مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

الآثار الأدبية وعوامل الانطلاق والتمرد في أدب المهجريين

اتّسم الإنتاج الأدبي اللبناني - منذ أواسط القرن التاسع عشر - سواء فيه الأصيل والدخيل، بسمة التجديد، وهو في مجمله أدب يروّج لمبادئ الحرية والعدالة، ويدعو إلى الإنطلاق مع موكب الحياة، والتمرّد على الواقع بالضرب في الآفاق· وفي مقدمة هذه الآثار الأدبية كتاب الشدياق <الساق على الساق>···، ومسرحيات مارون النقاش التي كانت تتخذ النقد الأخلاقي وسيلة إلى نقد الأنظمة الاجتماعية التي تنمو فيها الطبائع المرذولة كالبخل والجشع· وقد سلّط النقاد الضوء على فنّ القصص الذي عني اللبنانيون بنقله، أو تأليفه، فلمسوا فيه تطلعاً إلى مثل جديدة ودعوة إلى المغامرة والتغلّب على الصعاب، ومن هذا اللون قصة <روبنسون كروزو> التي نقلها بطرس البستاني فبطلها يمثل <الفتى البرجوازي برغبته الشديدة في المعرفة وإيمانه العميق بالتجربة وركوب متن المخاطر· ولم يكن سليم البستاني أقل عناية بهذه الذهنية المنفتحة، فنحن واجدون في العديد من رواياته مثل <أسماء>، و <بنت العصر>، و<الهيام في جنان الشام> أشخاصاً مغامرين، يحبون الطبيعة، ويميلون إلى اجتياز البراري والبحار على غرار أبطال دوماس وشاتوتربان وبرناردان دي سان بيير·

هذه الأمثلة المنتقاة من الأدبيات اللبنانية تفي بغرض الدلالة على أن هذه المؤلفات لم تكن عملاً مرتجلاً، غرضه الشهرة أو الكسب المادي، فهي وليدة خواطر رفيعة ومرام إنسانية نبيلة· وهي من هذه الزاوية لا تقل شأناً عن العديد من الاثار الفذة التي أسهمت إلى خلق مناخات النهضة وأجوائها·

إن إزدهار الحركة الأدبية في لبنان، خلال القرن التاسع، عشر، وفي عهد المتصرفية، بصورة أخص لم يكن ذا أثر في اليقظة الفكرية العربية وحسب، فقد انعكس له دور آخر في الحقل السياسي، لأن الإنبعاث الذي شارك اللبنانيون في زعامته، أدى إلى يقظة الشعور القومي، ونستطيع أن نسجل لعدد كبير من أقطاب الأدب في لبنان مواقف جليلة في دعم الفكرة القومية· ومن هؤلاء المعلم بطرس البستاني الذي جعل شعار مجلته <الجنان> <حب الوطن من الإيمان وهو نفسه قبل صدور الجنان بعشر سنوات، وإبّان فتنة 1860 الدامية والمؤلية، أصدر <نفير سوريا>، جاعلاً من صحيفته دعوة صادقة للتأخي الوطني الذي يتعالى على الطائفية وكل عصبية تفرّق أبناء الوطن الواحد·

لا نرى ما يسوّغ الخوض المسهب في موضوع القوميّة وإتجاهات الرأي حوله منذ ستينات القرن الماضي· فقد ظهرت إلى جانب فكرة <القومية العربية>، دعوات إلى قوميات وطنية أو إقليمية من مثل <القومية المصرية>، واللبنانية والسورية، وجميع هذه الدعوات لها في خضم العصر الحديث ومشكلاته السياسية المعقّدة تبريرها وبواعثها المتباينة· وكلها - ومن الزاوية الفكرية وحدها - مظهر نشاط ونضال، له مستوياته وأهدافه المتفاوتة·

الشيء الذي يستدعي اهتمامنا الآن، ما نهض به هذا الرعيل من الأدباء اللبنانيين - خلال القرن الماضي - في مناوأة حركة التتريك العثمانية، وتأييد الشعور الوطني والقومي، لأنه الأكثر إيجابية على صعيد الوحدة الوطنية في أقطار العالم العربي·

يقول الدكتور كمال الصليبي: <كانت عبارة الوطن عند البستاني ورفاقه تعني سوريا· لكنها كانت <سوريا> غير منفصلة عن التراث الثقافي العربي· وهكذا التقت فكرة القومية السورية، منذ ظهورها بفكرة العروبة·

في رأي الصليبي نفسه أن الكليّة السورية الأولى بزعامة كرنيليوس فانديك كانت تشدد على فكرة العروبة، و <عروبة سوريا> لإهتمامه الكبير بالتراث العربي، ولذلك <تطوّرت سورية <البستاني شيئاً فشيئاً إلى عروبة المفكرين اللاحقين به من المسيحيين اللبنانيين أمثال إبراهيم اليازجي، ويعقوب صروف وفارس نمر·

