الأمل والقنوط في بلاد الأرناؤوط
تأليف : مكي أبو قرجة
الولادة : 1 هجرية الوفاة : 1 هجرية
موضوع الكتاب : الرحلات
الجزء :
تحقيق : 'NA'
ترجمة : 'NA'
|
|
|
|
|
| |
قصة الكتاب :
صنع الألبان كثيراً من التاريخ ولكنهم لم ينالوا سوى القليل فما من بقعة في الأرض في تاريخ الإنسانية الدامي الطويل شهدت مثل تلك المآسي التي شهدتها بلادهم ولا سفحت فيها مثل تلك الدموع. ظلت ألبانيا أمة صغيرة مقهورة، مهيضة الجناح.. هدفا لكل طامع وبغية لكل طاغية باحث عن التسلط والاستبداد.. استصغروا شأنها ووطئوا ترابها بسنابك الخيل ومارسوا فيها كل صنوف الوحشية والتنكيل.. إلا أن أهلها ما تنازلوا قط عن عزة ولا كبرياء.. وما استكانوا لأعدائهم.. قاتلوهم رغم قلة العدد وغياب المدد.. اعتصموا بجبالهم الشم.. تحيط بهم المسغبة والعوز في ليالي البرد والصقيع.. تآكلت أكفهم وأقدامهم وهم يتسلقونها بحثاً عن الأمان من كل طارق غاشم يلوح أو جائحة تنذر بالفناء.. النبلاء والاقطاعيون، ملاك الأرض – سادتهم المحليون – كانوا دائما يضعون أيديهم في يد الدخيل – إلا من قلة لم يأبه بها التاريخ – صونا لمصالحهم. خانوهم ووأدوا أحلامهم. الصرب والرومان واليونانيون والإيطاليون الفاشيون والألمان النازيون جميعهم مروا عليها.. إلا أن مرور العثمانيين كان له لون آخر.. فقد أقاموا فيها خمسة قرون متتالية – حسبهم أنهم أهدوا إليها الإسلام – ووسموها بثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم.. وما انفك ذلك باديا للعيان.. ظلت في ثلاجة التاريخ العثماني محتفظة بكل قسمات وملامح الاقطاع السياسي والاقتصادي.. وجاءت لتسقط في براثن الجمود العقائدي والخضوع النفسي للاستعلاء القومي والاحساس بمركب النقص الموروث. فما زايلها الاقطاع، لا في إطاره التاريخي المحدد، ولا في المحاولات الفجة لتفسير الواقع الاجتماعي في ضوء النظريات السياسية الحديثة. وحين فاجأها المخاض لم يكن مطروحا أمامها سوى النموذج الغربي الرأسمالي بتشوهاته واستلابه للإنسان وإفقاره للروح. فبدأ ينخر في جسدها العليل ويذهب بها بعيدا في متاهات جديدة في التاريخ. قاد الشيوعيون حرب التحرير فسقطت السلطة في يدهم غداة اندحار الفاشية.. كانوا شبابا يحدوهم وميض الأمل.. إلا وأن السلطة مفسدة.. تحولوا إلى طغاة يحيط بهم الاحساس بالحصار والشك في نوايا الآخرين.. استعاروا نموذج ستالين القمعي وأعادوا إنتاجه.. فأشبعوا شعبهم تسلطا واستبدادا قبل أن يشبعوه خبزاً.. أنجزوا ما استطاعوا في مجالات الصحة والتعليم ووزعوا الفقر بالتساوي.. مات أنور خوجه فذرف عليه الألبان الدمع السخين، وحين سقط نظامه عادوا فشجبوه وما عادوا يطيقون مجرد سماع اسمه. لم يكن ستالين يعرف عنهم كثيراً.. تساءل عن أصولهم حين برزوا في الساحة يقاتلون وينتصرون.. ولكنه في النهاية فرض حمايته عليهم وآثرهم بكثير من عطفه. وحين غاب أحسوا بالحسرة والضياع وتوجسوا من مستقبل بلا حام.. لذا