قصيدة التفعيلة تستجيب بسرعة للحدث، أما قصيدة النثر.. فهادئة ومتروّية!..الذائقة السائدة والغالبة قديمة ولا يمكن تغييرها ببساطة السؤال عن حال الشعر في هذه الفترة يبدو إشكالياً على أكثر من صعيد، فعدا عن اختلاف وجهات النظر بين دور هذا الفن الذي يوصف دائماً بأنه ديوان العرب،. يحضر موضوع الرؤيا والاستشراف الذي يربط دائماً بالفنون الإبداعية وقدرتها على سبر الأعماق سلفاً.. وإذا ما استحضرنا أكثر من لون كتابي كالتفعيلة والنثر، فإن اختلاف التحليلات حول دور كل منهما يبدو طبيعياً هو الآخر.. هنا نقاش مع الشاعر محمد عضيمة صاحب ديوان «أصل بعد قليل»، حول دور الشعر المفترض ومدى قدرته على التأثير أو التأثر والاستشراف: في ظل ما يشهده العالم العربي من تطورات وأحداث، أين القصيدة مما يجري، وما هو الأثر والتأثير الذي يمكن أن تتعرض له أو يفترض أن تقوم به في هذه الظروف؟. ستعود الخطابة واللغة المنبرية من جديد، وهذا ما بدأنا نراه في كثير من النصوص الجديدة وتحديدا في مصر.. نعم، لغة البدايات التي تذكرنا بخمسينيات القرن الماضي ستعود على شكل خطابي في الشعر وبشكل يعيد استحضار القصيدة الموزونة الحماسية التي يطرب إليها الناس لأنها تثير حماستهم وتحاكي انفعالاتهم، أعني لغة أبناء الستينيات..!.. وماذا سيكون حال قصيدة النثر، هل ستندحر لفترة مؤقتة ريثما تنجلي الأمور؟. قصيدة النثر ستشارك في المعمعة وقد بدأت ولها أسلوبها الماغوطي الساخر.. إنها اللغة الوحيدة القادرة على مواكبة ما يحدث، ستعلو قليلا الآن نبرة التفعيلة، لكن الشباب ممن يكتبون النثر سوف يشاركون أيضا. وقصيدة النثر بشكل عام، لم تكن يوما خارج المعمعة السياسية منذ البداية. فهي نص احتجاجي بامتياز على جميع المستويات من الفني إلى السياسي وغالبية شعرائها المعروفين ينتمون إلى اليسار بشكل أو بآخر. هل تقصد أن قصيدة التفعيلة آنية التأثر والتأثير؟. قصيدة التفعيلة تستجيب بسرعة للحدث، تلبي نداء منبريا آنيا، ظرفيا، وهذا جزء من طبيعتها. لكن أعتقد أن العودة إلى لغة الخمسينيات شبه مستحيلة، فتطور اللغة العربية لن يقبل ذلك بشكل دائم، وسنشعر بالتكرار والملل، ولنأخذ فكرة عن ذلك دعونا نتابع ما يكتبه الشباب من مقاطع على الفيس بوك، إنهم يستقوون بلغة أواسط القرن الماضي حيث كان الزمن لحركات التحرر العالمي. لا أظن أن هذا سوف يستمر طويلا. لماذا لا يمكن للنثر أن يواكب هذه المرحلة أو يقودها؟. المرحلة انفعالية، إيقاعية سريعة، والنثر لا يستطيع مواكبتها بمثل سرعتها، أضف إلى أن لغة قصيدة النثر لها خصوصية النبرة الهادئة والمتروية، سوف تكون هناك نصوص جديدة ومختلفة لكن ليس بالسرعة التي نتخيلها فهي تحتاج إلى جيل آخر. ابن المرحلة الإعدادية أو الثانوية الآن، هو الذي سيكتب هذه النصوص لاحقاً. أعرف أن هذا الكلام «سيحرقص» بعض الشعراء الشباب الذين كتبوا بعض النصوص حول ما حدث وما يحدث، لكن المشهد لن يختمر بهذه البساطة. ولكن أين موضوع الرؤيا والاستشراف الذي يفترض بالشعر أن يمارسه أو لماذا لم يستشرف الشعر هذه المرحلة؟. هذا حديث مهم.. سوف يقول كل شاعر إن نصوصي قد بشرت ومنهم صديقك محمد عضيمة.. سوف أقول: ألم أقل لكم «أصل بعد قليل» وهو عنوان ديواني المعروف والذي نشر أواخر السنة الماضية... سوف يكون لكل واحد رأي.. وأرى أن الشعر الحديث كله كان إرهاصاً لهذه المرحلة.. الموضوع بغاية الأهمية وقد أشرت إليه سابقا في أكثر من مناسبة. في تونس ردد الناس بيت الشابي الشهير «إذا الشعب يوما أراد الحياة»... فهل يعني ذلك أن الذاكرة العربية موزونة وخطابية ومموسقة وفق آلية يصعب الخروج منها؟. طبعاً، طبعاً، نحن الذين نكتب قصيدة النثر، لا نزال أقلية.. الشعر الحديث بكامله أقلية. والذائقة السائدة والغالبة قديمة ولن تتغير ببساطة... لكن الآن بدأت الحرب على جميع الجبهات الفنية قبل السياسية. انظر إلى المد المتطرف في العديد من البلدان العربية، فهو يعني أن ما كنت تقوله حول القصيدة الحديثة، سيلاقي صعوبة في قوله من جديد.. سوف ترتفع السيوف في الوجه.. والخشية هي أن يتمكن هذا المدّ اليوم من قوننة نفسه وتثبيت أقدامه دستورياً، كما يحدث في العراق ومصر على سبيل المثال. هذا الكلام سيعني فيما يعنيه أن القصيدة سوف تصاب بشظايا هي الأخرى!. نحن مجتمع محافظ من الناحية الفكرية، وهذا النوع من المشاعر يسبق أية مشاعر أخرى، لذلك فإن العلماني بيننا سرعان ما يعود إلى مشاعره الكلاسيكية في أول وجع رأس يتعرض له.. ربما نحن لسنا، أو لم نكن علمانيين بصدق وعمق.. ربما لعبنا، مثلنا دور العلمانيين.. وربما كان الخوف وراء ذلك.. فالمتطرف، من أية جهة كانت، متجذر في قناعاته، ولا يقبل الآخر ببساطة، لا يقبل الحوار حول ما يبدو له أنه خارج أطر الحوار، ثم إنه يلغيك إذا لم يستطع إقناعك. إذا عدنا للشعر.. فأنت لا تأمل في المرحلة القريبة أن تحدث انعطافات على صعيد القصيدة بسبب الأحداث العربية الآن؟. ليس بهذه البساطة، لأن ما يحدث يفاجئ كل شيء بما فيه اللغة. واللغة بشكل عام لا تغير عاداتها بسهولة. على الصعيد الشخصي، أشعر بارتباك شديد اليوم. ماذا وكيف سأكتب بعد ذلك؟ قطعا ليست عندي رغبة الكتابة تجاوبا مع الحدث، لا أستسيغ نصوص المناسبات ولا أعرف كتابتها. في المرحلة القريبة لن تكون هناك انعطافات، سوف تتكرس عبارات ويتم اللعب على مفردات وألفاظ يرددها الناس هنا وهناك.. ولكن الأسلوب يحتاج الى طبخ وزمن.. وهذا ما يمكن أن نراه في تعليقات الشباب دائما على الفيس بوك.. ولكن ما يكتبه الشباب على الفيس بوك، يكاد يكون في الغالب متسرعا وسطحيا وساخرا في معظم الأحيان؟. أفهم عليك.. ولذلك أراقب وأبحث، وأتنقل من موقع إلى آخر. أنا مريض بموضوع اللغة العربية، وكيف تتحول وتقول الأشياء. لأن ثقافتنا ثقيلة جدا ومغروسة في كل واحد منا كالصوان، والخروج منها سيكون مكلفا جدا.. وإذا سيطر خطاب التطرف واحتل مساحات الخطاب المعتدل، فسنعود إلى لغة نحتاج إلى القاموس المحيط لفهمها. لكن أنا متفائل!.. فيما يخص الشعر، في الخمسينيات مثلا، كانت تحولات وانزياحات سياسية وانقلابات لكن كان النثر حاضرا في تلك الفترة وتمكن من شق طريقه!. نعم، لكن بهدوء، فلغة الماغوط مثلا، لم تنتشر بشكل جدي ويتعرف إليها الناس إلا بعد عقدين أو ثلاثة عقود. ولم تنضج في أذهان الشباب إلا بعد تلك العقود، والماغوط نفسه ظل يطبخها ويطور في أنحائها حتى آخر حياته. وسوف تنتشر الآن أكثر.. هل السبب أن الناس غير قادرة على التواصل بشكل جيد مع النثر أم أن للنثر شروط مختلفة عن التفعيلة؟. بلا جدال شروط النثر مختلفة عن شروط التفعيلة.. وفيما يتعلق بتلقي الشعر، فإن الناس بشكل عام تفضل الموزون.. سوف يتلقون النثر على انه نثر وليس شعرا... ثم ان النثر لايبقى في الذاكرة كما يبقى الشعر الموزون. مايهم هو أن الايقاع أسهل على الذاكرة مهما كان غامضاً.. لذلك بحثت وأبحث عن تسجيلات بصوت الماغوط، كي يمكنني الاحتفاظ بذاكرة صوتية له كما أحتفظ بذاكرة لغوية. الناس مع الحالة الشفوية بلا جدال وهذا مرضي أو مرضنا جميعاً.. يعني الناس تفضل السماعي على المقروء والموزون على النثر؟ بسبب ثقافتها الممتدة لأربعة عشر قرنا؟ طبعا. والمشكلة أنه ليس هناك شعب اليوم ليست عنده قطيعة بشكل أو بآخر، كلية أو جزئية، مع تاريخه وماضيه، إلا نحن! ماضينا يعيش معنا أكثر مما نعيش مع بعضنا، ونعرف وقائع وأحداث ورموز هذا الماضي أكثر مما نعرف بعضنا اليوم، وتدفع الأجيال فواتير هذا الماضي كل فترة من العقود. صحيح أنه لا يوجد حاضر من دون ماضٍ، لكن من غير المعقول أن يتحول الماضي إلى الحاضر الوحيد في لغتنا وعاداتنا وتقاليدنا وكتاباتنا وتربيتنا. حتى الأتراك قطعوا مع ماضيهم بشكل أو بآخر، عندما أحسوا أن هذا الماضي صار يشكل عبئاً على حركة تاريخهم، أما نحن فلا!.. هل تعتقد أن الغرب يتحمل جزءاً كبيراً في هذا الموضوع، خاصة في فترة الاستعمار التي يقال: إنها قطعت مشروع النهضة العربية غيرت مسيرته الطبيعية منذ بدايات القرن الماضي!. قيل الكثير في هذا الموضوع، هناك من يحمل الغرب المسؤولية الكاملة عن كل تخلف مجتمعاتنا، وهناك من يرى الأمور بشكل جزئي ولا يرمي على عاتق الغرب أكثر مما يجب. من المؤكد أننا لا نستطيع أن نعاتب الغرب لأنه لا يرمي بثقله لمساعدتنا على النهوض، ولا نستطيع منعه من التعامل معنا بلغة المصالح، وتدعيم نهضته على حسابنا وحساب غيرنا من الشعوب. لكن من المؤكد أيضا، ومن وجهة نظري، أننا والغرب ننتمي إلى حضارة واحدة، والمسار الذي سلكه هذا الغرب في علاقته مع تاريخه الثقافي ومع ماضيه هو نفسه المسار الذي لا بد للعرب من سلوكه إذا أرادوا النهوض. وهذا بالضبط ما فعلته تركيا المسلمة الحديثة، في علاقتها مع تاريخها القريب والبعيد منذ حوالي ما يزيد على السبعين عاما، ولا يزال المستقبل أمامها. تركيا لم تنظر إلى هذا الغرب على أنه عدو وآخر، بل تعاملت معه بلغة عصرية فحاكته قانونياً ودستورياً وحافظت على شعبها ونفسها. المصدر : تشرين السورية |