدو أن شلالات نياغارا وشواطئ ألاسكا ومناجم الذهب والفحم ومزارع الأثرياء وبقايا قرى الهنود الحمر وعبور الصحارى والبحيرات وصعود الجبال هي من أهم المعالم التي شاهدها رحالتنا واستمتع بالاطلاع على ملامحها واجتلاء محاسنها في تجواله الطويل هناك، وتحمل متاعب شتى لا تخلو من أخطار في سبيل ارتياد أمكنة جديدة وتأمل ما أبدع الخالق وما صنعته يد الإنسان في تلك الأرجاء.
الأمير يعشق الطبيعة ويميل إلى السكينة والتأمل، وينفر من ضوضاء المدن الصاخبة، لذلك نراه يعرب عن ضيقه بما لقيه في نيويورك فيقول: \"إني ممن يحبُّون الهدوء والسكون، ولذا أعشق جمال الطبيعة، وكثرة الحركات في المدن العظيمة لا تروقني. فما أراه الآن في نيويورك من الحركة المدهشة جعلني أسأم الإقامة بها. وإني أشعر بنفسي كأنما وُضعت في مصفحة أسطوانة جوفاء من الداخل والخارج ومعي جملة من قطع الحديد، وقذف بي في شارع منخفض فصرت أتدحرج، ولا قوّة لي أن أمنع هذا السير السريع وأتخلص مما أنا فيه...\"
وربما كان فضول المخبرين ورجال الصحافة من الأمور المزعجة التي ضاق بها الرحالة وحاول تجنبها، لذلك سافر تحت اسم مستعار هو رستم بك. ومن المؤكد أن هذا التنكر أسهم أيضا في حمايته من مضايقات المتطفلين واللصوص وقطاع الطرق في بلد تمرح الجريمة في ربوعه على مداها، انسياقا وراء أهواء أصحابها وانفلات حرياتهم. ورغم ذلك حاول بعضهم أن يقتحم عليه عزلته متوسلين إلى ذلك بذرائع شتى. لكن الأمير لا تنطلي عليه تلك الحيل وهو حريص على حذره من لقائهم والخوض معهم سواء في الشؤون الشخصية أو العامة، وبخاصة السياسية منها. ولا ينسى أن يعرض لنا بعض تلك النماذج التي صادفته وتخلص منها بلباقة، فيقول إثر التقائه بأحدهم:
\"... وبما أن للأمريكيين مصالح كثيرة في مصر، فيودّ أن يعرف من أخبارها شيئاً حتى يكتبه في جريدته ليفيد قراءها. فاعتذرت له ببعدي عن المسائل السياسيّة، وفهَّمته أني لم أحضر إلى أمريكا لأي غرض سياسي، بل كل ما أقصد السياحة، فلم أرد الكلام معه في هذا الموضوع، لقبوله التفسيرات الكثيرة التي تتوسع فيها الجرائد على حسب ما تهوى، ولما في ذلك من التعرّض لعدم استحسان بعض المشتغلين بهذه المسائل، فيكثر القيل والقال والأخذ والرد. وربّما ينسب إلى حديثي ما لم أقله، فمالي ولهذه الشؤون المقلقة التي ليس وراءها جدوى...\"
III
يمتاز رحالتنا بشدة الملاحظة وشغفه بالتفاصيل، فضلا عن ثقافته الواسعة وتحصيله العلمي في جامعات أوربا وخبرته الطويلة في تلك البلاد. وهو لا ينسى أن يطلع القارئ على كل ما يمر به، خلال تجواله، من مشاهد ومعالم ومظاهر جديرة بالذكر والإعجاب وما يجول في خاطرته من أفكار وصفية وتعليقات نقدية. وهو يدرك جيدا أنه ليس سائحا عاديا همه إضاعة الوقت الفائض عن حاجته، إنما هو رحالة مفعم بحب العلم والاستكشاف ودقة الاستقراء والموازنة بين ما يختزن في ذاكرته وما يختبره في مواقع رحلته. ولعل هذه الصورة الانتقادية لأثرياء أميركا تبين بعض تلك المزايا المعرفية الدقيقة والطريفة التي يتمتع بها:
\"... وبما أن الأغنياء في أمريكا كثيرون، فوجودهم في بلادهم لا يوجّه الأنظار إليهم. كذلك السيدات المثريات الشهيرات بجمالهن يذهبن أيضاً إلى أوربا، فتكتب عنهن الجرائد وتفتح أمامهن الأبواب، وتتسابق إلى معرفتهن أصحاب الألقاب الضخمة، فتنشرح صدورهن وتحلو لهن الإقامة بتلك الديار التي يجدن فيها كل أسباب السعادة والهناء. فالفرق، إذاً، عظيم بين وجودهن في أمريكا الواسعة التي لا تشعر بمقدارهن لكثرة أمثالهن وبين وجودهن في أوربا، موضع الإجلال والاحترام التي تسطع أنوارهن فيها، ويظهرن في سمائها كأنهن الأقمار.\"
