طبعة ثالثة من <المعري ذلك المجهول> للشيخ عبدالله العلايلي <المعري ذلك المجهول> رحلة في في فكره وعالمه النفسي للعلاّمة عبدالله العلايلي صدر عن دار الجديد، الطبعة الثالثة، وهو على غرار الطبعة الثانية الصادرة سنة 1981 الغلاف لعلي عاصي، زخرفة بحاشية مخطوط تعود من القرن السابع للميلاد· ويقع الكتاب في 209 صفحات· ويتمحور حول جوانب عدة وهامة في حياة أبو العلاء المعري، شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء· وقد تطرق المؤلف بعد مقدمته القيمة عن أبي العلاء المعري، وهو، واحد من كبار شعراء العرب وأعمقهم ثقافة وأرسخهم قدماً في علوم العربية والمنطق والفلسفة: مدخل إلى عصر المعري· مقدمة لزوم ما لا يلزم المعري يضع أصول فلسفة جديدة قبل حديث الفلسفة ومن المواضيع أيضاً: كيف تقرأ المعري منطق المعري، ديباجة رسالة الغفران فرضيات حول رسالة الغفران· الكتاب، يذكرنا بعميد الأدب العربي طه حسين الذي خصه بكتابيه القيمين <ذكرى أبي العلاء>، <ومع أبي العلاء في سجنه> تشابه الرجلان في آفة العمر، تلك الآفة التي لحقت كليهما في أول حياته فأثرت في حياته أثراً غير قليل· الفضيلة الأساسية لكتاب العلامة العلايلي عن شاعر الفلاسفة، انه قدم للقارئ كعادته طريقة منهجية في فهم المعري لم يسبق إليها من قبل· لقد ظهرت دراسات عديدة عن حكيم المعرة قبل دراسة فقيد الأدب والفقه العلايلي، ومنها التي ظهرت عام 1944 وأبرزها دراسات المستشرق مرغليوت، وكانت تعالج فكر المعري في أعماله وأثاره الخالدة· إلا ان العلايلي وجدناه يسلك الأمانة المنهجية والعلمية، باعتباره أمعن في سلوك الموضوعية والنزاهة في آن وهو القائل: ومهما يكن فشعاري في هذا الكتاب مثله في كتاب سابق، <ليست تمنعني غرابة رأي أظن أنه صحيح أو أعتقد صحته من إبدائه، كما لا يحول بيني وبين رأي أنه قليل الأنصار· فان الحقيقة لم تعد تنال بالتصويت، كما ان الانتخاب من عمل الطبيعة وهي لا تغالط نفسها كما لا تعتمد على التزوير>· أبو العلاء سيد شعراء العربية، شاعر معذب الضمير والوجدان ملتهب الفكرة، لا يعنيه ان يجمع مالاً أو يؤول إلى غنى بقدر ما يعنيه ان يحمل مسؤولية هذا الكون بأرضه وشرائعه ونواميسه وأهله· في <ديباجة رسالة الغفران>، صفحة (57) وفرضيات حول رسالة الغفران صفحة (79) نراهما عملاً ثقافياً محلياً لكن الاطار العام للرحلة ألهم <دانتي> في كتابة <كوميديته>· لقد اكتشف لنا المعري في هذه الرسالة عن وجه مختلف كما تعودنا عليه عابساً قطوباً وزاهداً معتزلاً، يكاد ينافس الجاحظ المرح اللعوب، في روح فكاهته وسخريته المرهفة من مراسله وعصره كله· في <رسالة الغفران> لمسنا حركة التخيل لأبي العلاء المعري، والوحدات الداخلية، فجاءت ذات طابع سردي شيق والنزاع بين الأعشى والنابغة الجعدي الخ وتنتهي هذه الوحدة السردية· بمداعبة لطيفة·· وعندنا نتأمل تلك الوحدة بشخوصها الثلاث يقول المعري نجدها تقف بمنطقة وسطى بين الابداع والاحتفالية الواقعية· المعري يختلف جذرياً عن <دانتي> في مشواره الذي أطلق عليه الكوميديا الإلهية، ربما لأنه مشتغلٌ بالفلسفة والدين والسياسة· لقد استطاع المعري بتجسيد المرئيات وتشعير الناظر للطبيعة عبر مفارقات غريبة· فالمعري، الأعمى مصمم هذا التشكيل المتقن، وكأني به <بيتهوفن> العرب، قبل العصر الكلاسيكي· ولم تكن تجربة <جون ملتون> الشاعر الإنجليزي في ملحمة الفردوس المفقود> تجعل هذا القدر من الابداع إلاّ في ابتكار صور شعرية، مقتبسة من الكتاب المقدس· من المعري إلى دانتي، وجون ملتون أدباء على أعتاب الجنة والنار· وكلما علا المعنى وتعاظم، صارت الكلمة سجناً لا تولوا أموركم أيدي الناس إذا أردت الأمور عليكم فـ <طه حسين> نراه ذا طبيعة فنية، وديكارت ذو طبيعة عقلانية، فماذا عن أبو العلاء: تنام أعين قوم عن ذخائرهم والطالبون اذا هم ما ينامونا ويختصر العلايلي كل المتاهات التي تاه فيها دارسو المعري، باعتبار ان أفكار المعري شكلت (حروفه الأبجدية)، ووجد في تركيب اللغة ومشتقاتها أشباهاً بين أفراد المجتمع الإنساني· ومتنفساً لمحبسيه العزلة والعمى، ودعا إلى دراسة التراث العربي وتراث الأعداء والتراث الإنساني كله، وترك أثراً من عقله وموهبته في تاريخ المكان: دعيت أبا العلاء وذاك مينٌّ ولكن الصحيح أبو النزول إنها تجليات في حضرة شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء المعري شاعر من أساطين الشعر وفرسانه الكبار· د· فاروق الجمَّال
المصدر : اللواء اللبنانية |