وفي نطاق الربط بين الثقافة القومية والشعور الوطني القومي الذي يشكّل التراث ركناً هاماً من أركانه، يقرّر الدكتور الصليبي أن فكرة القومية العربية في أواخر القرن التاسع عشر غير متميزة بوضوح عن فكرة القومية السورية حين نادى بها البستاني قبل ذلك بعشرات السنين· كذلك يتصوّر أن <عروبة< إبراهيم اليازجي ورفاقه لم تتناف مع فكرة القومية اللبنانية· والذي يفيدنا من وجهات النظر هذه، أهميتها في خلق مناخات الإئتلاف الوطني، في منأى عن الإعتبارات الدينية، وهو ما أراد الصليبي أن يثنى عليه حين قال:

<فالقومية العربية التي نادى بها المفكّرون المسيحيون تحدّت في ذلك الوقت، العصبية الدينية السائدة بين المسلمين، كما تحدّت فكرة القومية العثمانية التي نادى بها زعماء الإصلاح في الاستانة من دعاة المركزية وحاولوا فرضها على جميع البلاد الخاضعة للسلطنة· وتبقى الحقيقة الأساسية ماثلة في سجل التاريخ وهو أن الثورة القومية التي قضت على أنصار القومية التركية الذين عملوا على بسط سلطانهم في العالم العربي، إنما انطلقت شرارتها الأولى·· من أقلام اللبنانيين والسوريين لتلهب الشعور الذي تفجر عن القومية العربية وبفضل هؤلاء الأدباء شاعت مصادر جديدة لكلمات كان الناس يتداولونها، ولم تكن لها المفاهيم التي اكتسبتها ومن جملة هذه الكلمات: الاستقلال، الوطن، الأمة ، حقوق الإنسان، الوطنية·

العلاقة بين ثورة الوطنين: المقيم والمغترب وهكذا تجلّت الصلة المتينة بين <اليقظة السياسية والدعوة الى التحرر> و <اليقظة الفكرية> بأجلى مظاهرها في كثر من مواقف النضال الوطني، نذكر منها حملة خليل مطران في بواكير شعره على الظلم الحميدي، ونذكر هنا قصيدة إبراهيم اليازجي التي ألقاها بدعوة من الجمعية العلمية السورية سنة 1868· ومع أن هذه القصيدة قد ألقيت في جلسة سريّة، فقد ذاعت سريعاً، وأصبحت على لسان الوطنيين العرب بمنزلة آيات من الكتب المقدّسة، لأنها كانت مرآة لواقع مرير وصرخة تحدّ تهيب بالعرب الى <قيامة> قوية بعد نوم طويل، فقد قال اليازجي في منظومته الوطنية:

تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب فقد طمى الخطب حتى غاصَتِ الركب قصيدة اليازجي التي يخاطب فيها الشاعر اللبناني العرب قاطبة حيثما وجدوا، دون تمييز أو تحديد في الزمان والمكان، تحمل مؤشرات هامة، أبرزها:

أ - عدم التنكر للنهضة العربية القديمة وتاريخها العريق·

ب - رفض الشاعر الحالة التي آل إليها واقع العرب·

ج - سخط إبراهيم اليازجي على السياسة العثمانية الغاشمة·

د - وجود تصوّر في ذهن الشاعر ووجدانه، للحكم الصحيح الذي ينظم العلاقة بين السلطة والشعب·

فالقصيدة، في جانب من جوانبها وثيقة تاريخية عظيمة الدلالة على تشكل مفاهيم الثورة والرفض والشعور القومي والإيمان بحرية الشعوب وحقّها في النضال ومقاومة الاستبداد بالإرادة الجماعية·· منذ وقت مبكر في البيئة العربية، وتلك الظاهرة تؤيد وجهة نظرنا في هذه المقدمات التي نتصوّر أنها مدخل ضروري لدراسة السمات التجديدية في شعرنا المهاجري، لأننا نعتقد بأن ما يأسرنا في ديوان شعر الإغتراب من خروج على التقاليد الشعرية الموروثة إنما انطلق من ربوع هذه الأرض، ففي تربتها ظهرت نواة هذه الإتجاهات الثورية في معاني الشعر وصوره، وبالتالي في موسيقاه وإيقاعاته·

نحن لا ننفي الصلة العميقة، بين ثورية اليازجي وثورية جبران، لأننا ندرك الوشائج التي تربط بينهما· إن اليازجي الثائر استمدّ ثورته من الثقافة التي غذّى بها فكره ووجدانه، وتعجبني في هذه المناسبة تلك النظرة الجامعة بين الموضوعية والمثالية التي شدد عليها رئيف خوري وهو يؤرخ للفكر العربي الحديث، فقد جعل حداثة هذا الفكر لا تأخذ من الثورة الفرنسية وحدها، بل وتستمد أيضاً مقوماتها من التراثين العربي والإسلامي، فتحت عنوان <تياران يتفاعلان>، وبعد أن أثبت عبارة عمر بن الخطاب <متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟< ليوازيها القارئ بالبند الأول من <إعلان حقوق الإنسان>،· ونصّه: <يولد الناس، ويلبثون أحراراً، متساوين في الحقوق>·· قال رئيف خوري: <لا شك أن مثل هذا التراث العظيم الذي وجد مفكرونا المصلحون أنفسهم متكئين عليه، خلق فيهم استعداداً نفسياً كبيراً للإعجاب بالثورة الفرنسية وتقبّل مبادئها·

د· عمر طباع

المصدر : اللواء اللبنانية