إن محمد علي يرصد كل ما يراه بعين الباحث المخبري الذي يسجل أدق التفاصيل التي قد يمر بها غيره دون أن يلتفت إليها أو تجتذب انتباهه. وهو يترك للقارئ فسحة للمشاركة في متعة المشاهدة والاستنتاج. إن الغرب، حتى في أميركا ذاتها، كان ينظر إلى اليهود نظرة تكبر واستعلاء مشحونة بالكراهية والاحتقار. ويبدو أن هذه النظرة العنصرية لم تتغير إلا بعد اغتصاب فلسطين وإبرام عقد التحالف بين الاستعمار والصهيونية. ويكفي أن نتأمل هذه الحادثة التي ذكرها الأمير في رحلته لنتبين سماحة نظرته إلى الآخر ولهفته الإنسانية على ذلك الطفل الذي تعرض لحادث طارئ وكيف ينظر أبناء ذلك الغرب العنصري إلى مواطنيهم من اليهود الذين يسميهم الكاتب إسرائيليين:
\"... وفي الطريق مرّت السيارة في شارع ضيّق جدّاً به كثير من الأطفال، فصدمت السيارة طفلاً ألقته على الأرض، ولكن لحسن الحظ لم يصب بضرر، فاجتمع علينا حجم غفير، وكثر الصياح والعويل حولنا. واقترب منّا شرطيّ وأخذ يسأل السائق ويكتب مذكّرة في دفتره الصغير عن الحادثة. وقد تكلّم معنا أحد المشاهدين باللغة الفرنسية، وقال لنا: مالكم والمرور من هذا الحيّ الضيّق الذي يسكنه الإسرائيليُّون؟ فأجبته: إننا غرباء ولا نعرف الطرق، ومع ذلك فالحادثة صغيرة لا تستوجب الندم، مادام الطفل لم يحصل له أقل أذى...\"
ومع ذلك، فإن الطبيعة على اختلاف مشاهدها وتجلياتها هي التي تسترعي اهتمام رحالتنا أكثر من سواها. وهو حريص على أن ينقل إلى قارئه صورة واقعية وفنية جميلة عن كل ما يشاهده في تجواله. فلنتابع وصفه لبعض ما شاهده في إحدى الحدائق، إذ يقول:
\"... ثم قادنا إلى مكان الجاموس الوحشي، ولاحظنا ذكراً منفصلاً عن باقي الجاموس، وهو كبير الجسم تدلُّ هيئته على القوّة والبطش، فأخبرنا الحوذي أن السبب في وضعه على انفراد شراسته، وقد أخبرنا ببعض طبائع هذه الحيوانات المتوحشة، ومن أعجب أمورها أنّه إذا كثر إيذاء أحدها لغيره يتفق سائرها على مطاردته إلى أن يهلك ويذهب فريسة توحشه، فكأن هذه الحيوانات أرشدها الله إلى معرفة أن القوّة مهما عظمت تبيد أمام اتحاد الضعفاء، وإن في ذلك لعبرة لقوم يعقلون...\"
لعل الأمير قرأ في أوربا شيئا عن المآسي والمظالم التي فرضها المهاجرون الأوربيون على سكان البلاد الأصليين في ذلك العالم الجديد الذي يقوم بزيارته والاطلاع على طبيعة أرضه وأحوال أبنائه، وهو يروي في هذه الرحلة ما شاهده عيانا في تلك البلاد فيصف بعض تلك الأحوال قائلا:
\"... إن الجهات التي بها معادن أو التي أرضها خصبة هي من حقوق أولي اللون الأبيض، أما الأراضي المجدبة أو التي بها مستنقعات فهي من نصيب الهنود أو المكسيكيين...\" وفي زيارته لإحدى الجزر يتأمل بحسرة منازل سكانها من أبناء البلاد الأصليين، وينقل إلينا هذه الصورة التي تؤكد وقوفه إلى جانب المظلومين:
\"... وقد رأينا حالة الهنود الذين يسكنونها فهي أيضاً محزنة، وأظن أن الجنس الأبيض المتمدّن حكم على هذا النوع من بني الإنسان بالفناء، فترك الأمراض القاتلة تفتك بهم ولا راحم يرحمهم، لأنهم في نظره لا فائدة في وجودهم على ظهر الدنيا...\"
IV
إن رحالتنا أمير عربي من مصر التي كانت تشكل في ذلك الحين، رغم استقلالها الفعلي منذ أيام محمد علي باشا الكبير، جزءا من الإمبراطورية العثمانية. وهو لا ينسى هذا الانتماء، بل يعتز به ويذكر قارئه في أكثر من موضع بالقيم والأمجاد والمثل العليا التي كانت تتمتع به أمتنا في تاريخها العتيد. ويبدو جليا أن الاتجاه القومي لم يتبلور بعد، وليس في كلمات الأمير ولا كلمات السوريين المهاجرين إلى العالم الجديد أي إشارة إلى ذلك، بل إن الرابطة التي يؤكد عليها الرحالة في أكثر من موضع هي الربطة الشرقية والعثمانية.
