أكبر من العروض ما أكثر العبارات التراثية التي فهمت فهماً مغلوطاً، ثم اتخذ قوم من هذا الفهم مستنداً على وجود جذر تراثي تاريخي لقضية معينة يريدون إثباتها، أو الانتصار لها. من ذلك في هذا المقام مسألتان تتعلقان بعنصر الوزن في الشعر، الذي هو المعلم الأول الفارق بين ما هو منظوم وما هو منثور. تساق عبارة أبي العتاهية عندما قيل له: خرجت على العروض، فقال: (أنا أكبر من العروض) ويستنبط منها بعض المعاصرين أن الشاعر قد لا يتقيد بالوزن، وقد يخرج عليه، ولعل بعضهم ألا يشتط في التأويل أكثر، فيصل إلى استنتاج مفاده: أن الشعر لا علاقة له بالوزن، وهو ينسب ذلك إلى تراثنا الأدبي. هذه واحدة، والثانية تتعلق بفن (الموشحات) الذي خرج فيه بعض الوشاحين على الأوزان العربية الخليلية، واتوا بما لم يعرفه العروض العربي المدوّن. ويستنبط بعض الحداثيين من هذا الخبر حكماً يشبه الحكم السابق، الذي هو – في أقل تقدير له- يشكك في صلة الوزن بالشعر، أو في كونه لازبة في لوازبه. ومن الواضح لأي متأمل أن أياً من هذين القولين لا يحمل مثل هذه الدلالة لا من قريب ولا من بعيد, إن أبا العتاهية. وهو شاعر كبير عملاق – يشعر – في غمرة حماسته وشاعريته المتميزة – أنه أكبر من عروض الخليل، أي من الأوزان التي استطاع الفراهيدي أن يستقرئها، وهو محق في ذلك، فلم يقل أحد إن الخليل استقرأ أوزان الشعر كلها، ما كان وما سيكون، ولكن الرجل استقرأ أوزان الشعر العربي القديم فضبطها في ستة عشر، وأشار إلى أوزان أخرى تستنبط – بحسب نظام الدائرة العروضية – منها، ولكن العرب القدماء أهملوها ولم ينظموا عليها ومن حق أبي العتاهية وغيره أن يدعي أنه أكبر من هذه الأوزان: المستعمل منها والمهمل، وان يخرج عليها ولكنه – وهنا بيت القصيد – يخرج إلى أوزان جديدة وهذا ما أُثر عن ابي العتاهية في محاولات يسيرة جداً لا تكاد تذكر، ولكن، لا أبو العتاهية ولا احد غيره ممن خرجوا على الأوزان المضبوطة أحياناً، طرح الوزن نهائياً، أو قال نثراً وسماه شعراً، كما هو حاصل في هذه الأيام. وكذا الحال في الموشحات، فالموشحات كلها كلام موزون وزناً منضبطاً على إيقاعات معينة، وقد أخذت الأوزان فيها ثلاثة أشكال: كان بعضها على البحور الخليلية المعروفة. وكان بعضها على أوزان المهمل من هذه البحور، وهو مستنبط أصلاً من عروض الخليل كما ذكرنا كان بعضها الثالث على أوزان جديدة اخترعوها، وفي هذه الأشكال الثلاثة لم يخرج وشّاح على الوزن، أو يقل إنه لا علاقة له بالشعر، بل إن الموشحة أصلاً سايرت التطور الموسيقي، ولذلك كان الموشح والموسيقا أمرين متلازمين. وهكذا لا يمكن أن نجد أي مستند تراثي يسعف على مقولة حداثية تريد أن تسلخ الشعر من الوزن. إن جميع من خرجوا على الأوزان الخليلية، وهم – في القديم والحديث- أندر من الندرة خرجوا إلى أوزان أخرى منضبطة، بعضها قبل واستسيغ، وبعضها ما مجّته الأذن العربية. د. وليد قصّاب
المصدر : صحيفة تشرين السورية |