البصمة الإبداعية يشغل الحديث عن هوية الإبداع حيزاً واسعاً من الاهتمام، من قبل النقاد والدارسين، الذين يتتبعونه، مشخصين مقوماته، وعوامله، سواء أكان ذلك في الأدب أو الفن، عبر الاحتكام إلى معايير تؤهلهم لتقويم النص، والتمييز بين ما هو دعي وما هو إبداعي . ولعلّ من أهم ما يميز الإبداع أياً كان أن له خصوصيته، ليس بالنسبة إلى الحقول و الأجناس الأخرى، وإنما ضمن فضائه الخاص، ومن خلال الخط الإبداعي، الذي يختطه المبدع لنفسه، وهذا ما يجعل الإبداع أبعد من أن يكون استنساخاً لأنموذج سابق، وتكراراً باهتاً، لا جدوى منه، لآليات محددة، بل هو يدخل لجة التجديد، على اعتبار أن أي إبداع لا بد أن يكون جديداً . ويحدث أحياناً أن هناك متلقياً، قد يقع في مصيدة عدم الدّقة، وهو يعاين الأنموذج التالي الذي يستعيد أنموذجاً سابقاً عليه، مانحاً إياه قيمة جمالية ما، وهذا ما يكون نتيجة نقص في الأدوات النقدية لدى هذا المتلقي، لأن الارتقاء إلى مستوى التفاعل الحقيقي مع جماليات النص تتطلب دربة وخبرة وثقافة واسعة، بالإضافة إلى الذائقة الرفيعة . وهذا ما يجعل من أولى مسؤوليات الناقد الحذق، سبر أغوار النص وهو يقف على عتباته، معيداً إياه إلى أرومته الأولى، عندما يكون باهتاً، لا جدة فيه، ولا ارتقاء إلى مستوى اللحظة التي كتب فيها، لأن زمان كتابة النص لا يشفع له بجعله منتمياً إليه . إذ أنّ مدى قرب هذا الزمان من لحظة قراءته، ولو إلى درجة التطابق الأمر الذي بات متاحاً في ظل سرعة الاتصالات والثورة المعلوماتية لا يمكن أن يسبغ عليه صفته الإبداعية، من دون أن يمتلك هو في داخله عوامل الإبداع الذاتية التي تتأتى عادة من خلال شرط التجاوز الذي يعد سمت وسمة أي عمل إبداعي، لا غنى عنهما البتة . وعلى ضوء مثل هذا التعاطي، فإن المبدع اللاحق يستطيع الإطلاع على أعداد لا حصر لها من التجارب الإبداعية السابقة عليه، الأمر الذي يؤهله للوقوف على هذه التجارب الهائلة، والتفاعل معها، من أجل إنتاج إبداع جيد ومفارق . وبعيداً عن المغالاة في تناول العلاقة بين النص السابق واللاحق، فإن هناك حيزاً تناصياً، يتضاءل أو يتضخم، ولا يمكن التخلص من فجوته التي قد تظهر، وهو يدخل في إطار الدورة الإبداعية، إذ يمكن أن نتلمس ظلال أفكار، أو تقنيات ما في هذا النص الجديد، أو ذاك، بحكم طبيعة الإبداع الذي لا يأتي من فراغ، وإنما نتيجة حوار داخلي خارجي، ذي مستويات عالية، بين الذات والواقع . وإذ كان تغلغل بعض ملامح النص السابق يغدو في حكم ما هو مقبول، إلا أن مثل تلك الملامح يجب أن تظل في إطار المحدودية، ودائرة التأثير والتأثر في مستوييهما المحدودين، وألا يكون ذلك على حساب “البصمة” الإبداعية الذاتية، التي لا بد من أن تكون أكثر بروزاً، وهي نفسها “هوية” هذا النص، وعلامته الفارقة التي تجعل منه ذا حضور خاص، لا تنويعاً على أصل مفتقد للجدة والإبداع . المصدر : دار الخليج |