الأدب السياسي لم يكن الأدب بمعزل عن الصورة العامة للأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية وغيرها في الوطن العربي، بل ظل لغة يتحدثها قلم الكاتب نيابة عن مجتمعه ومحيطه . ولعل تزاحم الأحداث التي يشهدها الوطن العربي في هذه الأيام تكفي لرمي الكثير من الحجارة في بحيرة الأدب الراكدة في الأعوام الأخيرة الماضية . ولا شك في أن الكاتب هو القادر على إعادة صياغة الحدث بلغة الأدب، وهو الذي يوثقها، تماماً، كما كان الشعر على سبيل المثال هو الذاكرة الحية التي وقفنا من خلالها على العديد من القصص التاريخية والقضايا التي مرت في العصور السابقة . ومن هنا تبرز أهمية الكتابة كذاكرة جمعية للأجيال القادمة، نستطيع من خلالها قراءة تاريخها بعين الأدب، بدلاً من قراءتها في صفحات التاريخ السياسي الذي قد يشوبه التغيير والتعديل عبر الزمن . والمتتبع للكثير من الكتابات الشعرية على وجه الخصوص، يجد أن نجاح هذه التجارب ارتبط بالحالة التي عايشها الشاعر كشاهد عيان، ولقد أنجبت القضية الفلسطينية مثل هذه الكتابات التي صدحت بمعاناة فلسطين، واستطاعت أن تفرض حضورها في المشهد الأدبي والسياسي معاً، لأنها امتلكت أدوات الأدب لتوظفها في تصوير المعالم السياسية بكل تفاصيلها . ولو عاد أحد القراء لما كتبه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش أثناء تواجد المقاومة الفلسطينية في بيروت، لاستطاع أن يشكل في ذهنه ملامح تلك المرحلة عبر قراءته قصائد الشاعر، من دون العودة إلى المصادر الأخرى . وهذا ما نجح به درويش عندما حمل القضية على أكف القصيدة، ليجمع بين موقفه كمواطن فلسطيني مسلوب الحقوق، وكشاعر امتلك المعنى ليصعد معه إلى رأس الهرم الشعري في الوطن العربي . لا تتوقف الكتابة الأدبية عند مرحلة سياسية واحدة، فدرويش الذي كتب الأدب السياسي المقاوم قبل أكثر من ثلاثة عقود، هو ذاته درويش الذي كتب عن واقع الاقتتال الفلسطيني قبل سنوات قليلة، كناقد لما أفرزه هذا الواقع المرير، حيث قال في “أثر الفراشة” من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ؟ بعض الفقهاء يقول: “رُب عَدُو لك ولدته أمّك!” . وهذه التقاطة من قلب المشهد السياسي الذي شهدته الساحة الفلسطينية، تدلل على مدى ارتباط هذا الشاعر بقضيته، وتصويره للأحداث عبر عدسة الأدب والشعر على وجه الخصوص . قد يجوز طرح العديد من الأسئلة في ظل رمزية الواقع العربي الجديد، لعل أبرزها هو ما يدور حول كيفية الحفاظ على نتاج الثورات، من خلال النتاجات الأدبية الجديدة، التي قيل إنها ابتعدت عن قضاياها المباشرة، وغدت جداراً فاصلاً بين جمهور الأدب والكاتب العربي المعاصر . المصدر : دار الخليج |