التاريخ مشرق كومضة في كل كتابة حديثة ثمة ما هو تاريخي يتسلل إلى ثنايا النص، شعراً كان أم رواية أم قصة، تاريخ يتلبس هذا النص في صورة فكرة أو بناء لغوي أو حتى محتوى . واللافت في هذا المجال أن الشعر الحديث على وجه الخصوص، وصولاً إلى قصيدة النثر التي وصفت بأنها تنطلق من ذات متفردة، وتعتمد الكثافة اللغوية، وتغرق في التفاصيل، هي ليست بالضرورة وفي نماذج كثيرة منها صافية، وغير مختلطة بملمح تاريخي . بطبيعة الحال، ليس دخول التاريخ على خط الكتابة الجديدة هو مشكلة بحد ذاته، لا، بل إن حق الكاتب في اجتراح ما يريده من أفكار وتوجهات وأساليب في الكتابة، هو حق مكفول بقوة الشرائع والدساتير التي انبثقت عن ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان . المشكلة في هذا الجانب تخضع لجانب نقدي تحليلي يحاكم التاريخ في الكتابة مشروطاً بوصفه مستعاداً في ثوب جديد، وبعبارة أصح ألا يكون الكاتب قد وظفه كما لو كان “محشوراً” أو مكدساً في صورة مسلّمات سبقت الإشارة إليها في ثنايا هذا التراث المتداول . والتاريخ في ثوب جديد سبق وأشار إليه الكاتب والمؤرخ الألماني “ولتر بنيامين” الذي شبّهه بالومضة، أو كأنه قبض على لحظة التاريخ بوصفه مشتبكاً مع صورة مبدعة لكاتب، رأى أن يقول شيئاً جديداً، وليس أرشيفياً بالضرورة، . ومثل هذه “الومضة” هي بالقطع خارجة عن مألوف شكلها القديم، أو تاريخها المشروط بزمن محدد وثابت، وهي لحظة إشراقية بكل معنى الكلمة . في معرض حديثه عن التاريخ وعلاقته مع المبدع، قسّم الشاعر أحمد المطروشي بين ثلاثة أنواع من التاريخ، أطلق عليها (الأقانيم الثلاثة): وتوزعت ما بين التاريخ القديم الذي لم يعد موجوداً من وجهة نظره إلا بصفته مدوناً في الكتب والوثائق، ولم يتبق منه غير الذكريات، والتاريخ الراهن وتاريخ المستقبل، والمطروشي يرى أن ما هو متاح أمام البشرية الآن، ينحصر فقط في تاريخ جديد، يضعنا أمام امكانية واحدة، بعد أن نتجاوز العدم الذي تسيّره قوة عظمى، والتي هي فوق طاقة التفكير العقلاني وغير العقلاني . أما التاريخ الفلسفي والفكري، الذي ذهب جزء كبير منه إلى متحف الذاكرة الجماعية، فقد تبقى منه فقط ما يخص التاريخ الحاضر الذي يستشرف الإنسان من خلاله خطى وبوصلة المستقبل . وأما عن التاريخ العربي الراهن، الذي يضعنا أمام منظومة من الفلسفات والمعارف والعلوم التي ازدهرت في عصور عربية وإسلامية معروفة، فهو نافذة نطل عليها لشحذ الخيال المبدع ، وهو لا يبخل علينا بقيمه الثقافية والجمالية، هو تاريخ يشتبك مع مقومات الحداثة التي يستشرف الكاتب من خلالها خريطة توقعاته وطموحاته المبتغاة . المصدر : دار الخليج |