ومع ذلك، نرى بوضوح أنه يقف ضد الدستور العثماني، فهو أمير محافظ يميل إلى أن تبقى الأمور على حالها، دون أن يطرأ عليها أي تغيير. وفي الأيام الأخيرة من رحلته يتلقى دعوة من القنصل التركي لحضور حفلة الدستور، فيعتذر عن حضور الحفلة متذرعا بالسفر، لكنه يقول: \"لو كنت في نيويورك لما حضرت هذه الحفلة، لأنّي لا أرى موجباً لإقامتها. فإذا كنّا مسلمين يلزمنا قبل كل شيء احترام الخليفة لأنّه أمير المؤمنين...\"
وفي نيويورك، وخلال الأيام الأولى من إقامته هناك، يلتقي الأمير بعدد من أعضاء الاتحاد السوري، فلا ينسى أن يذكرهم بوطنهم وأهمية أن يستمر ارتباطهم به وضرورة العودة إليه قبل أن تبتلعهم الغربة، فيقول:
\"... وبهذه المناسبة، رجوتهم أن يحافظوا على جنسيتهم وأن لا يغترّوا بمدنية وارتقاء وثروة أمريكا فيميلوا إليها ويتجنَّسوا بجنسيتها، فبلادنا محتاجة إلى أبنائها الأعزاء. ومهما بلغت البلاد الأخرى، فإن الشرق هو مهد العلوم والمعارف وأصل المدنية ومنبع النور...\"
وفي ختام الرحلة، أقام له الاتحاد السوري في نيورك حفلة تكريم ألقيت فيها قصائد وخطب عديدة أشادت بمكانة الأمير وأسرته ومكانة مصر بين أبناء العرب المهاجرين. وقد تحدث الأمير في تلك الحفلة فأكد من جديد على أهمية الوطن وضرورة حمايته من الأطماع الاستعمارية التي بدأت بانتزاع الامتيازات من الدولة العثمانية السائرة في طريق الانهيار. إن استشراف آفاق المستقبل قبل وعد بلفور ومعاهدة سايكس/بيكو بسنوات يدل على بصيرة نافذة واستقراء علمي ساطع لكوارث التاريخ قبل وقوعها. يقول الأمير:
\"... إن بلادنا الواسعة فيها من الخيرات مالا يقلُّ عن هذه البلاد، والدليل على ذلك طمع الشعوب في التقرّب إلينا لابتزاز هذه الخيرات، وليس تقرّبهم حبّاً لنا، بل طمعا في ثروتنا المكنوزة التي لا نشتغل لاستخراجها. فأنتم يا إخواني السوريين أحقُّ من هؤلاء الأجانب الذين ينالون الامتيازات الكثيرة ويبتزّون أموالنا، ونحن عن ذلك غافلون. إن طريقة الاستعمار ليست خافية عليكم، فبعد أن يحصل الأجانب على هذه الامتيازات بأيّة طريقة كانت يصبحون أرباب السيادة، فأخاف أن تضيع البلاد بهذه الواسطة، وكفانا ما فقدناه حتى الآن. فلنحافظ على البقيّة الباقية من وطننا العزيز...\"
V
سوف يلحظ القارئ كذلك مدى كبرياء الأمير وإحساسه العالي بوطنه وحبه لشعبه وأمله الكبير بإنجاز التقدم المرتجى على أسس \"شرقية\" متينة، وإن بدا في بعض الأحيان متأثرا بنظرة الغرب العنصرية للسود والسودانيين معا. ويبدو في بعض الأحيان متناقضا في موقفه ولا غرابة أن نراه متمسكا حتى بالأزياء والمظاهر الشكلانية التي تميز رعايا الدولة العثمانية عن الغربيين، وهو يعرب عن ذلك بجلاء واعتزاز في حفلة التكريم المذكورة آنفا، إذ يقول: \"... وقد كنت ورفيقاي مرتدين طرابيشنا حتى نجعل للحفلة صبغة وطنية رسمية...\"