عظموه واحتفظوا بتماثيله شاخصة في كثير من المواقع والشوارع إلى حين قريب. وذلك حين أنكرته بلاده واستأصلت كل أثر له. كان خروتوشوف يريدهم زراعا منتجين للفواكه – البرتقال والليمون – حديقة خلفية كجمهوريات الموز. فسخر من إصرارهم على زراعة القمح.. كما سخر من احتياجاتهم القليلة منه.. وصفها بأنها لا تعدو الكميات التي تقرضها الفئران في صوامع أوكرانيا.. ولكنهم عارضوه – وهو القوة الكبرى – كما فعلوا مع تيتو. نعتوهما بالمحرفين واتجهوا إلى الصين. ولكن جاء وقت للقطيعة معها أيضا. لعب الثأر طوال تاريخ حياتهم الاجتماعي دورا مؤثرا ولا يزال.. تلبس السلوك السياسي لقادة اليوم. فما من حزب يجيء إلى السلطة إلا ويجرد سلفه من كل فضيلة. وقد ظل الحزبان الكبيران المتنافسان – اللاعبان الأساسيان في الساحة الآن – طيلة فترة السنوات العشر الماضية متشككين في نوايا بعضهما البعض.. لا يتحمسان لإجراء الحوار ولا يتطلعان إلى المستقبل بروح الاستراتيجية ومصالح الأمة. وصف أحد المؤرخين حملة إسماعيل باشا بن محمد علي لغزو السودان بأنها كانت تبدو كسيرك متحرك لتعدد وتباين الأشكال والألوان والأزياء. فقواته كانت تضم أتراكاً وشراكسة وتتارا ومغاربة وأرناؤوطاً ومصريين. فكان هناك من يرتدي الجبة والسروال ومن يرتدي السترة والبنطال الأوروبي والقبعة وآخرون يعتمرون العمائم وبعضهم الطرابيش. كان الأرناؤوط \"الألبان\" يرون أن لهم في محمد علي حقا، في كثير من القواد الألبان كذلك. لم يكن الفارق كبيراً بين الأتراك والأرناؤوط، فقد كانوا متماثلي السحنة والأزياء. إلا أن للأرناؤوط الموغلين في محليتهم أزياء قبلية مازالوا يرتدونها في احتفالاتهم ومناسباتهم القومية.. سراويل منتفخة وقمصان واسعة وأحزمة وطرابيش صغيرة نسبيا وصديريات مزركشة وأحذية ملونة. في أي بقعة وطأتها أقدام الأتراك كان للألبان فيها نصيب.. فأكثرهم في مصر فبلاد الشام ثم السودان. فأقامت عائلات منهم واختلطت بالأهلين وكثير منها ما فتئت تحتفظ باسم \"الأروناؤوطي\".. تجدها في سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ومصر والسودان والعراق. عائلات نجيبة أصبحت جزءا من نسيج تلك الأوطان. وهناك روايات تؤكد أن عربا توجهوا إلى بلاد الألبان في صدر الإسلام وأقاموا فيها. وذكروا بالتحديد مجموعة من عرب الغساسنة الذين سقطت مملكتهم أثناء الفتح الإسلامي لبلاد الشام. وذلك حين توجه جبلة بن الأيهم إلى المدينة ليقيم إلى جوار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. وقد حدث أن وطأ رداءه واحد من غمار الناس في السوق فصفعه. فما كان من الرجل إلا أن توجه إلى عمر يشكو إليه. فبعث الخليفة إلى جبلة وأمر الأعرابي بصفعه مثلما فعل. استبد الغضب بالملك الغساني وجمع أسرته ليلاً وخرج من المدينة يغز السير حتى بلغ القسطنطينية واستجار بقيصر الروم. ولم يلبث أن خرج من بلاد الروم متوجها إلى بلاد الأرناؤوط هؤلاء وأقام فيها. وقد التقيت بمجموعة من الطلاب السوريين في تيرانا زعموا أن لهم قرابات بألبانيا. وأن الدوائر الرسمية الألبانية تتعامل مع سوريين بناء على تلك الصلات التاريخية القديمة وتوفر بعثات دراسية للطلاب منهم. ومن نافلة القول أن أذكر أني التقيت بالسيد نوري أراب \"العربي\" في تيرانا بعد أن قدمني إليه السيد طاهري المذيع براديو تيرانا في فندق الدونيكا. وأكد لي السيد نوري العربي أن والده دنقلاوي من شمال السودان ألقى عصا الترحال يوما في ميناء فلورا على البحر الأدرياتيكي. وطاب له المقام لفترة من الزمن فتزوج من امرأة ألبانية أنجبت له نوري. ولا أذكر ما إذا كان ذلك الوالد قد توفي أم واصل الترحال إلا أنه من الواضح أن نوري نشأ يتيما تعهدته والدته بالرعاية. ولما نشأت الجمعيات الوطنية السرية في ألبانيا لمقاومة الاحتلال الفاشي انضم نوري الشاب لتلك المجموعات وبات أحد قيادات المقاومة. وبعد تحرير ألبانيا وسقوط السلطة في يد الشيوعيين أصبح نوري شخصا نافذا ومديرا للسجون. وقد أنجب عددا من البنين والبنات تعلموا جميعهم ونجحوا في حياتهم العملية. أما السيد طاهري وزميلته ببيكا فقد كانا مذيعين بالقسم العربي في إذاعة تيرانا.. وعندما تم اختياري مذيعا إلى جانبهما - من بين عدد من الطلاب العرب- صادقتهما وخاصة طاهري الذي كان يتحدث عربية صافية تشوبها اللهجة المصرية. فقد عاشت أسرته في الاسكندرية حيث ولد فيها ونشأ حتى تحرير ألبانيا حين استدعتهم السلطة الجديدة للمشاركة في عملية التعمير والبناء الاشتراكي. خصائص المجتمع الألباني ما زالت تكمن في النزاع والعدوان. ولقد تأثرت العلاقات الاجتماعية سلبا بالمناخ السياسي المريض وضعف الاحساس بأهمية حكم القانون. وغياب النظام القضائي الفعال وتداول الأسلحة بصورة واسعة في أوساط المدنيين. وبلغ التعبير عن ذلك ذروته في الأحداث التي شهدها عام 1997م. ألبانيا حاليا بعيدة. بعيدة عن حال الدولة التي يسودها التفاهم والتسامح والثقة في مؤسسات القانون والعدالة. ليست المشكلة تكمن في الجراح الغائرة التي خلفتها سنوات خوجة.. وإنما أزمة 1997م هي التي ظلت تكاليفها باهظة في كل مظاهر الحياة. لقد خلفت آثارها العميقة الفادحة في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية. وقد أبطأت الخطى حقاً في التقدم نحو الديمقراطية أكثر من أي دولة أخرى في المنظومة الاشتراكية السابقة. القادة السياسيون الألبان مواجهون اليوم بإعادة اكتشاف خصائص شعبهم وتحديد المفتاح السحري الذي يفتح مغاليق روحه ويهب له الرجاء والتطلع إلى حياة مفعمة بالإنسانية.. بأعمال الفكر لا الديماجوجية السياسية.. وبالشفافية لا بالغموض والتعالي.. وبالتسامح وليس بروح التشفي والانتقام. ألبانيا ترنو إلى المستقبل بقلب كسير.
مكي أبو قرجة أبو ظبي في 11 ينارير 2005م
|
|
|
|
|
أعد هذه الصفحة الباحث زهير ظاظا
.zaza@alwarraq.com
|
مرآة التواصل الاجتماعي – تعليقات الزوار
|