ثقافة الهواية لا شيء يعادل قضاء الوقت ضمن بيئة ممتعة أو بين أشخاص يشعرونك باستمتاع كامل في التواصل معهم وفي معرفتهم إن لم يكونوا بالأصل من ضمن قوائم الأصدقاء، ولا شيء يضاهي الوقت مهما طال أو قصر والذي يمر بك وأنت تحظى بهذه النعم ويفيض بها القدر عليك . ولا يمكن لأحد الاستمتاع بأمر لا يعجبه، ولابد أن تتحقق هذه المتعة لكل فرد منا حينما يتجه لما يحبه ويرغب في التفاعل معه والانسجام معه، بلا ضغوط أو التزامات أو قيود متعسفة . يحدث هذا الاستمتاع ويتحقق بكل ماتعنيه المتعة من معنى حينما يكون الأمر عبارة عن ممارسة هواية، يتعلق بها قلب صاحبها، وتأخذه تجاهها من دون أمر أو قيد، وتضعه في خضمها كي يستمتع بمضمونها ويحظى بمتعته الشخصية في ممارستها أو البقاء ضمن محيطها . وبعيداً عن بعض الهوايات المملوءة بالمغامرات والتي لا تحقق لأصحابها أكثر من الدخول في مجازفة، أو حتى القيام بعمل من شأنه جلب المصائب عليهم وعلى من حولهم، فلا شك في أن الهوايات بحد ذاتها عمل شيء يحبه الشخص ويتلهف لممارسته من دون الاضطرار لتعلمه ضمن مدرسة أو منهاج أو الالتزام به، أو حتى تحمل معاناة معرفته أو ممارسته، وقد حققت في أغلبها وللكثير من الشخصيات الشهيرة والمعروفة ضمن التاريخ، مردوداً معنوياً يفوق المردود المادي، ونجاحاً غير متوقع في حياتهم، من ناحية كونها قد زرعت فيهم الثقة بالنفس، إضافة إلى ما تعنيه الهواية من ممارسة ممتعة واتقان معرفة يمكن أن يحولها الى مهنة أو إبداع يرتبط بصاحبه . والمؤسف أن تتحول فكرة “الهواية” في هذا الزمن المضطرب بالتكنولوجيا الى جزء من بقايا الماضي، كأنها ليست سوى آنية خزفية مكسورة تعطلت مهمتها ولم تعد تفيد بأكثر من قيمتها العمرية، ويقتضي الزمن الحديث منا وضعها ضمن مخلفات العصور الماضية بحيث لا تفيد بأكثر من الذكرى، وتحل محلها “هوايات” جديدة لا تعني في مجملها أكثر من كونها عبارة عن ممارسات متشابهة، يقلد الناس فيها بعضهم بعضاً، ولا ينظرون اليها من ناحية كونها خطوة تجاه التميز أو التفرد بين الآخرين . وبعد أن كانت الهواية تتطلع تجاه الألعاب الرياضية والقراءة والتسالي الجالبة للمعرفة، صار يمكن إن سألت أحدهم عن هوايته أن تسمع ردوداً تتفاوت بين اللهو بلعبة إلكترونية أو قضاء الوقت في مقهى، أو ربما التسلي بالأحاديث العابرة والعلاقات العاطفية عبر الأجهزة الإلكترونية المختلفة . إن الهواية بمفهومها ومضمونها الصحيح هي الأداة الأهم والأفضل في ملء الفراغ، ومحو أية أفكار أو مشاعر سلبية قد تنتاب شخصاً ضجراً لا يرى حوله سوى الوحدة والملل اللذين ينهشانه بأنيابهما . وكل منا بحاجة الى تربية هواية ممتعة وحقيقية يستمتع بها ويحيا فيها، محققاً لنفسه أهدافاً يندر تحقيقها ضمن المهن أو الأعمال التي يمارسها كمنهاج حياة روتيني . المصدر : دار الخليج |