مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم البحث في لسان العرب إرشادات البحث

الديوان النفيس بإيوان باريس

تأليف : قاسم وهب
الولادة : 1 هجرية
الوفاة : 2019 هجرية

موضوع الكتاب : الرحلات

تحقيق : 'NA'

ترجمة : 'NA'



إقرأ الكتاب
نقاشات حول الكتاب
كتب من نفس الموضوع (1295)
كتب أخرى لقاسم وهب (6)



() التواصل الاجتماعي – أضف تعليقك على هذا الكتاب

 

قصة الكتاب :
تأليف : فرنسيس فتح الله المراش\r\n\r\nالباب الأوّل
في ذكر ما يظهر لي من سبب ارتحالنا إلى هذه البلاد التي هي ديار كفر وعناد،
وبعيدة عنا غاية الابتعاد، وكثيرة المصاريف لشدّة غلوّ الأسعار فيها غاية الاشتداد.

أقول إن هذا يحتاج إلى تمهيد، وهو أن الأصل في الإنسان السذاجة والخلوص عن الزينة والوجود على أصل الفطرة، لا يعرف إلاّ الأمور الوجدانية. ثم طرأ على بعض الناس عدّة معارف لم يسبق بها، وإنما كشفت له بالصدفة والاتفاق أو بالإلهام والإيحاء، وحكم الشرع أو العقل بنفعها فاتبعت وأبقيت. مثلاً، كان في أوائل الزمن يجهل بعض الناس تنضيج المطعومات بالنار لجهل النار بالكلية عندهم، ويقتصرون على الغذاء بالفواكه أو بالأشياء المنضجة بالشمس أو أكل الأشياء النيئة، كما هو باقٍ في بعض البلاد المتوحشة إلى الآن. ثم حصل، اتفاقاً، أن بعضهم رأى خروج شرارة نار من الصوّان بمصادمة حديدة أو نحوها، ففعل مثل ذلك وقدم وأخرج النار وعرف خاصيتها. وكان في الناس من يجهل الصبغ والتلوين للثياب باللون الأرجواني، مثلاً، فرأى بعضهم كلباً أخذ محارة من البحر وأكل ما فيها فاحمرّ حنكه وتلوّن بما فيها، فأخذوها وعرفوا منها صناعة الصباغة بهذا اللون، كما يحكى بذلك عن أهالي صور ببرّ الشام. وكانت الناس في أول الأمر تجهل ركوب البحر، ثم بإلهام إلهي أو باتفاق بشري، عرفوا أن من خواص الخشب السبح على وجه الماء فصنعوا السفينة. ثم تبحروا في السفن وعمروها ونوّعوها أنواعاً، فكانت أوّلاً صغيرة للتجارات، ثم ترفعوا فيها حتى صلحت للجهاد والحرب. وقس على ذلك ما أشبهه من المحاربة بالسهام والرماح أوّلاً ثم بعد ذلك بالسلاح ثم بالمدافع والأهوان وقد كانت الناس في أول الزمن تعبد الشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، ثم بإلهام الله تعالى وبإرساله الرسل، صاروا يعبدون إلهاً واحداً. فكلما تقادم الزمن في الصعود، رأيت تأخر الناس في الصنائع البشرية والعلوم المدنية؛ وكلما نزلت ونظرت إلى الزمن في الهبوط، رأيت في الغالب ترقيهم وتقدّمهم في ذلك. وبهذا الترقي وقياس درجاته وحساب البعد عن الحالة الأصلية والقرب منها، انقسم سائر الخلق إلى عدّة مراتب : المرتبة الأولى مرتبة الهمل المتوحشين، المرتبة الثانية مرتبة البرابرة الخشنين، المرتبة الثالثة مرتبة أهل الأدب والظرافة والتحضر والتمدّن والتمصر المتطرّقين. مثال المرتبة