مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

هوامش على مفكرة عاشق دمشقي..الشام بلد الياسمين و البياض اليقين

الكتابة عن نزار قباني مغامرة لا بد من الاستعداد لها لأن الناس يحبون قراءته هو أكثر مما يكتب عنه, والكتابة عنه لا تجدي نفعاً ما لم تغرف من ضياء.

إشعاره التي لا تهدأ على بر, وإن كان قد شدّ الرحال من شاطئ الأمان والثقة بالذات والتزمت حد العصبية للعاصمة السورية... قل ما شئت... القبليّة, العربية- التراثية- الحداثية- فما الكلمات إلا بعض الموحيات, و الأمر, الأجمل, أن شاعرنا أراد البناء بعد اكتشافاته المدهشة التي تندرج في معرفة خصائص الشخصية العربية منذ فجر تاريخها, فعمد إلى حل العقد المستعصية بالكلمات, فالكلمة لديه مفتاح الخلق وإفشاء الأسرار, وأي أدوات أعظم وأقدر من تلك الحروف التي استنطقتها حياة العربي, فشذبها وهذبها بحضارته الشعرية, وكان خير محاور لمحيطه, ودخيلة نفسه... ‏

نزار سليل الأصالة بشهادة الحروف التي أوصلها حدّ الترف والرفاه وهو حلم البشرية جمعاء وليس نزار وحده... هي المدللة المغناج لديه... في العشق, والمتعالية على كل ذل وهوان ينال من كرامة الإنسان, والمتمردة الثائرة على كل قيد وأسر وقمع, وهي المتواضعة حتى الخشوع والتصوف في احترام الشعوب وحب الأوطان.. ‏

وطن الورد والإبداع ‏

لهذا لا بد لقارئه أن يسرح مع ذلك البدوي الفطري الذي أدهشه الكون فبادله الدهشة ابداعاً وعطاءً بلا حدود.. حتى صال الدنيا وجال خارجاً من تلك الخيمة والعشيرة والقبيلة, ثم الحي الدمشقي العتيق ليثقف حواسه, ويشغل عقله من أجل مدينة عربية ولا أبهى.. نموذجها دمشق الورد, وأساسها متجذر في الأرض, تمتد فروعها بساطاً سندسياً أحمدياً إلى جميع المدن والحواضر العربية, فهو الذي بنى من غير قطيعة حتى أفرع التراث على يديه ثماراً تشتهى, وثقافة تجتلى, وفكراً يحتذى والشعر أصدق من التاريخ كما يقال. ‏

الشاعر لم يكن محيُراً, ونقاده هم الذين احتاروا لأن شعره يستعصي على المعايير النقدية الأكاديمية أو التهذيبية الأخلاقية, وبقدر ما يراه بعضهم مغرقاً في ماديته وأحاسيسه, يرى الآخرون- إن هو في نهاية الأمر- إلا في رحاب الصوفية, وما المادة إلا معبراً للوصول إلى الحلم الصافي. ‏

لي غرفة في دروب الغيم عائمة/ على شريط ندى تطفو وتنزلق/ ‏

مبنية من غييمات منتفة/ لي صاحبان بها العصفور والشفق/ ‏

ـ أهل دمشق أدرى بشعابها, يغامرون ولا يقامرون, يأنسون ولا يضامون, يبدعون ولا يقلدون, لأنهم يعرفون جيداً ماذا يريدون... «وطن الورد والإبداع» وأقول عنهم: ‏

