أنشودة الوجع الفلسطيني..بين الوطن والشتات.. رحلة الثقافة الفلسطينية الثقافة الفلسطينية هذه الحالة الخلاقة التي أنتجها الشعب الفلسطيني عبر تاريخه الطويل وصنع منها أسطورته الذاتية ليؤرّخ على صفحات الأرض الخالدة أنه «ابن البلاد» وليس عابراً فيها،. فهل استطاعت هذه الثقافة مواجهة تحديات الإقصاء من التاريخ وانتزاع الهوية والانتماء؟ وهل تجزأت بفعل الواقع الاستثنائي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني إلى ثقافة وطن وثقافة شتات؟ هذا ما حاولت الإجابة عليه الندوة التي أقيمت مؤخراً في ثقافي اليرموك وبدعوة من ممثليه (م.ت.ف) في دمشق بمناسبة يوم الثقافة الفلسطينية وحملت عنوان «المشهد الثقافي الفلسطيني- الوطن والشتات» وشارك فيها الباحث حمد موعد والروائي د.حسن حميد. رحلة الثقافة الفلسطينية بين الوطن والشتات تناول الباحث حمد الموعد في محاضرته مفهوم الثقافة بأنها: كل القيم المادية والروحية ووسائل خلقها واستخدامها ونقلها والتي أوجدها الشعب الفلسطيني خلال تاريخه، وفي حديثه عن الحالة الثقافية الفلسطينية بين الوطن والشتات رصد «الموعد» ثلاث مراحل مهمة في التاريخ الثقافي الفلسطيني المعاصر، الأولى كانت مرحلة ما قبل النكبة (1948) معتبراً أن الأشهر الثمانية عشر من عمر حكومة الاستقلال في سورية بعد دخول الأمير فيصل كانت مهمة جداً في تشكيل الهوية الفلسطينية، وعرّج في تلك المرحلة على عملية التصدي التي قام بها المثقفون في جريدتي (الكرمل وفلسطين) للمشروع الصهيوني. والمرحلة الثانية كانت ما بعد النكبة (1948) حيث يقول فيها: إن الفلسطيني استطاع تطوير استراتيجيته الخاصة في مقاومة واقعه المرير من خلال الرفض الذهني والعقلي للنكبة عبر «أسطرة» الوطن والارتباط بالأرض والتي لعبت الذاكرة الشفوية دوراً كبيراً في هذا المجال كما عمل الأدب الفلسطيني في هذه المرحلة على تأكيد وحدانية الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات ووحدانية الهوية والمصير، أما المرحلة الثالثة فكانت فترة ما بعد النكسة (1967) يشير «الموعد» إلى انه بالرغم من حالة التنوع والاختلاف في الأولويات التي شهدتها الساحة الفلسطينية في هذه الفترة، بقي الهم النضالي الوحيد للثقافة الفلسطينية هو رسم الشخصية الوطنية الموزعة بين أهالي (48 و67) والشتات، ومضيفاً: يخطئ من يتحدث عن ثقافة شتات وثقافة وطن لأن الثقافة الفلسطينية واحدة بجميع مفرداتها وأدواتها وتنوع أساليبها. الانتقال إلى ثقافة المقاومة من جهته يرى الروائي والكاتب الصحفي د.حسن حميد: ان الشعب الفلسطيني كان يمتلك قبل النكبة (1948) ثقافة باذخة، نادد خلالها عقلين فذين هما (المصري والشامي) اللذين أسهما بشكل كبير في بناء الثقافة العربية، حيث قامت الثقافة الفلسطينية آنذاك على مختلف أجناس الأدب من رواية وقصة ومسرح وشعر، وفي مجال الترجمة عمل المثقف الفلسطيني مستفيداً من شيوع اللغات الأجنبية على ترجمة درر الأدب الروسي والتي عرف من خلالها القارئ الفلسطيني والعربي كتابات تولستوي ودوستوفسكي وطبعت نسخها العربية في القدس وحيفا والناصرة، ويتابع «د.حميد» القول: وفي مرحلة الشتات انتقلت الثقافة الفلسطينية لتحول الخيام إلى مدارس ومشاف وجعلت منها كينونة لتأسيس الصحف وكتابة الأدب «أدب المقاومة»، كما استطاعت أن تطوي كلمات مثل: التشرد- المنفى- الخذلان- الاستسلام، وأن تحيي كلمات لاتزال لامعة بهيجة رغم أنها جاءت من المنفى مثل: الفدائي- الشهيد المقاوم... وهذه الثقافة نفسها التي أعطت لأسماء المخيمات ارتباطها بالتاريخ الفلسطيني والعربي، كما أرّخت هذه الثقافة أسماء أبطالها وروادها وأنتجت من الخيام العديد من الكتاب والمبدعين الذين لمعت أسماؤهم في شتى مجالات الثقافة، وفي هذه الرحلة الطويلة كان الفلسطيني «المنفي» جبرا إبراهيم جبرا يسير يداً بيد مع الفلسطيني «ابن البلاد» إميل حبيبي ويمثل دليلاً على وحدتها في الوطن والشتات، ويضيف «د.حميد» إن الحراك الذي صاغته الثقافة الفلسطينية في الوسط العربي والعالمي هي التي جعلت قامة أدبية وغربية مرموقة مثل «جون جانييه» يأتي إلى المخيم ويعيش فيه ليقدم شهادته الإنسانية في هذا الشعب عبر كتابه «عاشت فلسطين» وأيضاً تأثر بها «بابلو نيرودا» أحد أهم شعراء أميركا اللاتينية وكتب أجمل أشعار التآخي بين الفلسطيني المشرد والهندي الأحمر، فاحتل الأدب الفلسطيني المقاوم بذلك مساحة واسعة في مدونة الأدب العربي والعالمي. الأدباء العرب والوجع الفلسطيني لقد شغلت مأساة الشعب الفلسطيني الكثير من الأدباء والشعراء الفلسطينيين والعرب على حد سواء وبامتداد جغرافية الوطن العربي، فكانوا معاً في حمل همه والتعبير عن معاناته فجادت قرائحهم بأجمل المعاني الداعمة والمطالبة بحريته وعودته بدءاً من شاعر الياسمين الدمشقي «نزار قباني» إلى عبد الرحمن الأبنودي وصولاً إلى محمود درويش منشدين معاً أنشودة الوجع الفلسطيني، ولأن الوطن لا يجزأ والثقافة كذلك فلا يوجد ما يسمى ثقافة وطن وشتات بل هناك ثقافة فلسطينية واحدة لكل الشعب الفلسطيني أينما كان. المصدر : تشرين السورية |