الأولى همل بلاد السودان الذين هم دائماً كالبهائم السارحة، لا يعرفون الحلال من الحرام ولا يقرأون ولا يكتبون ولا يعرفون شيئاً من الأمور المسهلة للمعاش أو النافعة للمعاد، وإنما تبعثهم الوجدانية على قضاء شهواتهم كالبهائم، فيزرعون بعض شيء أو يصيدونه لتحصيل قوتهم، ويخصصون بعض الخصاص أو الخيام للتوقي من حرّ الشمس ونحوه. ومثال المرتبة الثانية عرب البادية، فإن عندهم نوعاً من الاجتماع الإنسانيّ والاستئناس والائتلاف لمعرفتهم الحلال من الحرام والقراءة والكتابة وغيرها وأمور الدين ونحو ذلك، غير أنهم أيضاً لم تكمل عندهم درجة الترقي في أمور المعاش والعمران والصنايع البشرية والعلوم العقلية والنقلية، وإن عرفوا البناء والفلاحة وتربية البهائم ونحو ذلك. ومثال المرتبة الثالثة بلاد مصر والشام واليمن والروم والعجم والإفرنج والمغرب وسنَّار وبلاد أمريقة على أكثرها وكثير من جزائر البحر المحيط، فإن جميع هؤلاء الأمم أرباب عمران وسياسات، وعلوم وصناعات، وشرائع وتجارات، ولهم معارف كاملة في آلات الصنائع والحيل على حمل الأشياء الثقيلة بأخف الطرق، ولهم علم بالسفر في البحور إلى غير ذلك. وهذه المرتبة الثالثة تتفاوت في علومها وفنونها وحسن حالها وتقليد شريعة من الشرائع وتقدّمها في النجابة والبراعة في الصنائع المعاشية، مثلاً البلاد الإفرنجية قد بلغت أقصى مراتب البراعة في العلوم الرياضية والطبيعية وما وراء الطبيعة، أصولها وفروعها. ولبعضهم نوع مشاركة في بعض العلوم العربية، وتوصلوا إلى فهم دقائقها وأسرارها كما سنذكره، غير أنهم لم يهتدوا إلى الطريق المستقيم ولم يسلكوا سبيل النجاة ولم يرشدوا إلى الدين الحق ومنهج الصدق. كما أن البلاد الإسلامية قد برعت في العلوم الشرعية والعمل بها وفي العلوم العقلية وأهملت العلوم الحكمية بجملتها، فلذلك احتاجت إلى البلاد الغربية في كسب ما لا تعرفه وجلب ما تجهل صنعه. ولهذا حكم الإفرنج بأن علماء الإسلام إنما يعرفون شريعتهم ولسانهم يعني ما يتعلق باللغة العربية، ولكن يعترفون لنا بأنا كنا أساتيذهم في سائر العلوم وبقدمنا عليهم. ومن المقرّر في الأذهان وفي خارج الأعيان أن الفضل للمتقدّم. أو ليس المتأخر يغترف من فضالته، ويهتدي بدلالته؟ وما أحسن قول الشاعر:
ومما شجـاني أنني كنـت نائماً أعلل من فرط الكرى بالتنسُّمِ
إلى أن بكت ورقاء في غصن أيكة تردّد مبكاها بحسن الترنُّـمِ
فلو قبل مبكاها بكيت صبـابة بسعدى شفيت النفس قبل التندِّمِ
ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا بكاهـا فقلت الفضـل للمتقدمِ
ويعجبني أيضاً قولهم في هذا المعنى عند المكافأة:
أنا الشجاع الذي قد كنت في ظمأ وسط الهجير على الرمضاء في الوادي
فجدت بالمـاء فضلاً منك مبتدأ بغير قل فأشـفى غلـة الصـادي
هـذا جـزاؤك منا لا تمـنَّ به فضلاً بفضل وكان الفضل للبادي