يكابرون ولا يستكبرون ‏

تمائمهم صيغت مع الفجر يظللها السكون ‏

ورقاهم في السر والعلن أن دمشق لا تهون ‏

فهي المكان المشتهى, لا تظن بها الظنون ‏

عرفتها وألفتها تدّر على الناس الفتون ‏

هي الحب والصلاة والتبر ‏

منها المسك والعنبر ‏

هي الأولى وليكن بعدها ما يكون. ‏

جنسية واحدة للشعراء ‏

لهذا تناولت كتاب (غسان كلاس) بكل مودة وتقدير على ما بذل من جهد لتقديمه, (هوامش على مفكرة عاشق دمشقي) يريد به إضاءة بعض ما يتغاضى عنه نقاد نزار, ويذهبون مذاهب شتى في التأويل, والتصنيع ويسطر بكل الحنين والألفة العلاقة الحميمة بالمكان والأهل والأحباب ويجمع الشهادات التي قيلت في هذا مع تعليق العارف لما يقصد إليه شاعرنا من أهمية جمالية المكان وبيت الطفولة, وتداعيات المعاني الحسية التي نسجها الشاعر كما ينسج الصانع الدمشقي البروكار والموسلين والأنسجة الدمشقية وكما الصائغ يحيل الذهب إلى مصاغ وحلي بديعة, فإن قالوا نسائي الميول فما أصابوا لأنه داعية الحب بين البشر جميعاً ((بين العرب, وحب الوطن والناس والخير والأرض والأب والأم والزوجين والأهل والجيران والأصدقاء والشجر والبحر...)) وإن قالوا عنه شاعر اللذّة, فأين العيب في لذاذة الفن وتذوق المشتهى شعراً ليكون جواز عبور للعالم المأمول وهل يتناسى هؤلاء أن الشعر خروج على كل القوانين.. ‏

من يريد قراءة نزار لابد أن يعلم إنه مؤسس أول جمهورية شعرية تختلف عن الجمهوريات بميزة الشاعرية والشعر الذي يعتبره نزار من الممتلكات العامة كالماء والهواء والحدائق العمومية, ولهذا كانت لغته لا تعرف الطبقية ولا العنصرية الثقافية توزع الشعر على الناس بالتساوي دون مقابل فيؤكد أن الشعر كالمطر يسقط على عواصم أوروبا كما يسقط على الربع الخالي وبنغلادش, لأن هناك حسب نزار جنسية واحدة لكل شعراء العالم. ‏

دمشق الأصيلة ‏

دمشق هي الدنيا في وردها وثورتها وغضبها وصيتها المدوي في أركان العالم الأربعة.. تقمصها في ندى الفجر والنور والعطر, في الشعر, والفخر, في العسر واليسر في النصر والظفر فكان صوت نزار في الحق جهراً. وهذا ما نقرأ حيث نلحظ في مقاربة هوامش على مفكرة عاشق دمشقي, الغيرة على أشعار نزار, ونلمس الطلب للوعي والتفهم لأشعاره, ومقاصده وجمهوريته التي صاغ هي بلد الورد والأمهات اللواتي يزرعن الحب والياسمين, والآباء الذين يحيون رجال الوطن, والأطفال الذين يأخذون حقوقهم فيصبحون قادرين على التلوين والإبداع, وشباب مصانون بالحب والعلم والعزة والكرامة, وعمال يبنون المنازل الأليفة تعانق الورد والياسمين, فأي تقسيمات مادية, أو مثالية أو نرجسية, وأوديبية- أو حتى أسطورية يمكنها الإحاطة بشعر تجاوز صاحبه الأنا- بكل كبرياء- إلى الإثرة والغيرية لتشمل العالم برمته.. حتى في الأشعار التي تحدث به نفسه كأنما أراد أن يهيب بالآخرين لاكتشاف دواخلهم وحقيقة إنسانيتهم وأسرار عيشهم وإنسانيتهم وسعادتهم والسعي لتحقيق أحلامهم أو ليست الأم هي الأغلى ومنبع الخير وهو القائل (أمي دقة قديمة) أمي تؤمن برب واحد, وحبيب واحد.. وهذا ليس ببعيد عن الوحدانية المثلى وارتباط الواقع بها عندما أنشد قصيدته «أشهد أن لا امرأة إلا أنت» وعندما قال: إن اللغة أنثى وما الأنثى إلا الحب والخير والجمال التي تستحق حياكة الحرير لكسوة صدرها... وهل للأمومة والزهر دقة قديمة؟. ‏

هوامش وتفاصيل تفصح في مضامينها عن الشام الكلمة والمفتاح السحري الذي يفتح الأبواب المغلقة لأنها الورد والألحان ودينها دين الياسمين والبياض اليقين وحضارة الشعر, وهي اللؤلؤة التي يطلب إليها نزار أن تتجنب الدخول إلى أسواق اللؤلؤ كي لا يسرقها التجار. ‏

تلك هي بعض صناعة الأنوثة, والأنوثة مصدر الفن والجمال والحب كانت من دمشق, ومثلها صناعة الرجولة, والرجولة إيمان والتزام كانت من دمشق, فماذا يمكن أن يقال عن الرجل الشاعر (نزار قباني) الذي ربّته (الأم والأنثى) (والأب الرجل) بما تحمل الكلمة من معاني الحق والحب والإيمان.. وهل أكثر من هذا التزام. ‏

المصدر : تشرين السورية