|
قصة الكتاب :
بغداد إيثاكا مرة أُخرى إلى بغداد، وأنت إذا ما رغبت في ال ّ ذهاب إلى مدينة أخرى فإنك ستجد نفسك مقودا دائما إلى بغداد... هكذا بدت لي بغداد في ذلك الهزيع الأخير من الّليل، وأنا أسمر مع صديقي الشاذلي في باحة بيته الأندلسي بجبل المنار أو بجبل سيدي أبي سعيد الباجي على مرمى حجر من قرطاجنة الضائعة والمنسية وسط خرائبها وورودها. كان الليل الذي يلّفنا معتما بنفسجيا والبحر يتنّفس في الأسفل، بحر رومة، بحر قرطاجنة وقبرص، بحر الإسكندرية وأثينا. وبدت لي بغداد في تلك اللحظة وفي ذاك المناخ المتو سطي المشبع بروائح الماضي، بالحجارة وبالآلهة ال صامتة، بدت لي بغداد حقيقية واقعية ورمزية في الآن، بدت مثل إيثاكا في العصور الكلاسيكية مكانا، يوطوبيا جغرافيا رمزية وقطبا روحيا لا يدركه الإنسان إ ّ لا بعد مكابدات. وأجل كانت وظّلت إيثاكا مثلا سائرا يعبر عن الإنسان الباحث عن رفعته وسم وه فيقال لك ّ ل إنسان إيثاكاه، أي المكان الروحي الذي يدركه بعد مجاهدات وعناء، وإذا ما أدركه يكون قد أدرك مركز وجوده وم برره... ورغم إغراءات ال سيرينيدات فقد أدركه أوديسيوس ذات يوم... إنها رحلة إذن داخلية وخارجية في الآن... ولكن، أين بغداد أبو سليمان المناطقي؟ بغداد التوحيدي، والجاحظ، وك ّ ل هؤلاء المعتزلة الكبار الذين كانوا يتقنون اللسان الفارس ي واليونا ّ ني ويصنعون تاريخ العالم في عصرهم؟... وبدا صاحبي وكأنه انتشى للخبر وقال فجأة متسائلا ومتع جبا: - إلى بغداد، حّقا؟ وصمت للحظة وكأنه يستعيد مشاهد من ألف ليلة وليلة، وخلت في تلك البرهة أني أسمع وجيب البحر ونفخ أمواجه يأتينا من ك ّ ل صوب في سكون ذلك الهزيع الأخير من الّليل ّ ثم عّقب بآه طويلة واستمر: - حلمي أن أي بقية حياتي فوق قارب أجوب به بحار العالم، ولكن رغبتي الأولى هي ال ّ ذهاب إلى آسيا على أن تكون بغداد هي المدينة الأولى التي أزورها فبغداد غنية بتاريخ كله بطولة وشعر في تلك الأراضي من آسيا ال صغرى ظهر المحارب الأ ول في فجر التاريخ؛ لقد بني حضارة عسكرية شامخة تأثرت ا العسكرية الإغريقية فيما بعد وهناك ظهرت أ ول ملحمة في التاريخ الإنساني وهي ملحمة جلجامش التي امت دت تأثيراا إلى العهد القديم وإلى الإلياذة والأوديسة حتى أساطير الرومان.
|