مجال البحث
المكتبة التراثية المكتبة المحققة أسماء الكتب المؤلفون القرآن الكريم المجالس
البحث المتقدم ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث البحث في لسان العرب ثقافة, أدب, شعر, تراث عربي, مكتبة , علوم, تاريخ, لغة, كتب, كتاب ,تراث عربي, لغة, أمهات الكتب, تاريخ, فلسفة, فقه, شعر, القرآن, نصوص, بحث إرشادات البحث

لوركا «الأغاني وما بعدها» الرعوية والكآبة في كلمة واحدة

الترجمة عن نص شعري هي حالة لم تزل حتى الآن مثار جدل بين أحقية الشعر بغنائية وإيقاع لغته الأصلية.

وبين حق العقل بالكلمة- الوحي بلا تلك الحواجز التي تصطنعها الثقافات، النص الذي قدمه الشاعر سعدي يوسف كترجمة منه لنصوص الشاعر الإسباني فيدريكو غارسيا لوركا في الكتاب الديوان «الأغاني وما بعدها» لم يكن خارج هذه السجالات الأقل أهمية عن علاقة الشعر باللغة الأم، وفي حين ينبري الكثيرون للدفاع عن هذه المحاولات- الترجمات- كان لا بد من محاكمة أخرى لهذا النص لا خارج لغته فقط بل خارج إطاره الثقافي المعيش كنص يحظى بالاهتمام العالمي. ‏

وفي حين كانت المحاكمات النقدية المشروعة تماماً للنص الشعري ضمن بيئته الثقافية والزمانية طريقة شبه سائدة لنقاش هذه النصوص، كان لابد من التوجه نحو الأبدي والأصيل في هذه النصوص في محاولة للتعرف على مكامن الوحي العميقة في الشعر أو لنقل الكلمة- الوحي: ‏

«الأطفال يغنون

في الليل الهادئ: ‏

يا جدولاً صافياً ‏

يا منبعاً هادئاً!» ‏

الكلمات الأولى في شعر لوركا من أهم مفاتيح الوصول إلى قصيدته، حالة البناء الدرامي التي يحمل عليها لوركا كل أحلامه وهيجاناته الشعرية، هذه الجمل الابتدائية هي أم للنص عند لوركا- متجاوزين البداية والنهاية من الناحية الثقافية الحضارية المبنية على أسس نقدية أكثر منها شعرية في الحقيقة- فإن هذه البدايات عند لوركا هي مفتاح مهم لفهم شخصية النص المقبلين عليه: ‏

«دعني إذاً أصعد نحو الشرفة العالية ‏

دعني إذاً أصعد نحو الشرفة الخضراء ‏

حيث الماء والأقمار والأصداء». ‏

وتأتي الدراما كخيط آخر يساهم في خصوصية هذه القصائد إلى جانب المزج الحذر بين الشعرية والنص المسرحي الذي أسس على صراع درامي، وهذا الصراع الذي استمده في الغالب من ذاته الغريبة عن ما حولها، ومن الحنين الكئيب نحو طفولة مبكرة، رحلت ولم تترك سوى بعض صور مشوشة يحيلها كما هي في نصه وبين جمل مقتطعة من أغانٍ مكررة الإيقاع في الذاكرة الضائعة للشاعر، التصاعد المشهدي في نصوص لوركا نحو مونولوجات مغرقة بالذاتية والكآبة، في حين يسترجع في حواراته الشعرية الأغاني الرعوية والريفية. ‏

حالة من التمازج عند لوركا بين الإيقاع الرعوي والكآبة أمام عبث الحياة أحيانا، كانت وليدة هذا التناقض البنائي عند الشاعر، هذا التناقض الذي لم يكن مؤثراً على النص الشعري بقدر ما هو مؤثر على المتلقي، يحول أحياناً دون وصولنا نحو الحالة الرئيسية التي يعيشها لوركا في نصوصه، وفي الوقت نفسه قد يضعنا تماماً في قلب النص دون دراية واعية من المتلقي لشعر لوركا: ‏

«يا فدريكو غارثيا ‏

أرسل للحرس المدني ‏

فخصري ينقسم الآن ‏

كساق الذرة» ‏

الحوار نفسه يُخلق من رحم الصراع، وفي حين تكون الأفعال على هامش هذا النص وإن بني كاملاً عليها فإن الحوارات في نصوص لوركا وهنا في هذا الكتاب بالذات هي جوهر الحكاية والنص الذي يقدمه لوركا. ‏

الحدثية أو تلك الصيغة المبنية على حدث، تضع لوركا بين نثر وإيقاع وهذا اللقاء خارج الإيقاع -لا كمحاولة لتجريد النص من أسلحته- بل كمحاولة للوصول إلى الحقيقي فيه فإن الصيغة الحدثية عن لوركا هي جوهر لما هو حقيقي في هذا العبث الذي نعيشه، هنا كان لوركا بأقوى حالاته: ‏

«في الخامسة بعد الظهر ‏

كانت تمام الخامسة بعد الظهر ‏

صبي جاء بالملاءة البيضاء ‏

في الخامسة بعد الظهر. ‏

سلة كلس هيئت بعجل ‏

في الخامسة بعد الظهر. ‏

وما تبقى كان الموت والموت وحده ‏

في الخامسة بعد الظهر». ‏

ربما علينا أن نحب لوركا أكثر من أن نقرأه، ربما علينا فهم هذا التكثيف الجميل للتجربة الإنسانية الذاتية والمعيشة أكثر من أن نقرأه، لوركا سواء خارج بيئته وسواءً داخل محيطه الغنائي والغجري سيجعلنا نقف أمام نصوصه لا لنقرأ فقط أو لنحاكمه نقدياً بل لنحب هذه النصوص. ‏

المصدر : جريدة تشرين السورية