مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

لغة الحاسوب الشعرية

في بداية القرن الجديد صدر ديوان في الولايات المتحدة الأمريكية حمل عنوان «مختارات من عيون الشعر الأمريكي العنوان بحد ذاته يفترض أن يجد القارئ أفضل نماذج ما أنتجته القريحة والعالم يدخل الألفية الجديدة إلا أن الكتاب كان يشبه كثيراً فضيحة أدبية جعلت الناقد الأمريكي «روبرت بلاي» يحذر من لغة الكمبيوتر الباردة والخاوية التي تحولت إلى قوة عالمية تحاول تخليصنا من الأسلوب الأدبي وتنجح في ذلك جاء هذا التحذير لأن جميع ما نشر في هذه المختارات لم يكن يمت بصلة للشعر بل قالت عنه الشاعرة الأمريكية «جوان هوليهان» أنه يحوي الدرجة الصفر من النثر الرديء لأن من كتبه تحدث بلغة الحياة اليومية الدارجة عن تفاهات وبركاكة يخلو أغلبها من النبض والبريق الذي يميز لغة الشعر أو النثر الشعري، الناقدة الآنفة الذكر نفسها قالت إنه بعد عقد من الزمن قد يصدر كتاب يحمل العنوان نفسه الآنف أو ما هو قريب منه وعندها سوف يسأل القارئ العادي هل تبقى من الشعر شيء؟

قد يقال إن ما سلف يخص حالة الأدب في الولايات المتحدة وحدها وإن أسباباً كثيرة تقف وراء بروز هذه الظاهرة وذلك صحيح من الناحية الجزئية إلا أننا نجد شعراء في فرنسا وبريطانيا وعموم أوروبا يطلقون الأحداث نفسها المحذرة من الاستعداد لمراسم دفن الشعر الذي كان منذ فجر الحضارة السجل الأكثر خلوداً لأفكار الانسان وجمالياته وقدرته على اكتشاف دواخل النفوس والعالم المحيط به. ‏

ولعل السؤال الأهم بهذا الصدد هو هل انتقلت العدوى إلينا نحن العرب وأمثالنا من شعوب وقوميات يدعوها البعض متخلفة ويقول البعض الآخر إنها نامية في حين يؤكد قسم قليل من الأسماء الأدبية اللامعة حول العالم أنها ما زالت المخزن الأشد ألقاً وإنسانية وجمالية. ‏

ربما لا نتجاوز كثيراً على الواقع حين نؤكد أن لغة الكمبيوتر قد دخلت بالفعل إلى تلافيف الشعر العربي بطريقة قد تكون محدودة قياساً بأمريكا أو أوروبا فليس من النادر أن نتصفح دواوين شعرية كتبت بهذه اللغة، أي نثر بلا إشعاع يتم تقطيعه على الصفحات كي يمنح صفة شعرية تجعل البعض يقول: إذا كان هذا شعراً فيجب اعلان البراءة ليس من الشعر بل من النثر الأدبي أيضاً وعن ذلك يقول الشاعر الفرنسي «ببير بورديو» في كتابه التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول الذي صدر عام 2004 ان للشاشة الصغيرة- ليست باعتبارها جهازاً مرئياً، بل طواقم تعمل خلفها- دوراً ومسؤولية في بروز هذه الظاهرة فقد اكتسحت موجة استهلاك وقت الناس إلى الحدود القصوى عبر الفضائيات التي هي في الأعم الأغلب لا تقول شيئاً يبقى في الأذهان والذاكرة وهو ما يشمل البرامج التي يطلق عليها تسمية ثقافية أو أدبية على قلتها في الفضائيات العربية اذ نلاحظ موجات تتلوها موجات من الترويج لكل شيء يطلق عليه أدباً لكننا من النادر أن نعثر على ما هو رفيع حقاً فيما يقال بالصوت والصورة بل قد يصل الأمر إلى تحويل كل أصوات الشعر العربي منذ أربعينيات القرن المنصرم إلى نهاية القرن العشرين إلى مجرد موضة قديمة لا تعبر عن نمط حياة الناس وطبيعة حساسيتهم وهجومهم فقد أصبح ذلك من الماضي هكذا يقولون كما أصبح شعر أغاني أم كلثوم وقول الكثير في قليل أنغام سيد درويش نغمات غير مفهومة في أذان الناس أو الشباب على ما يزعمون. ‏

لعل السؤال الأصعب في كل هذا، هو هل أن هذه الموجات تستطيع بالفعل جعل الشعر واللغة الأدبية مثل الآثار القديمة المدفونة تحت الرمال قد لا تكون الإجابة سهلة ولكن من الملاحظ أن للناس ردود أفعال فيها عقاب صامت لأية موجة تنتحل صفة الشعرية دون أن يكون فيها شيء من عروق الشعر، هذه الردود تأخذ طابع الاهمال وعدم الاهتمام، لكن قلة من الشعراء والأدباء العرب لديهم شجاعة القول بأن الأديب يتحمل قسطاً من المسؤولية عن هذا العزوف المرير!

المصدر : جريدة تشرين السورية