حسيب كيّـــالي..الأديب الشعبي الساخر وذكريات هنالك أسماء أدبية محفورة في الذاكرة لا يمكن أن تنسى، لما في أدبها من خصوصية وتميز، وفي شخصيتها من تفرد وطرافة، ومن هذه الأسماء الأديب الشعبي الساخر حسيب كيالي والذي أصبح قدوة لعدد من كتاب إدلب يحيون اليوم في عباءته التي نسج خيوطها وفصلها وطرّزها بألوان السخرية، والشعبية التي عرف بها مع تناول الموضوعات الاجتماعية والوطنية والأدبية ذات الأهمية الكبيرة. من المعروف أن الكيالي كان من رواد القصة القصيرة ومن مجموعاته: مع الناس، تلك الأيام، الحضور في أكثر من مكان، كما كتب الرواية وله رواية مكاتيب الغرام، ونعيمة زعفران، وكتب المسرحية وله عدد من المسرحيات مثل المهر زاهد، الناسك والحصاد، ماذا يقول الماء. كنا نلتقي في ندوات العروض المسرحية في مهرجان دمشق المسرحي في الثمانينيات، كان هادئاً يجيد الإصغاء وتحليل وتمييز مداخلات المتحدثين، فإذا تكلم كانت مداخلته تتسم بالجرأة والخبرة والعمق. وكنت أتساءل كيف يمكن أن يكون بمثل هذا الهدوء والإصغاء في الندوات ويكون في أدبه ذلك الساخر المتمرد؟ وكان يعجبه في النقد الكلام الواضح العميق والمباشر من غير فذلكة أو تعالم. وأذكر مرة في تلك الندوات التي كانت تحرص على حضورها السيدة الدكتورة نجاح العطار وزيرة الثقافة وتترأسها، وكانت آنذاك بمثابة رمز كبير للثقافة العربية بالنسبة للمسرحيين العرب جميعاً، بل كانوا يعتبرون أنفسهم عائلتها ويتبسطون في الحديث معها حتى في طلباتهم الصغيرة أو الكبيرة لا يفصلهم عن ذلك منصبها الوزاري الرفيع، وكان الصديق الفنان الكبير أسعد فضة خير مثال لتجسيد هذه الإرادة التي جعلت من المهرجان آنذاك مهرجاناً حميمياً. أقول أذكر ذات مرة في إحدى ندوات المهرجان أن أحد الأصدقاء من النقاد المسرحيين المعروفين قال في مداخلته على أحد العروض المسرحية: هذه مسرحية منفسنة، وراح يغرق في المصطلحات الأجنبية والمعاظلة في كلامه. وهنا عقب عليه حسيب بسخريته المعهودة، ولج في السخرية حتى نظرت إليه السيدة الوزيرة وتبسمت ففهم رسالتها وتوقف عن الكلام قائلاً: حسن سيدتي الوزيرة أنا أحب الوضوح والبساطة ولا أحب الفذلكة. ولد حسيب كيالي (1921-1993) ونشأ في إدلب الخضراء ذات الطبيعة الجميلة الصافية، فكانت نفسيته انعكاساً لهذا الجمال والصفاء، وتابع دراسته في حلب ودمشق، واختلط بجميع الطبقات وبخاصة الطبقات الشعبية: حياتها ولغتها وأفكارها وحكاياتها وأساطيرها، فعرف كوامن الإنسان، المثقف والشعبي معاً، وأسراره ومعاناته وطموحاته، وانعكس ذلك كله في أدبه قصصاً وروايات ومسرحاً وزوايا صحفية. وتسلح بالفكر الواقعي الملتزم ليستطيع الوقوف إلى جانب الإنسان وقضاياه وقيمه الإنسانية وحقه المشروع في الحياة. الإنسان الشعبي لدى حسيب كيالي بسيط طيب وصادق، وصاحب مروءة ونخوة، وشخصياته الشعبية منحوتة بإزميل فنان مهتم بالتفاصيل الداخلية والخارجية للإنسان، وهو من خلال رسمه للشخصية يصوِّر مجتمعاً كاملاً بعاداته وتقاليده وأفكاره وحياته. لنأخذ مثلاً شخصية عبد اللطيف في مسرحية قارعو الأبواب، وهو شاب من حوران يعمل في منزل الأستاذ ماهر معروف المعروف بأبحاثه التاريخية. يقول عبد اللطيف لهند الطالبة ذات الاثنين وعشرين ربيعاً عندما قالت له إنها صغيرة على الزواج: « لو كنت عندنا في الضيعة لكان وراءك الآن طرش أولاد» وعندما تسأله كم يكلف الزواج عندكم يقول: « كثير.. عشرة..