فإننا كنا في زمن الخلفاء العباسيين أكمل سائر البلاد تمدنا ورفاهية وتربية زاهرة زاهية. وسبب ذلك أن
الخلفاء كانوا يعينون العلماء وأرباب الفنون وغيرهم، على أن منهم من كان يشتغل بها بنفسه. فانظر إلى المأمون بن هارون الرشيد فإنه، زيادة عن إعانة ميقاتية دولته، كان يشتغل بنفسه في علم الفلك، كيف وهو الذي قد حرّر ميل دائرة فلك البروج على دائرة الاستواء، فوجده بالامتحان ثلاثاً وعشرين درجة وخمساً وثلاثين دقيقة وغير ذلك. وقد أعان جعفر المتوكل من العباسية أصطفان على ترجمة الكتب اليونانية ككتاب ذيسقوريدس في الأدوية. وكذلك الملك عبد الرحمن الناصر صاحب الأندلس، فإنه طلب من ملك قسطنطينية المسمى أرمانيوس أن يبعث إليه رجلاً يتكلم باللسان اليوناني واللاطينيّ ليعلم له عبيداً يكونون مترجمين عنده، فبعث له راهباً يسمى نقولا إلى غير ذلك. فمن هنا تفهم أن العلوم لا تنتشر في عصر إلا بإعانة صاحب الدولة لأهله، وفي الأمثال الحكمية: الناس على دين ملوكهم. وقد تشتت عز الخلفاء وانهدم ملكهم، فانظر إلى الأندلس فإنها بأيدي النصارى الاسبانيول من نحو ثلاثمائة وخمسين سنة. وقد قويت شوكة الإفرنج ببراعتهم وتدبيرهم بل وعدلهم ومعرفتهم في الحروب وتنوّعهم واختراعهم فيها، ولولا أن الإسلام منصور بقدرة الله سبحانه وتعالى لكان كل شيء بالنسبة لقوّتهم وسوادهم وثروتهم وبراعتهم وغير ذلك. ومن المثل المشهور: إن أعقل الملوك أبصرهم بعواقب الأمور. ولهذا تنبه ولي النعمة، حفظه الله تعالى حيث ولاه الله سبحانه وتعالى على بلاد مصر القاهرة، أن يرجع إليها شبابها الدائم، ويحيي رونقها الرميم. فمن مبدأ توليه، حفظه الله سبحانه وتعالى، وهو يعالج في مداواة دائها الذي لولاه كان عضالاً، ويصلح فسادها الذي قد كاد يكون زواله محالاً، ويلتجئ إليه أرباب الفنون البارعة، والصنايع النافعة من الإفرنج ويغدق عليهم فائض نعمته، حتى إن العامة بمصر بل وبغيرها من جهلهم يلومونه في أنفسهم غاية اللوم بسبب قبول الإفرنج وترحيبه بهم وإنعامه عليهم، جهلاً منهم بأنه حفظه الله إنما يفعل ذلك لإنسانيتهم وعلومهم لا لكونهم نصارى، فالحاجة دعت إليه. ولله در من قال:
إن المعـلم والطبـيب كلاهما لم يبذلا نصحـاً إذا لم يكـرما
فاصبر لدائك إن جفوت طبيبه واصبر لجهلك إن جفوت معلما
ولا يتأتى لإنسان أن ينكر أن الفنون والصنائع الغربية بمصر قد برعت الآن بل وقد وجدت بعد أن لم تكن، ويرجى بلوغها درجة كمال وفوقان. فما أنفقه صاحب السعادة على ذلك كان في محله اتفاقا. فانظر إلى الورش والمعامل والمدارس ونحوها، وانظر إلى ترتيب أمر العساكر الجهادية من إلايات
ومدارس حربية، فإنه من أحسن ما صنعه صاحب السعادة وأحق ما يؤرخ من فعل الخيرات. ولا يمكن
إدراك ضرورية هذا النظام إلاّ لمن رأى بلاد الإفرنج أو شاهد الوقايع، وبالجملة والتفصيل. فوليّ النعمة آماله دائماً متعلقة بالعمارة، ومن الحكم المعروفة العمارة كالحياة والخراب كالموت، وبناء كل ملك على
