ثقة المبدع.. الثقة بالنفس عنوان كبير تندرج تحته معاني الشخصية الراسخة والمتوازنة داخلياً وخارجياً والقادرة على مواجهة المشكلات والأزمات، إضافة إلى تمكنها من العبور بين تقلبات الحياة والوقوف صامدة في مواجهة عواصف الفكر . وتلعب ثقة المبدع بنفسه دوراً مهماً ضرورياً جداً في انطلاقته وقدرته على تطوير أعماله الإبداعية وعلى الإضافة إلى رصيده الإبداعي ومنتجه عبر السنوات . والثقة بالنفس هنا تعني ثقته بإمكاناته واطمئنانه الكامل إلى أنه قادر على تقديم ما يبرز دوره الإبداعي ويحقق له المكانة التي يطمح إليها، والتغاضي عن بعض الانتقادات التي قد تتسبب للبعض في أزمة ثقة، تضطرهم للانسحاب أمامها أو التراجع خشية مواجهتها من جديد . وعلى الرغم من أن كثيراً من المبدعين يترددون في التعبير عن ثقتهم الكاملة بإبداعاتهم أو في التصريح برؤيتهم تجاه ما أنجزوه في هذا المجال، خشية انعكاس تلك الثقة سلباً على شهرتهم بين الناس أو استقطاب نظرة الغرور تجاههم، لكن هذا لايعني ضرورة أن يواجه المبدع الآخرين بثقته الكاملة بما قدمه لهم، ومحاولته توضيح وجهة نظره أو على الأقل تقديم هذا الإبداع بما يحقق له الرضا الكامل عن نفسه وعن عمله، إضافة إلى مواجهة الانتقادات وتفنيدها في حال كانت تعتمد على النظرة السلبية أو تتغاضى عن ميزات العمل المبدع من دون سبب . وجرت العادة أن يلجأ المبدع إلى حد كبير للتواضع في تقييم عمله أو في التحدث عنه أو الاستغراق في امتداحه ووصفه خشية إطلاق صفة الغرور أو التكبر عليه، بحيث قد يضطر أديب متميز لأن يقول عن نفسه إنه لايزال في بداية الطريق أو إنه لم يصل بعد إلى درجة التميز في أعماله أو يعدّ ما قدمه لا يستحق أن يذكر أو يشار إليه على أنه عمل متميز، وهو بذلك يتجاهل تاريخه الأدبي الحافل، ويقدم نفسه للجمهور بطريقة تسلبه هالة التميز أو التفوق التي يستحقها بالأصل، وكأنه يزرع في نفوس وعقول المستقبلين عدم رضاه عن عمله أو الانتقاص من قيمته لمجرد تواضعه . وجرت العادة في هذا الزمن، أن تندرج أقل الأعمال إبداعاً وتميزاً ضمن قوائم الأفضلية والأعمال المتميزة، بسبب النجاح الإعلامي في إطلاقها وبسبب مايتبعه البعض من إضفاء هالة دعائية كبرى على العمل، بحيث يتوسد عمل رديء فنياً أو مضموناً أعلى القمم، وينجح صاحبه في حصد الأهمية والنجاح بغض النظر عن فراغ المضمون أو ضآلة حجمه الفعلي . ويبدو وكأن هذا الأسلوب المتبع في تضييق النظرة إلى العمل الإبداعي على لسان مبدعه وبموافقة جهارية منه، قد أسهم في تغييب الأعمال المتميزة وسيادة الأخرى التي لا تستحق الارتقاء إلى قمة النجاح أو الإبداع، وأبعد الجمهور تماماً عما يمكن أن يعثروا فيه على إبداع يستحق القراءة أو المشاهدة حسب صفته أو فئته . المصدر : دار الخليج |