ومما يلفت الانتباه أيضا اهتمامه بالجمال الأنثوي وضيقه بندرة الحسان اللواتي صادفهن مقارنة بمن رآهن في أوربا، ناسيا أن مكانته الاجتماعية وحرصه الأمني كانا يفرضان عليه أن يتحرك داخل دائرة محدودة، برغم المسافات الطويلة التي قطعها في رحلته. وإذا كان جمال نسوة شيكاغو قد نال إعجابه، فإن تشبهن بالرجال أثار استياءه، فهو لا ينسى أنه \"شرقي\"! لكن تعليقه النقدي على ما يرى لا يخلو من طرافة، وربما كان بعيدا عن واقع الأمر لأن الجمال غير محصور في بلد معين، ولأن معايير الحسن نسبية والمزاج الشخصي ليس حكما منصفا دائما. يقول الرحالة:
\"... إن المسافرين معنا كانت أشكالهم غريبة، ولم نرَ سيّدة واحدة من الأمريكيات جميلة كالتي يراها الإنسان في أوربا أو في مصر. وبالجملة، كان الجميع من رجال ونساء كالصور التي تصورها الجرائد الهزلية المضحكة. فهذه الوجوه ذكرتني سياحتي باليابان وكوريا.\"
ولعل أهم فكرة مبتكرة أوردها الأمير في رحلته هو تقديره أن الآسيويين هم أول من اكتشف تلك القارة قبل كولمبس بزمن طويل. وهو يؤسس بذلك لعديد من الدراسات المعاصرة التي تؤكد ذلك بالدلائل الملموسة التي ما زالت ماثلة للعيان في الصناعات التقليدية التي يتناقلها الشعب من جيل إلى جيل. وقد توصل إلى هذه الفرضية المدهشة من خلال المقارنة بين ملامح شعب الويغر في منغوليا الذين شاهدهم خلال رحلته في الصين وملامح الهنود الحمر في أميركا.
ورحالتنا هذا هو الأمير محمد علي (1875 – 1955) بن محمد توفيق بن إسماعيل، نجل إبراهيم باشا وحفيد محمد علي الكبير. بدأ تعليمه في مصر وتابع تحصيله في سويسرا، وكان يجيد اللغات الفرنسيبة والإنكليزية والتركية، وقد قام برحلات عديدة في الشرق والغرب. آلت إليه ولاية العهد مرتين: الأولى في عهد شقيقه عباس حلمي، والثانية قبل أن يرزق فاروق ولدا. وبعد قيام ثورة يوليو سنة 1952 لم يلبث في مصر إلا قليلا ثم غادرها إلى سويسرا. توفي في لوزان ودفن في القاهرة.
VI
أمضيت مع الأمير في رحلته هذه فترة ممتعة لا تخلو من متاعب. وأول هذه المتاعب أن رحالتنا يترجم الأسماء الجغرافية عن الفرنسية. ونظرا لأن الرحلة إلى أميركا الشمالية، الناطقة بالإنكليزية، فقد اعتمدت على معجم \"ويبستر\" في تدقيق لفظ معظم تلك الأسماء، مشيرا إلى ذلك في الهامش. ومن الأمور التي تثير الالتباس استعمال بعض الكلمات العامية مثل (زنط) في اللباس، والتعريب الحرفي مثل تحويل \"فبريكات\" إلى فاوريقات، وما شابه ذلك. وربما كانت كلمة (جنادل) التي استعملها الكاتب بمعنى \"شلالات\" هي أشد الكلمات إبهاما والتباسا. فالجنادل تعني الصخور، وليس ثمة من علاقة بين الصخور والمياه المتساقطة من مكان مرتفع؛ وهذه الكلمة البعيدة عن الصواب تتكرر مرارا، ولم أغيرها بل اكتفيت بإشارة إلى ذلك في الحاشية، لأني حافظت على النص الأصلي للرحلة كما هو منشور في القاهرة سنة 1913 ، ولعل الحواشي المرافقة لهذا النص، وهي كلها من إعداد المحرر، سوف تفي بالغرض. وخلال عملي في هذه الرحلة، رأيت أن أستخرج كل ما هو خارج متنها فأصنفه في ملاحق مستقلة سترد في آخر الكتاب. وقد تضمنت هذه الملاحق مقدمة الرحلة ووقائع حفلة التكريم والخطب والقصائد التي ألقيت في تلك الحفلة.
