الشعر وجمهوره احتفالاتنا، التي تواصلت على مدار الأسبوع الماضي بمناسبة اليوم العالمي للشعر، ظاهرة جيدة وطيبة، لكنها لا يجب أن تصرف انتباهنا عن الأزمة التي يتحدث عنها الجميع بخصوص الشعر، والتي أكدها التقرير العربي الثالث للتنمية الثقافية، فالشعر وفقاً للتقرير يفتقد إلى المتابعة النقدية والجمهور معاً . أبعاد أزمة الشعر متعددة ولكننا إذا نظرنا إلى المسألتين اللتين أشار إليهما التقرير، سنلاحظ أن النقد الأدبي في بلادنا العربية يعاني تراجعاً ملحوظاً لا يقتصر على الشعر وحسب، وإنما يمتد إلى الرواية والقصة، نعيش إشكالية نقدية حقيقية في ثقافتنا الراهنة تمتد مرة ثانية إلى الفنون المختلفة والقدرة على صياغة روح نقدية عربية تتعاطى بجرأة مع مختلف ظروف العصر المتغيرة والمتسارعة المحيطة بنا . أما الجمهور فنتصور أنه انصرف عن الشعر لأسباب عديدة منها ما يتعلق بنظامنا التعليمي نفسه، ومنها ما يرتبط بحديث لا ينتهي عن مشكلات ومخاطر تعيشها اللغة العربية الآن، ومنها ما يتصل مباشرة بعصر انتقلت فيه حاسة التلقي من السمع إلى البصر . منذ سنوات قليلة أصدرت سلسلة الذخائر في الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر كتاباً في جزأين بعنوان “المنتخب من أدب العرب” يقع في حوالي 800 صفحة من القطع المتوسط . الكتاب يتضمن نماذج دالة وكثيرة عن الأدب العربي منذ عصر ما قبل الإسلام وحتى النصف الثاني من القرن العشرين، وأشرف على إعداده طه حسين وأحمد أمين وغيرهما، سارع الكثير من القراء والمثقفين إلى شرائه وقدمت له صفحات ثقافية عدة قراءات مهمة ويمتلئ في معظمه بقصائد من عيون الشعر العربي، مع شروح لغوية وتاريخية ورؤى نقدية لهذه القصائد، الصفحات الأولى من الكتاب تخبرنا بمفاجأة، فهذا الكتاب هو منهج الأدب العربي المقرر كجزء من مادة اللغة العربية على المرحلة الثانوية في مصر خلال حقبة الأربعينات من القرن الماضي . هنا نحن أمام نظام تعليمي مهتم باللغة العربية وآدابها، وأمام رواد بذلوا قصارى جهدهم في تعريف الأجيال الجديدة إلى تراثها وجمالياته، ولا نعرف مبدعاً منذ أدونيس خاض غمار هذه المغامرة، حيث جمع هو الآخر نماذج معبرة من الشعر أصدرها في ثلاثة أجزاء تحت عنوان “ديوان الشعر العربي” ونشرها في منتصف ستينات القرن الماضي . توصف الثقافة العربية في علاقتها بالجمهور كثيراً بالثقافة السمعية، فالحكايات الشعبية والأشعار والملاحم وأدب الرحلة كانت تنتقل لقرون شفاهياً، هذه السمة التي يحلو للبعض وصفها ب”الماقبل حداثية” تقاطعت مع عصر أصبح من السهولة والمجانية وسمه بعصر الصورة، تخبرنا التقارير المختلفة عن ملياري مشاهد لمقاطع فيديو على موقع اليوتيوب يومياً، وهي بالطبع تتضمن مشاركات ضخمة من وطننا العربي . تؤكد مناهجنا التعليمية الحالية ومفردات العصر الذي نعيشه أن أي تأسيس لعلاقة صحية بين الشعر وجمهور واسع النطاق يحتاج إلى طروحات مبتكرة جديدة ومغايرة للمطروح من حلول على الساحة الثقافية، أما قضايا الشعر الأخرى مثل فرز الجيد من الرديء والجدل الذي لا ينتهي بخصوص قصيدة النثر، والتنظير للشعر، وترجمة الشعر العربي واكسابه موقعاً متقدماً بالنسبة للشعر العالمي فهي بانتظار مناخ ثقافي جديد . المصدر : دار الخليج |