سيرة القص الأدب لوقت طويل كان يعني الشعر بالدرجة الأولى، أما الرواية فكانت بدعة محدثة ألصقت بالسيرة والتاريخ. بما لا يجعل منها أدباً أصيلاً لا ترتفع إلى مصاف الدوافع الراقية للشعر الغنائي والملحمي، لكن ومع التحولات التي طرأت على مختلف نواحي الحياة انقلبت الموازين وبدأت الرواية تأخذ مكانا آخر لقدرتها وبشكل أوسع على التقاط تغيرات المجتمع والحياة السريعة والمتلاحقة عبر أدوات تزيد من قدرة الكاتب على التعبير عن علاقة الإنسان بواقعه المتغير والمستجد عبر رؤية فنية مختلفة يستطيع من خلالها تفسير العالم بشكل فني وكشف جديد لعلاقة الإنسان بمحيطه. هكذا بدأت الرواية تتفوق على الشعر سواء من حيث ما يكتبه الكتّاب أو ما يقرؤه القرّاء. وهيمنة القص على أشكال الأدب المختلفة لا يرجع إلى تغير أولويات الاهتمام أو تفضيل القراء بل يرجع إلى ما طالبت به النظرية الأدبية والثقافية من أن يحتل القص المكانة الأهم في مجالات البحث، والحجة في ذلك أنه ونتيجة لكل التغيرات المحيطة: أن القص هو سبيلنا الأساسي في تعقل الأشياء سواء في تفكيرنا بحياتنا من حيث هي تقدم متتابع يفضي إلى مكان ما أو في معرفتنا بما يحدث في العالم. إن التفسير العلمي يتعقل الأشياء بوضعها ضمن قوانين ولكن ليست كذلك بوجه عام فهي لا تتبع المنطق العلمي للسبب والنتيجة وإنما منطق القص حيث يعني الفهم إدراك الكيفية التي يفضي بها شيء إلى آخر والكيفية التي يحدث بها شيء من الأشياء من خلال صيرورة الحياة الطبيعية اليومية. إذا.. إننا نعقل الأحداث حولنا من خلال قصص ممكنة ويذهب فلاسفة التاريخ إلى أن التفسير التاريخي لا يتبع منطق السببية العلمية وإنما منطق القصة فلكي نفهم الثورة الفرنسية مثلا علينا فهم السرد الذي يظهر الكيفية التي أفضى بها حدث إلى غيره فالأبنية السردية منتشرة في كل مكان.وهذا ما أكده الناقد الأمريكي جوناثان كوللر في كتابه «نظرية الأدب «الذي صدر في أواخر التسعينيات، وهي أفكار تضيف وجهة نظر جديدة في الزمن الإبداعي الذي نعيشه ولنقل الزمن الذي نصفه بأنه زمن الرواية.. الزمن الذي تخلى فيه الشعر عن مركزيته بوصفه أرفع أنواع الأدب متنازلا عن انفراده بقمة التراتب الأدبي بين الأنواع المتصارعة على تبوؤ المكانة الأرفع لمصلحة الرواية التي حلت محله بطريقة من الطرق. ولسنا بحاجة إلى الذهاب إلى معاهد العلم لكي نفهم أهمية السرد في حياتنا فأخبار العالم تأتينا في شكل قصص تروى من وجهة أخرى وتنفتح دراما الكوكب الأرضي كل أربع وعشرين ساعة منقسمة إلى خطوط متعددة في قصة لا يعاد تكاملها إلا عندما تفهم من منظور شخصي ووراء هذا الاختلاف يوجد التاريخ وأمل في المستقبل كما يوجد لكل واحد منا تاريخ شخصي وسرديات حياته الخاصة التي تمكنه من بناء ما هو عليه وما يتجه إليه وإذا عكسنا القصة بتفسير أحداثها من وجهة نظر مختلفة أو مغايرة تغير الكثير منها وذلك السبب في أن السرد حين يدرس بوصفه أدباً يغدو أرض معركة عندما يتحقق في صحف وسيرة وتاريخ وهذا الأساس الفلسفي يردنا إلى ما قاله جوناثان كوللر وما كنت قد ذكرته في بداية كلامي: من أن القص باعتباره أدبا هو سبيلنا الذي نعقل به الأشياء في الحياة الأشياء هنا تعني الأحداث التي لا تتبع المنطق العلمي بقدر ما تتبع منطق القص فيما يقول فلاسفة التاريخ المعاصرون أي المنطق السردي الذي يهتم بإدراك الكيفية التي يفضي بها شيء إلى آخر والكيفية التي يمكن أن يحدث بها شيء من الأشياء ونزيد الأمر إيضاحا بأن نضيف إلى ذلكما قاله كوللر في كتابه»نظرية الأدب»عندما ذهب بقوله إلى أن المناقشات حول طبيعة الفهم التاريخي اتخذت نموذجا ما هو متضمن في فهم قصة من القصص ويرمي بذلك إلى أن المؤرخين لم يعودوا يقدمون تفسيرات كتلك التفسيرات المتنبئة في العلم بل ما يفعلونه هو إظهار كيف أن أمراً من الأمور يفضي إلى غيره. ونموذج التفسير التاريخي هو منطق القص أي الطريقة التي تظهر بها القصة.. وبالأحرى كيفية حدوث شيء من الأشياء واصلة بين الموقف الاستهلاكي للحدث وتتابعه ونتيجته بطريقة تؤدي معنى من معاني الوجود. المصدر : تشرين السورية |