مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الثقافة الهرمة

 فجأة تحولت جملة “هرمنا . . هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية” التي قالها الرجل التونسي ذو الستين عاماً الذي تعيد إحدى الفضائيات بث صورته وهو يردد جملة متداولة على لسان الكثيرين، حيث إن تلك الجملة تتجاوز في قدرتها التعبيرية ذات ذلك الرجل لتعبر عن مجمل الواقع العربي الذي وصل إلى حد الشيخوخة، أو إلى حد الهرم، فلم يعد قادراً على تجديد نفسه، والأمر نفسه ينطبق على الثقافة العربية التي تبدو اليوم في حالة هرم، حيث أثبتت الوقائع أن الجزء الأكبر من البنى الثقافية المختلفة من فكر وآداب وفنون لم تتمكن من قراءة الواقع العربي جيداً، بل “ربما” كانت من المساهمين الكبار في أزمة الواقع نفسه .

قد يرى الكثيرون أن اتهام الثقافة العربية بأنها أسهمت في انسداد الآفاق الذي وصلت إليه المجتمعات العربية وشعوبها هو من قبيل تحميلها بما لا طاقة لها به، لكننا إذا قمنا بمقارنة بين الأهداف التي طرحتها الثقافة العربية المعاصرة وبين مسار هذه الثقافة سنجد أن هذه الثقافة نفسها قامت بالتفافات كبيرة على مضماينها، وهي لم تستطع أن تحقق الهدف الرئيس منها، وهو تكريس ثقافة الحرية، والتنوير، والدخول في أفق الحداثة، وهذا الهدف الذي لا يمكن القول بأي شكل من الأشكال إن الثقافة تمكنت من تجذيره في مجتمعاتنا العربية، وأكثر من ذلك فإن هذه الثقافة لم تتمكن من القيام بأي اختراقات جدية للبنى التقليدية، و”ربما” يعزي البعض هذا الفشل إلى التعقيدات التي تحكم البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وقد يكون هذا صحيحاً في جزء كبير منه، لكننا في المحصلة لا يمكن لنا إلا أن نتساءل عن الكيفيات التي اتبعتها الثقافة العربية، وعن مدى تجذر مفاهيم المعاصرة والحداثة نفسها لدى المثقف العربي .

إذا كنا اليوم نقف أمام مقولة شيخوخة الثقافة العربية، فهذا لا يعني التنكر لمنجزات تلك الثقافة في بعض جزئياتها، أو بعض حقولها الفرعية، لكننا لا يمكن في الوقت نفسه إلا أن نقول إن فضاء ثقافياً جديداً يحتاجه اليوم الواقع العربي، خاصة أن هذا الواقع أصبح يفاجئنا اليوم بما لم نكن نتوقعه، وهو أمر لم تكن الأنساق الثقافية قادرة على تلمسه، أو حتى التفاؤل بأن الواقع العربي قادر على صياغة مفاجآت تعيد قلب التربة العربية، وقلب مفاهيمها، وتجاوز الكثير من الفرضيات .

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو هل ستتمكن الثقافة من تجديد شبابها؟ وكم من المثقفين والكتّاب والفنانين سيخرجون من ذاكرة الأجيال الجديدة لأنهم ارتبطوا حقيقة بثقافة لا تمت بصلة إلى ثقافة المعاصرة في جوهرها؟ وكم من الأعمال الأدبية أو الفنية ستتصدر الواجهة من جديد بعد أن كانت مهمشة سابقاً؟ وما الدور الذي سيلعبه الفضاء التفاعلي في إيجاد ثقافة جديدة أكثر شباباً وأكثر حرية وأقل خوفاً؟

الثقافة الهرمة سيكون عليها أن تتنحى إكراماً لسنة الحياة نفسها، وهي سنة التجديد، وأيضاً سيكون بمقدورنا “ربما” بعد أن هرم الكثير منا عمرياً ونفسياً وروحياً أن يشهد بارقة ثقافة جديدة تعيد له معاني الثقافة في أفقها المعاصر والإنساني .

المصدر : دار الخليج