خمسة عشر ألفاً، وكلها مأكل للأب. الأب يقبض الحق ويحطه في جيبه، أما إذا راحت البنت خطيفة فتكلف بين العشرين والخمسة والعشرين، لأن أهلها يهددونها بالذبح فيسكِّر لهم العريس فمهم بالمال» وعندما تسأله عن أبيه هل هو حي أو ميت يقول : « مات، هكذا فجأة، يمكن طق من قهره. خرج مرة إلى البرية وإذا بالزرع يابس والفأر يرعاه، رجع للبيت مثلي ومثلك، تمدد على المصطبة، وهي كانت له »جينا نقول له: قم إلى العشاء، ما رد. حركناه فانقلب قطعة واحدة مثل كيس الشعير. حطبة يابسة. يابيّي..! تطلعت إليه، هذا بيّي»! وهكذا فإن حسيب وبلمسات ريشته هذه لا يرسم شخصية عبد اللطيف الإنسان فحسب وإنما بلمسة هنا، ولمسة هناك، في ثنايا الحوار، يرسم حياة مجتمع بكامله، بعاداته وتقاليده وقضاياه الإنسانية، وذلك في لغة شعبية رشيقة يتوازى حوارها مع المستوى الثقافي للشخصية. نموذج آخر للإنسان الشعبي الذي يحمل القيم الإنسانية والوطنية في مسرحية « سأعود لقتالكم» وهي شخصية نجيب. القرية الرافلة في أمنها وسعادتها وسماعها لقصص الحكواتي يزحف نحوها الفرنسيون فنجد نجيباً، ذلك الإنسان الشعبي البسيط الذي يدرك بعمقه الفطري الأيام القابلة، ومن خلال حواره يقدم لنا الكاتب وصفاً رائعا لأجواء القرية الوادعة الحالية وما ينتظرها من مآسٍ مع الاحتلال ومناهضته. يقول نجيب: « انتهت الضيعةالوادعة، انتهى لعب الأطفال على البيدر. انتهت طمأنينة الظل الوارف تحت جوزة الجبانة الشرقية. انقطع أذان الشيخ عبد الله.. نزحت الركية.. العودة إلى اللعب والظل والأذان والركية تحتاج إلى قتال. انتهى الملك سيف أيضاً. الملك سيف كان يأمر أويساً القافي أن يفرك له الخاتم المسحور وإذا بعفاشة ملك الجان يمثل بين يديه قائلاً : نعم يا ملك الزمان. نحن الآن وجهاً لوجه أمام عدو يريد أن يحتل بلادنا ولا عفاشة لدينا إلا القتال، القتال المرير الطويل الأمد» وفي حديثه مع أمه يوضح فلسفة الإنسان القروي البسيط في المقاومة من غير تحذلق أو تفلسف أو تنظير، يقول لأمه« أنا إنسان بسيط مثل الآلاف من أبناء هذا البلد المنسي، أنا فلاح أوثر المحراث على البارودة، والمسحاة على القنبلة اليدوية، ولكن متى ما تصبح أرضى عرضة للنهب. متى ما يجيء غريب يهب لنفسه الحق في أن يصدر إليّ الأوامر، أن يكون سيد قدري.. » وهكذا يحمل نجيب السلاح ويقاتل الفرنسيين، ويؤسر، ويحاول الهرب مرتين ويفشل، فيقوم الضابط الفرنسي بقطع رجله لئلا يحاول الهرب ثانية، ولكنه يفلح بالهرب ورجله مقطوعة.. إنه إصرار الفلاح البسيط، ابن الأرض، على الحرية. المصدر : صحيفة تشرين السورية |