دور المثقف لا يمكن أن تكون الثقافة قادرة على التطور والتميز بأمر لا يهتم له المثقف نفسه ولا يعمل من أجله . وحينما يكون المثقف مهموماً بالأفكار والتطلعات المستقبلية والطموحات الإبداعية فهو يزيل عن الساحة الثقافية الهالة السلبية المهيمنة على الثقافة بشكل عام، ويستقطب الهالة الإيجابية القادرة على إنعاش الأفكار وإحلال الإبداع والتميز محل الخمول والركود . دأب المثقف العربي بشكل عام على انتقاد كل ما تقدمه الساحة من فكر مستورد وأعمال لا تمت إلى الإبداع بصلة وعلى التدقيق في كل ما يخص الثقافة، لأنه يظن أن ما عليه عمله هو واجب النقد والتحليل ما يجعله يظن نفسه متواجداً في الصورة دائماً وفاعلاً في الحركة الثقافية بشكل واضح ومؤثر، بينما العكس هو الصحيح، فالمثقف لم يعد فاعلاً كما يجب، بل لا يقدم للثقافة ما ينشطها وما يفعلها ويزيد من حماسة الآخرين للتجاوب والتواصل معها . وعلى الرغم من أن محاولات المثقفين انتقاد وتحليل أوضاع الفكر وتقديم الآراء الحريصة على تطوير الأداء والارتقاء به، لكنها لا تغني عن مسؤولياتهم الأخرى تجاه المجتمع والأجيال الشابة، ولا تلغي ضرورة تواصلهم بكل الأشكال وتواجدهم بين الآخرين في المجتمع . ولم يعد حضور المثقف في ندوة أو مؤتمر أو أمسية مخصصة له يفيد الآخرين في شيء، ما لم يكن متواجداً بينهم طارحاً قضاياهم ومتداخلاً معهم في القضايا المجتمعية التي تهم الكل ولا تعتني بالنخبة أو بفئة محددة منهم . تفوق مسؤولية المثقف في الوقت الحاضر حجم انتظار ما تقدمه له الأفكار أو ما تجود به المؤسسات الثقافية على المجتمع من أنشطة وفعاليات تدعوه إلى قراءة قصائده أو قصصه أو للمشاركة في مداخلات أدبية أو غيرها، وأصبح من الأهم من تلك المشاركات النخبوية ما يقع عليه من واجب مثل ابتكار المشروعات المتجددة والإبداعات القادرة على الأخذ بأيدي الآخرين وتوجيههم ناحية المستقبل الفكري والإبداعي الأفضل، إضافة إلى أهمية استخدامه للوسائل والأدوات التكنولوجية والجديدة للتواصل مع الآخرين، والتفاعل مع الناس من كل الفئات، وولوج العوالم الاعتيادية للإنسان العادي في حياته اليومية . تقع على عاتق المثقف مهمة برمجة نفسه ووقته وأسلوب تواصله والكيفية التي يمكنه بها مدّ الجسور مع الآخرين من خلال تدربه وتعلمه على الأدوات الحديثة، ليكون متجاوباً مع الأفكار وقادراً على الدخول إلى العوالم المتطورة التي يتقنها الشباب، ويتفاعلون معها أكثر من تفاعلهم مع الوسائل القديمة . من المهم أيضاً، دمج المثقفين في البيئة والمؤسسات التعليمية، بحيث تكون الحوارات القائمة بينهم وبين الطلبة والمعلمين، هي البوابات المشرعة أمام ثقافة الآخر وتدريب المجتمع من كل الفئات، على معنى الثقافة ومعنى أن تكون فاعلاً في المجتمع، وأن تكون أداة لتوصيل الثقافة وتدريب الآخرين عليها . المصدر : دار الخليج |