لماذا لا نقرأ؟ سؤال العنوان “لماذا لانقرأ” قد يستقطب اجابات مثل: لأننا لانجد الوقت الكافي لنفعل أو لأن القراءة ليست من ضمن هواياتنا، أو لأنني لا أهوى الجلوس لوقت طويل أمام كتاب يقيدني ويمنعني من الاستمتاع بوقتي في الخارج .
ولكن كل هذه الإجابات ليست مقنعة، والردود لم تعد تجدي نفعاً بعد أن تكررت وتحولت إلى محفوظات يتداولها من يعرف معنى القراءة ومن يخشى أنه مقصر في حقها أو من لايدرك إلى اليوم قيمتها وحقيقتها . والحقيقة أن القراءة ليست فعلاً يمكن الاخذ به أو تركه، بل هي جزء لايتجزأ من بناء الروح والنفس، ومسألة تتجاوز التسلية، وتتعداها إلى مايدعم صحة القلب والنفس ويسهم في تغذية الروح والجسد . فمابال القراءة لاتشغل بال الناس ولا يلاحقونها أو يفكرون جدياً في تخصيص أوقات لها كما يفعلون مع بقية أدوات الترفيه، فأصبحوا اليوم يفرون منها ويأنف البعض ذكرها وكأنها لم يعد لها دور في حياتهم أو كأن العصر قد زرع في عقولهم شرائح المعرفة الجاهزة كما هو حال الهواتف المتحركة؟ وما بال الكبار لايحثون صغارهم عليها وكأن جل همهم إمتاعهم باللهو وكأن اللهو هو عماد الجيل القادم وركيزة معرفته، فأصبحت الألعاب الالكترونية وغيرها هي أساس العلم وصار الكتاب آخر ما يطمح اليه الفرد منهم؟لقد وصل حال الناس إلى حد تجاهل الكتاب فيمرون من أمام المكتبات وكأنهم لايرونها ولاتغريهم أنفسهم حتى بالدخول للتفرج على معروضات الأرفف فيها، وأصبحوا يكتفون بالاستعاضة عن قراءة الكلمات وتصفح الكتب بومضات من عبارات قصيرة يتداولها البعض ولسان حالهم يقول هذه هي كتب اليوم التي تتفق مع زمن السرعة وعصر الحركة . ولا أدري من الذي أوهم الآخرين بأن القراءة، مجرد هواية، يمكن التخلي عنها بارادة صاحبها ولا يشغف بها الا من حباه الله فطرتها، بينما هي في الحقيقة أكثر من مجرد هواية . كان الناس في الماضي حينما يقرأون، يصلون خلال وقت القراءة إلى أقصى درجات الشغف والتوحد مع الخيال والأفكار السارحة بين السطور، يقلبون أوراق الكتب وكأنهم يتحاورون مع الحبيب، يمتعون أرواحهم بلقاء فيه استقاء المعلومات والحكايات، وفيه دهشة التوقعات وطموح الاستزادة مما غمض عليهم وكانوا يجهلونه . ولم يتوقفوا أمام ظرف أو حال لكي ينقطعوا عن القراءة، بل كان منهم من لاينام ليله خشية أن تضيع منه ساعة يقرأ فيها كتاباً، وخوفاً من أن يخسر عقله معلومة جديدة ومعرفة يأمل فيها، أو فيهم من يتعجل في طعامه أو يقصره على ما قل منه وكفاه ليحيا، كي يجد لنفسه وقتا للقراءة أو يطلق حرية يده في تصفح الكتاب وتقليب أوراقه . القراءة ليست هواية، بل هي أكثر من بنية تحتية، وهي ركيزة أساسية في بناء الشخصيات وتدعيم ارتفاع الرؤوس المفكرة على بقية الهامات. المصدر : دار الخليج |