قدر همته. وقد سارع وليّ النعمة - حفظه الله تعالى - في تحسين بلاده، فأحضر فيها ما أمكنه إحضاره من علماء الإفرنج، وبعث ما أمكنه بعثه من مصر إلى تلك البلاد، فإن علماءها أعظم من
غيرهم في العلوم الحكمية. وفي الحديث: الحكمة ضالة المؤمن يطلبها ولو في أهل الشرك. قال بطليموس الثاني: خذوا الدر من البحر والمسك من الفارة والذهب من الحجر والحكمة ممن قالها. وفي الحديث: اطلب العلم ولو بالصين. ومن المعلوم أن أهل الصين وثنيون، وإن كان المقصود من الحديث السفر إلى طلب العلم. وبالجملة، حيثما أمن الإنسان على دينه فلا ضرر في السفر، خصوصاً لمصلحة مثل هذه المصلحة. ولعل هذا كله مطمح نظر صاحب السعادة في هذه الإرسالية وغيرها من الإرساليات المتتالية المتسلسلة. فثمرة هذا السفر تحصل، إن شاء الله تعالى، بنشر هذه العلوم والفنون الآتية في الباب الثاني وبكثرة تداولها وترجمة كتبها وطبعها في مطابع وليّ النعم. فينبغي لأهل العلم حث جميع الناس على الاشتغال بالعلوم والفنون والصنائع النافعة. وليس هذا الزمان قابلاً لأن يقال فيه كما قال بهاء الدين أبو حسين العامليّ في صرف العمر في جمع كتب العلم وادّخارها ومطالعتها في شعره:
على كتب العلوم صرفت مالك وفي تصحيحها أتعبت بالك
وأنفقت البياض مع السواد إلى ما ليس ينفع في المعاد
تظل من المساء إلى الصباح تطالعها وقلبك غير صاح
وتوضيح الخفا في كل باب وتوجيه السؤال مع الجواب
لعمري قد أضلتك الهداية ضلالا ما له أبداً نهاية
وبالمحصول حاصلك الندامة وحرمان إلى يوم القيامة
وتذكرة المواقف والمراصد تسدّ عليك أبواب المقاصد
فلا ينجي النجاة من الضلالة ولا يشفي الشفاء من الجهالة
وبالإرشاد لم يحصل رشاد وبالتبيان ما بان السداد
وبالإيضاح أشكلت المدارك وبالمصباح أظلمت المسالك
وبالتلويح ما لاح الدليل وبالتوضيح ما اتضح السبيل
صرفت خلاصة العمر العزيز على تنقيح أبحاث الوجيز
بهذا الأمر صرف العمر جهل فقم واجهد فما في الوقت مهل

ودع عنك الشروح مع الحواشي فهن على البصائر كالغواشي
وقوله:
أيها القوم الذي في المدرسة كل ما حصلتموه وسوسة
فكركم إن كان في غير الحبيب ما له في النشأة الأخرى نصيب
فاغسلوا بالراح عن لوح الفؤاد كل علم ليس ينجي في المعاد
لأن هذا مقال من تجرّد عن الدنيا، وانهمك على الأخرى، أو من اشترى العلوم بأغلى ثمن، فبخس

 

  
كتب من نفس الموضوع 1295 كتاباً
رحلة ابن بطوطة
رحلة ابن جبير
سفر نامه
رحلة ابن فضلان
تاريخ المستبصر
المزيد...
  
كتب أخرى لقاسم وهب6 كتاباً
رحلة الأمير فخر الدين المعني الثاني إلى إيطاليا 1613 ـ 1618 م
تحفة الألباب ونخبة الإعجاب - رحلة الغرناطي
رحلة الى اوروبا
النزهة الشهية في الرحلة السليمية
المزيد...

أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا .zaza@alwarraq.com


مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار