مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

عفواً... يا(... جدي)

دمشق يا مدينة الأجداد.. يا فرح الأعياد ويا امتداد الأقمار إلى وجنات ياسمينك الفواح... دمشق يا ابنة الطهر المندى بمواويلك الشجية ويا عذراء المدائن الأبية...

... دمشق يا من جئتنا كالأحلام من قدسيات الجنان فاكتملت لأجلك أبهى المعاني والأشعار وسارت المهج إلى رباك من كل صوب واتجاه كي تحج إلى كل ما فيك من مزارات وآثار ومن قصص وأسمار... ‏

... دمشق أحبك كما أنت وكما ولدت.. أحب اسمك الجميل والقهّار وأحب إيقاعات الإباء على جبينك الوضاء أحب قاسيونك الأشهب الرزين... أحب«برداك» الحزين.. ‏

... أحب الحور فيك والصفصاف والريحان... أحب مواسم الأفراح التي تنساح على مهرجانات الخوخ والتفاح والدراق وتبعث رسائلها الشهية إلى كل زاوية من زواياك.. وإلى كل عيد من أعيادك البهية ونذوب نحن عشقاً بدمشق الخضراء والزهية.. ‏

... أحب يا دمشق كل ما فيك من نمنمات وطقوس ومن همسات نقية وسرايا روحانية تسري في صدورنا وفي عروقنا بنفحات من عشق وهيام بكل صورك البديعة وملامحك الهنية والحنونة.. وفطور أمي الشهي يختال كالغزال وهي تحمله إلينا مرصعاً بحبات من زيتون السلام ومزداناً برغائف من قمح الأمان والشاي الخمري المعتق بالعنفوان يصل بذاك العبق الفتّان الذي يبعث فينا المزيد من الانتعاش والسفر بالقلب إلى دمشق.. إلى صباحات دمشق إلى سحر لياليها... إلى كل ما فيها, بينما أمي التقية سليلة الشام العتيدة تنادينا كي نستمع إلى حكايا جدي المجيدة التي لا افتراء فيها ولا ادعاء ولا فبركات فوضوية... ‏

.. دمشق أحب دروبك السمراء وحاراتك المنعاء.. أحب طيورك والحمائم البيضاء وروائع من قصائد النسيم الدمشقي العليل تخيم على فضاءات الدار وموسيقا بحراتك الزرقاء لاتسأم ولا يصيبها العناء وهي تعزف على أوتار خيالاتنا العفوية أحلاماً زمردية.. عندها ينطلق(جدي) مثل فارس عتيد كي يروي لنا كل ما هو بديع ومجيد عن الأجداد.. عن شمائل من ذهب وخصال توضأت بماء الأخلاق والأدب وتكحلت بالجود والكرم وصوت(جدي) الصادق الصدوق... الأجش والشجي يغزل كلمات من نقاء وأصالة... من خمائل النبل والشهامة وقد قطفها بيد الحكمة والرجولة كي يزرع وجدان المستمعين بأزاهير الفلاح والصلاح وبآيات المروءة وكل ما يرمز إلى الرجل الشامي الهمام... ‏

.. من هنا يا دمشق.. يا مدينة الأجداد أتقدم منك بكل سفارات الاعتذار لما جرى وصار.. وكل ما قام به بعض تجار أعمال البيئة الشامية من استجرار مطعون بهدف الربح الميمون وكسب الأموال في مواسم رمضان عن طريق دراما بيئية غير حقيقية ولا سوية تتحدث عن دمشقنا الأصيلة والأبية. ‏

من هنا يادمشقنا أعتذر من ماضيك الزهي والعفيف ومن حاضرك الجسور والنظيف... أعتذر والأعياد تجيش داخلي قوافل الحنين والعرفان إلى كل الأجداد الكرام الذين ما غفت حكاياهم على شطآن الذل والبهتان وما جنحت عن الحق والوجدان. ‏

... اليوم يا دمشق... يا مدينة الأجداد ويا حاضنة السلام والحب أعتذر منك شديد الاعتذار بسبب ما يموج على ضفاف عزتك وعلى ذكريات الأبرار من عواصف هوجاء محملة بالاجتراح الأليم لصور من ماضيك الجليل وكل ما أراد البعض أن يطمسوا به عدم قدرتهم على قراءات صحيحة تتناول بيض صنائعك ونبل مكارمك فسارعوا إلى ابتداع قصص جاءت هزيلة وابتكار مشاهد صوروها ضحلة ومعلولة وقد دسها في عيون المشاهدين أحياناً أشخاص لا ذاكرة تاريخية لهم ولا رؤية بصرية سليمة بشكل يشوه ترانيم حواريك الحسان ويحرق بساتين بطولات رجالاتك العظام حتى أحالوا(تحت عنوان الإبهار المصطنع) مجدك إلى انكسار وايمانك إلى كفر وإلحاد, وكبرياءك إلى امتهان وصمودك إلى خنوع مهين وذل مشين لأنهم خلطوا الصور والألوان وتاهوا كثيراً عن الاستنهاض بتاريخ رجالاتك الأخيار والأشراف والثوار الذين ساروا إلى الموت بإرادة حية من أجل نصرة البلاد ومن أجل القضاء على أهل الإثم والعدوان وليس من أجل الافتراء على حاراتهم والاستعلاء على جيرانهم وحمل السلاح على رفاقهم وأحبائهم وهكذا رحلوا ببطولات الأجداد الآثرة إلى ذبح دمشق الفضيلة البارة والمباركة.. دمشق الأصيلة والعنيدة.. ‏

.. من هنا يا دمشق الأحرار أعتذر منك ففي الروح حزن مدرار يسيل كالأمطار على صفحات العقل والوجدان لأن الحكاية باختصار أن دمشق البطولة.. دمشق الأجداد ما كانت حاراتها قادمة من كهوف غابية ولا كان(قبضاياتها) مجرد رجال مارقين على القانون والدين.. ما كانوا خارجين عن مفاهيم الانتماء... رجال جاء معظمهم ممن أفرزتهم السجون ورسمت على وجوههم خطوط الإجرام أو الإدمان على القتل والتعديات على الأعراف والعادات والتقاليد.. وقد لمسنا هذا في بعض الأعمال وفي الكثير من المشافهات التي تستند على إفرازات الدراما البيئية بأن الثوار ما هم إلا عصبة أشرار.. ‏

.. ولهذا فأنا أتابع هنا مع شديد الاعتذار من الكاتب(مروان قاووق) الذي يعتبر من رواد الذين فتحوا الأبواب الدمشقية وأحيوا حكايا التراث الشعبية حيت تمكن بالتعاون مع المخرج بسام الملا من تصنيع روائع خالدة سافرت شرقاً وغرباً إلى كل عشاق الشام وبطولات الشام.. لكنه وفي بيت(جدي ج2)أقول ربما جافته تفاصيل الحكاية الدمشقية لأسباب كثيرة استطاعت أن تسلبه بعض ما كان له من أصالة بل بعض ما أراد طرحه من نمنمات دافئة واسقاطات جديدة في الحديث عن دمشق الحبيبة وجرت رياح إخراج العمل إلى النور بعكس ما تشتهي السفن... ‏

... وأؤكد أن دمشق لم تكن قط خذلة ولا مرهونة برجال استخبارات من أبناء البلد وبأعداد كبيرة منهم, رجال مأجورون وعملاء اختصاصهم التهجم على الحارة الشعبية الدمشقية حيث يصولون ويجولون أمام الأشهاد بحركات فيها العجب العجاب وكأني بهم من نسل هولاكو أو من أدعياء صهيون لأنهم وبكل خيلاء يستعرضون خياناتهم أمام رجالات الحارة الذين يقضون كالأصنام مشدوهين لا تأخذهم نخوة ولا عنفوان بينما(شلهوب) أداة(صبري) للحصول على الكنز الدفين دون هيبة ولا وجل ودون انتماء إلى هذا الوطن وإلى أبناء الوطن يقذف ذاك بقدمه ويركل هذا.. يحطم باباً ويهشم دكاناً ويتمادى في استعراضاته الاستفزازية حتى يصل إلى استباحة الأعراض واقتحام المنازل وسرقة الأرزاق والمؤن ولقد جاء هذا مؤطراً على هيئة صور فوتوغرافية مظلمة غير مرئية لا تمت بصلة إلى الثقافة الإخراجية.. ‏

.. إن دمشق الأجداد مدينة عريقة تحكمها أخلاقياتها الحميدة وبطولاتها العنيدة ولم يكن هذا بسبب بطل أسطوري لا يقهر ولا تنال منه كتائب عسكر أو درك.. وأيضاً إن دمشق قبيل قرن من الزمان(من عام 1930) لم تكن ترضى أبداً عن فتيات جميلات( لا أخ لهن... لا عم لا خال) يتجرأن على استضافة شاب وسيم غريب عنهن تحت أي عنوان مهما كان دون أن يرتعش لهن جفن أو تأخذهن هيبة أو رهبة أو سؤال... أبداً ما كانت دمشق كهذا وأقسم على هذا وأقسم على أن نساءها لم تجعل من وجوههن مهرجانات ألوان حيث الواحدة منهن تستضيف على وجهها(رموشها.. شفاهها والوجنات أطنان الحمرة والبودرة والكحل) وكأنهن دمى استعراض أو يعملن موديلاً (ما) في مركز تجميل لكل من بييركاردان أو نينا ريتشي.. ‏

.. وهنا لابد لنا من سؤال هام وهو يتفرع عن طرح عام في أن نساءنا كنّ ثرثارات بذيئات اللسان يتناوبن السب والشتائم دون خجل أو استياء... فإن كانت نساؤنا هكذا فمن أين جاء ثوار الشام؟! .. من أين جاء أدباء وشعراء الشام؟!! من أين جاء شفيق جبري البارودي ونزار قباني.. يوسف العظمة وفارس الخوري والأسماء كبيرة ومشرفة تمتد وتمتد كالوحي... كأطياف من سلام حتى تصل إلى كل أبطال وعظماء الشام بكل مساحاتها من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب حيث تكثر النساء الأمهات اللواتي أنجبن أمثال المناضل صالح العلي وإبراهيم هنانو ومن ثم الأديب الكبير ممدوح عدوان ومحمد الماغوط و...و.. ‏

.. عذراً دمشق... وعذراً جدي وقد أصبحنا نرى الأبطال في بعض الأعمال زعاراًً أو هاربين من جريمة قتل أو مدمنين على المخدرات والبلطجية.. عذراً يستصرخني من حيث ما رأينا بل ومن حيث تخصصنا بالتاريخ... من حيث عشقنا دمشق التي عرفت الشيخ الورع والشاب المثقف والتقي... عرفت الأنثى الخجولة والأم المربية والمدرسة الشاملة وليست مجرد(داية) لا هم لها سوى التهام الطعام... عرفت البطل الهمام الذي لا تأتي بطولته نتاج انتباذ أو سجن أو إدمان على(الحشيشة أو حمل الشبرية و الشنتيانة) إنما كانت آية ولاء وإيمان بالأوطان مشحونة بالحمية وبضرورة انقاذ البلاد من كل أفاك وغدار(بعيداً عما رأيناه من معارك طفولية). ‏

.. من هنا يا حبيبتي دمشق من حيث صمودك الجبار... من حيث حتمية الدفاع عن ورودك الجورية وياسمينتك النقية أقول إنه(وبمنأى عن أي استياء أو اعتراض على ما ذكرت) يجب على أهل الثقافة وكتّاب الدراما البيئية البعيدة عن الغايات النفعية فقط الترجل للدفاع عن دمشق الأبية في أعمال الدراما البيئية... دمشق التي تناطح اليوم عواصم العالم والتي استطاعت حتى الآن بفضل حكمة وتوجيهات قائدها الشاب الدكتور بشار الأسد أن تتصدر قوائم المدن المتطورة والصامدة والبطلة.. وأن تكون الدولة الشقيقة الحامية للجوار والرافضة للذل والاستعباد أو الانصهار في حواجل الكفار بالحريات وبامتهان كرامة الإنسان.. ‏

... من هنا فإننا نحن- محبي دمشق عشاق الياسمين والفل فيها, علينا أن ننهض معاً كي لا يستبيح أحد تاريخ دمشق ولا يمسح الألق عن حكايا جدي.. ولا أدري. ‏

عفاف يحيى الشب

المصدر : جريدة تشرين السورية