ثقافة حقوق الإنسان حين أصدر الروائي السعودي عبدالرحمن منيف رائعته “شرق المتوسط” تحدث عنها الكثيرون بوصفها من أهم الأعمال التي تعرّي نظم الاستبداد العربية، وتكشف ضمن ما تكشف عنه القيمة البخسة للإنسان لدى من يمسكون بزمام القرار، وهي قيمة كشفت مجريات الأمور في غير مكان من وطننا العربي أنها لم ترتفع أسهمها، بل يمكن القول إن رصيدها أخذ بالتراجع، أو الانعدام أحياناً، رغم مرور ما يقارب ثلاثة عقود على صدور رواية منيف، كأن منطق الزمن ملغى تماماً في الحياة العربية، فبدلاً من أن تكون ثقافة حقوق الإنسان قد وجدت لنفسها سبيلاً إلى واقعنا، ومنظماتنا الفكرية، وقوانيننا، فإنها على العكس من ذلك تماماً راحت هذه الثقافة تهان مرة تلو الأخرى . وإذا ذهبنا إلى عمل روائي آخر، ولكن هذه المرة إلى “ليلة ليشبونة” للكاتب الألماني فريدريك أريش ريمارش، فإنها هي الأخرى تعرّي انتهاكات حقوق الإنسان في ألمانيا في ظل الحكم النازي، حيث كان الأخ يخاف من الحديث في الشأن العام أمام أخيه كما توضح الرواية، وكيف أصبحت الهجرة من الوطن هي الخلاص الوحيد للكثير من المواطنين الألمان، والمثقفين، والفنانين، وكيف تصبح تهمة خيانة الوطن جاهزة للقضاء على الخصوم السياسيين لهتلر، ويوضح ريمارش كيف تم اختصار الوطن بشخص زعيم الأمة آنذاك الذي لم يتجاوز طوله أكثر من 160 سنتيمتراً . في الحقيقة تخلصت ألمانيا بعد رحيل هتلر من منظومة الاستبداد، وبنت بلداً قوياً، وكرست مفهوم التعددية على مختلف الصعد، وتحولت من دولة مهزومة في الحرب العالمية الثانية إلى دولة ذات شأن على المستوى العالمي، والأهم من ذلك فإن حقوق الإنسان في ألمانيا أصبحت واقعاً راسخاً، وثقافة أصيلة، ولم تعد رواية ريمارش سوى ذكرى عن زمن بعيد، ينظر إليه الألمان بوصفه جزءاً من تاريخهم المأساوي، ويدركون أنهم قد أصبحوا بعيدين عنه . وفي سياق الحديث عن ثقافة حقوق الإنسان، يمكن القول إن عبدالرحمن الكواكبي شخّص في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” واقع الاستبداد، ورأى أن منظومة الاستبداد تشكل في نهاية الأمر نسقاً ثقافياً، وبالتالي فإن ترسيخ واقع جديد ينهض على الحرية لا بد له من ثقافة مغايرة هي ثقافة حقوق الإنسان، وإذا كان كتاب الكواكبي، وما زال، مرجعية في دراسة واقع الاستبداد، فإن ذلك مرده إلى التاريخ العربي الذي يأبى أن يتحرك إلى الأمام تاركاً الاستبداد وثقافته وما يعبر عنه روائياً وأدبياً واقعاً دائماً، ولن يتحول إلى مجرد ذكرى إلا حين يمضي الزمن العربي نحو ثقافة مغايرة، وهي من دون كلام زائد ثقافة حقوق الإنسان . المصدر : دار الخليج |