وقبل الختام، أرى من واجبي أن أشير إلى جهد الرحالة في استنباط واختيار كلمات عربية مناسبة في ترجمة بعض الآلات الحديثة كالتلفون، مثلا، الذي كانوا يطلقون عليه في أوائل القرن العشرين كلمة \"المسرة\" قبل أن تشيع كلمة \"الهاتف\"، وكذلك الأمر في بعض الآلات الموسيقية وآلة التصوير التي يسميها \"مصور شمسي\" ويوضحها بالكلمة الأجنبية (فوتوغراف) هكذا، بين هلالين. ويمكن أن نضيف كلمات أخرى كالمصاعد وجوازات السفر.. وما إلى ذلك، كان له فضل السبق في اختيار ما يقابلها في العربية، وإن آثر أن يردفها بصيغتها الحرفية: \"أسانسورات\" و \"باسبورتات\"... إلخ. وهذه المصطلحات، على قلتها، تدل على الجهود الحثيثة الأولى التي بذلها الأساتذة من علماء اللغة وأدبائها في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين لترجمة مئات من تلك الكلمات المتعلقة بالأدوات والمخترعات الحديثة ونقلها إلى العربية.
وإلى جانب هذا الجهد اللغوي المشكور، يبدو أن الكاتب مولع بالزخرفة في أسلوبه كقوله: \".. ولم يمضِ علينا كثير من الزمن حتى أخذت السماء تبكي رذاذ دموعها.\" وقد تستهويه هذه اللعبة البلاغية فيبالغ في التكلف والاصطناع، كقوله: \".. أخذت الشمس ترسل على تلك الثلوج أشعة نظرها الحارّة فتذيب فؤادها، فتبكي دموعاً كاللآلئ تساقط فتجتمع فتكوّن مجرى صغيراً ينحدر في تهائم الأرض...\" لكن هذه العبارات التي يجنح بها القلم نحو الصنعة البلاغية والتكلف في التقاط الصور المجازية لا تقلل من أهمية الرحلة، وقد سعيت إلى شرح وتوضيح ما رأيت أنه قد يثير اللبس أو الغموض في أذهان الشباب الذين لم يستكملوا بعد تحصيلهم العلمي.
ولعل هذا التباين في الأسلوب يعيدنا إلى ما قاله الزركلي في أعلامه: \".. وكان يكتب \"مذكرات\" موجزة عن مشاهداته في رحلاته، ثم يعهد بها إلى بعض كتاب العربية فيصوغونها ويضيفون إليها ما يتصل بها من مقتبسات ومترجمات...\" لكن هذه الإشارة لا تبغي أن تنكر الجهود المشكورة التي بذلها الرحالة، وليس لها أن تقلل من قيمة رحلاته أو تطمس شيئا من أهميتها، وبخاصة أن كبرى دور النشر في العالم تكلف أدباء متميزين للإشراف على مخطوطات الكتب المعدة للنشر لتصويب تحريرها وتدقيقها وإخراجها بالصورة المثلى.
قطع الأمير آلاف الكيلومترات برا وبحرا في رحلته هذه، قبل عصر الرحلات الجوية. ولا ريب أن وسائل السفر في الماضي كانت مضنية، لكن القارئ لن يشعر بذلك لأن متعة القراءة ومواكبة محمد علي في رحلته ومشاهداته سوف تغطي على التعب وتلغي المسافات. ولقد حاولت جهدي في تحرير الرحلة، وتذييل صفحاتها بالحواشي اللازمة لإيضاح ما غمض أو التبس من كلماتها، وتدقيق الأسماء الكثيرة الواردة فيها، كما قمت باستخلاص كشاف حضاري يضم فهارس الآيات والأحاديث والأعلام والبلدان والأسواق والنبات والحيوان.. إلى آخر بنود التصنيف المعتمد في سلسلة \"ارتياد الآفاق\". وإذا صادف القارئ أي تقصير أو خلل فالمسؤولية تقع على عاتق المحرر وحده، فمن لا يعمل لا يخطئ، ومقاربة الصواب ستظل طموح كل من يعمل بجد وصدق.
علي كنعان
أبو ظبي في 8 / 12 / 2002

 

  
كتب من نفس الموضوع 1314 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لعلي كنعان8 كتاباً
تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار
الرِّحلة الشَّامِيَّة 1910
الرحلة اليابانية 1909
رحلة في صحراء ليبيا 1923
المزيد...

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار