مبدعون: الموت فكرة خلاقة للكتابة شكّلت فكرة الموت على الدوام واحدة من أكثر الأفكار إغراءً وتحريضاً على الإبداع، فمنذ ملحمة “جلجامش”، والبحث عن الخلود في مواجهة الفناء وإلى النصوص المعاصرة ظلّ الموت رمزاً متعدد الدلالات في الكتابات الأدبية أو في الفنون المختلفة، وبقيت ثيمته تتراوح بين التصريح والتلميح لدى مختلف الشعراء والروائيين التشكيليين، حتى أن شاعراً مثل السياب جعل من تناقض الموت والحياة أساساً في فهم معاناة الإنسان الحياتية والوجودية على حد سواء . في هذا التحقيق السريع بعض من السعي إلى معرفة بعض الدلالات التي تشكلها فكرة الموت في الإبداع . الشاعرة الهنوف محمد تقول إنها لا تخشى واقعياً فكرة الموت، وإنما تخاف فكرة العطالة، وعدم القدرة على الإبداع، وتنظر دائماً إلى مستقبل الأيام وليس إلى ماضيها “أجد فكرة الموت مرعبة فقط عندما أفكر في توقفي عن الإبداع، أو قول ما لم أقله بعد، وهنا المسألة تتجاوز الإطار رالواقعي المحض المتعلق بفنائنا كبشر إلى ما نستطيع أن ننجزه في حياتنا، وهكذا فأنا أستعين بالكتابة على مواجهة مخاوفي من الموت” . وتتابع الهنوف: “الشاعر بطبيعته كائن نرجسي ومغرور ولا يصدق “ربما” أن مسيرته يمكن أن تتوقف بالموت، وقد لا أكون في هذا مختلفة عن غيري كثيراً، لذلك فإن مجرد التفكير في الموت يجعلني كمن يواجه لحظة الامتحان، وأن الوقت قصير أمامه، وعليه أن يستعجل في عمله، ولذلك فإن ما ينجزه الشاعر أو ما يمكن أن ينجزه يبقى هو الأمر الوحيد الممكن في مواجهة ما تبعثه فكرة الموت لديه” . أما القاص إبراهيم مبارك فيجد أن فكرة الموت مثيرة ومؤثرة في الوقت نفسه بالنسبة للمبدع، ويجد أن النصوص التي تكتب عن الفقد هي نصوص جميلة، ومؤثرة في ذوات القراء “نصوص الموت والفقد هي أكثر صدقاً، نتيجة لما فيها من تداعيات صادقة تكون أقرب إلى المتلقي الذي يشعر بصدقها، ونحن لسنا بعيدين في نتاجاتنا عن فكرة الموت التي تحضر بشكل دائم إلى النص بطريقة أو بأخرى، وهي من أكثر الأفكار سيطرة على الإنسان بشكل عام، وعلى المبدع “ربما” بشكل خاص نتيجة لحساسياته، وهي تستدعي لديه النبش في الذاكرة، وإعادة كتابتها، وهنا يصبح الموت دافعاً حقيقياً إلى إعادة فهم الحياة ذاتها، وكتابتها وفقاً لمعطيات جديدة، وهكذا فإن الموت يصبح لدى المبدع ولادة جديدة” . ويتابع مبارك: “ذاكرة الإنسان تتفجر أمام لحظة الموت، والمبدع يستفيد من هذه اللحظة رغم قسوتها الشديدة، فكم من النصوص التي تركها كبار الكتّاب والتي كتبت تحت تأثير فكرة الموت أو نتيجة لفقدان عزيز عليهم ظلت خالدة في الذاكرة الأدبية، وهي نصوص تجاوزت في قدرتها على البقاء والتأثير اللحظة التي ولدت فيها، وتحولت إلى جزء من تاريخ الإبداع، كما أن الكتابات حول الموت فيها الكثير من الحكمة التي تظهر في مواجهة فكرة الفناء” . أما الشاعر عبدالله السبب فيجد أن الكتابة عن الموت هي الكتابة عن الذات، فهو لا يعتقد بوجود مسافة بين الإنسان والموت، ويقول: “الموت موجود كمفردة مرافقة لي باستمرار بجميع أبعادها الحياتية أو الرمزية، وهي بالنسبة لي لا تثير المخاوف بقدر ما تحرض لدي فكرة الوفاء بالتزاماتي تجاه محيطي وتجاه الكتابة، وأتساءل: هل وضعت ما يكفي من نصوص يمكن أن تقول من هو عبدالله السبب؟ وقد حرضتني فكرة الموت على أن أضع إصداراً حول الصداقات، وهو كتاب أعمل عليه، وفيه نصوص شعرية ونثرية ومقالات، وفيه تحضر قوة الموت في دلالاتها المختلفة” . ويتابع السبب: “ليس هناك أكثر صدقاً من الكتابات التي تكتب حول موت إنسان سواء أكان قريباً أو صديقاً، فنحن لا نكتب عندها تحت تأثير أية مصلحة سوى التعبير عن أحزاننا، ونحن نكتب لحظتها عن جزء من أنفسنا لذلك تأتي النصوص فيها قدر كبير من الحب والصدق والجمال” . المصدر : دار الخليج |